85 % من الناس يعيشون تحت سيطرة التعلق وهم لا يعرفون
التعلق من أخطر الحالات النفسية لأنه يتخفى خلف مسميات جميلة مثل الحب والاهتمام والوفاء، لكنه في الحقيقة قد يكون خوفاً من الوحدة، أو خوفاً من الفقد، أو خوفاً من مواجهة النفس الإنسان عندما يتعلق بشخص أو مكان أو فكرة، غالباً لا يتعلق بالشيء نفسه، بل يتعلق بالشعور الذي يعطيه هذا الشيء الأمان، الاهتمام، التقدير، الهروب من الفراغ، كلها مشاعر تجعل الإنسان يتمسك حتى لو كان يتألم.
التعلق لا يبدأ فجأة، بل يبدأ تدريجياً. في البداية اهتمام، ثم تعود، ثم انتظار، ثم يصبح وجود الطرف الآخر جزءاً من يومك، ثم فجأة تشعر أن مزاجك مرتبط به، نومك مرتبط به، تركيزك مرتبط به، وهنا يتحول الأمر من علاقة طبيعية إلى تعلق.
أخطر مرحلة في التعلق عندما تصبح لا ترى عيوب الطرف الآخر، وتبرر كل تصرفاته، وتلوم نفسك دائماً، وتخاف أن تخسره حتى لو كنت أنت الذي تخسر نفسك.
الشخص المتعلق يعيش قلقاً دائماً، ينتظر رسالة، ينتظر اتصالاً، ينتظر اهتماماً، وأي تأخير بسيط يفسره على أنه تغير أو ابتعاد أو عدم حب يعيش داخل رأسه أكثر مما يعيش في الواقع. يحلل الكلمات، يحلل النبرة، يحلل وقت الرد، ويصنع قصصاً في عقله قد لا تكون حقيقية.
المشكلة ليست في الطرف الآخر دائماً، المشكلة في الفراغ الداخلي الذي يجعل الإنسان يتعلق بأي مصدر يعطيه شعوراً مؤقتاً بالامتلاء.
التعلق يجعل الإنسان ضعيف القرار، ضعيف الموقف، يقبل أشياء لم يكن يقبلها، ويسكت عن أشياء كانت خطوطاً حمراء في حياته ليس لأنه لا يرى، بل لأنه يخاف أن يخسر.
فيبدأ بالتنازل، ثم التنازل، ثم التنازل، حتى يستيقظ يوماً ويكتشف أنه لم يعد يعرف نفسه.
أصعب ما في التعلق ليس البعد، بل الانسحاب. لأنك لا تنسحب من شخص فقط، بل تنسحب من عادات، من ذكريات، من روتين يومي، من شخص كنت تحكي له كل شيء.
لذلك يشعر الإنسان وكأنه ينسحب من جزء من حياته وليس من شخص فقط.
العلاج ليس أن تكره الشخص، ولا أن تقنع نفسك أنه سيء، العلاج الحقيقي أن تبني حياة فيها أشياء كثيرة مهمة، لأن الإنسان عندما تكون حياته فارغة يتعلق بشيء واحد، وعندما تكون حياته مليئة لا يتعلق بشيء واحد.
التعلق لا يعالج بالابتعاد فقط، بل يعالج ببناء حياة أوسع من شخص واحد، واهتمامات أوسع من علاقة واحدة، وقيمة ذاتية لا تعتمد على وجود أحد.
القاعدة النفسية تقول: كلما زاد الفراغ الداخلي زاد التعلق، وكلما زادت قيمة الإنسان في عينه قلّ تعلقه بالناس.
الإنسان السوي يحب، يهتم، يشتاق، لكن لا يفقد نفسه، لا يفقد كرامته، لا يفقد توازنه.
الفرق كبير بين أن تحب شخصاً، وبين أن تحتاج شخصاً لتشعر أنك بخير. الأولى علاقة صحية، والثانية تعلق.