طوَّفتُ بين الأمم، وعايشتُ ثقافاتٍ متعددة.
استوقفتني دولتان: إندونيسيا وإثيوبيا.
الشعب الإندونيسي أطلقتُ عليهم عصافير الخفوت؛ فهم يؤمنون أنّ الاحترام يبدأ من نبرة الحديث.
فلا تكاد تسمع صخبًا أو إزعاجًا في الأماكن العامة، بل يشيع بينهم هدوءٌ يمنح المكان راحةً.
كلُّ من يعاني من سعار الغضب وهلوسة الهيجان، فجنوب شرق آسيا علاجٌ لحنقه، ودواءٌ لحماقته.
استهوتني سيارات الأجرة، فالسائقون يتسابقون لجودة الحياة؛ فذاك يضع لك قارورة الماء، والآخر يقدّم لك الحلوى، والبعض قد زيّن سيارته بمراكن الزرع، كأنّك في حديقةٍ غنّاء.
تعجّلتُ الخطى للولوج إلى مساجدهم، فهناك الصناديق المخصصة للأحذية، وقائمٌ عليها من يستلم منك الحذاء بكل أدبٍ وتقدير، فلا أحذيةَ متكدسةً عند الباب،
ولا صناديقَ يكسوها التراب.
حينها تذكرتُ قولة أحد الدعاة: "إذا رأيت الأحذية متكدسةً عند أبواب المساجد، فلن تتعلم هذه الأمة النظام."
قفلتُ راجعًا من رحلتي، وكأنّي الوحيد في الطائرة؛ فهمس العصافير يكاد لا يُسمع، لدرجة أنّ اثنتين من دورات المياه قد تعطّلتا، وطيور الهمس تنتظر دورها في بقية دورات المياه، بدون كللٍ، ولا تأففٍ،
ولا اعتراض.
همست في أذني صاحبي، فقلت له: إنّ عنصري الحياة ينعتونهم بأنّهم جاوة...... وفي اعتقادي أنّهم هم......
سابقتُ الزمن بخطاي إلى دولة إثيوبيا، كنت مترددًا بين الإقدام والإحجام.
ما الذي يدفعك للسفر إلى دولةٍ فقيرة، ليس فيها مقومات الحياة؟
حللتُ أرض أديس أبابا، عببتُ من نسيم هوائها، وأبهجتُ ناظري بطبيعتها الخلّابة.
أدركتُ أنّ الحضارات يبقى أثرها في الشعوب، حتى لو تعاقبت الأجيال، وتوالت السنون.
ذُهلتُ أنّهم لا يدخنون، ولا يعسّلون في الأماكن العامة بجميع أطيافها، ولم أرَ أيَّ شخصٍ طيلة رحلتي يدخّن سيجارته علنًا، فحينما سألتهم: هل هذا نظامٌ من الدولة؟ فأخبروني بأنّها ثقافة شعبٍ يرى أنّ التدخين أمام الناس عيب.
سكنت روحي أينما حلّت، وأرخيتُ أنفاسي حينما جلست؛ لأنّه منذ أن بزغت شمس ولادتي، وأنا أكره التدخين وأخواته،
ولا أحب الجلوس في أماكن يتحرّش بأنفي عبقُ التبغ.
تملّكني الانبهار من تقديسهم للغريب في أماكن الخدمات المكتظة، فالموظف يقدّمك على أبناء بلده بكل ودٍّ وترحيب.
استولى عليّ الذهول من حرصهم على نظافة شوارعهم، رغم فقرهم، فلا تشمئز من رصيفٍ مليءٍ بالقاذورات،
ولا تحتقر أحدهم لرميه الفضلات.
رغم أنّ البلد يغلب عليها الطابع الأرثوذكسي المسيحي، إلّا أنّك تجد شطافات المرحاض في جميع دورات المياه، على خلاف جميع الدول غير المسلمة، أو الدول الإسلامية المتأثرة بالثقافة الغربية في استخدام المناديل دون الماء.
استوقف بصري المسارات المحددة في الشوارع الرئيسية؛ فتلك للمشاة، وهذه للدراجات، وجزءٌ مزروعٌ على امتداد الطريق، لا تجد من يطؤه أو يعبر من فوقه، بل هناك ممراتٌ خاصة تعبر منها.
" من يطأ الزرع استخفافًا، يخطو فوق معنى الجمال قبل أن يخطو فوق
العشب. "
أنا أدرك تمامًا أنّ هذه الدول بها سلبياتٌ وجوانبُ مظلمة، ولكن تتألم حينما ترى دولًا متقدمةً تفتقر شعوبها إلى أبجديات الرقي، ومسلّمات الذوق العام.
"الرقي أن تعبر بين الناس، فلا تسمع ضجيج الأنانية، بل ترى جمال الاحترام في أبسط التصرفات."
محمد هريس
نعم، قد يحزن الإنسان لأنّه لا يحزن.
فهناك لحظات لا يكون الألم فيها ناتجًا عن فقدٍ أو خيبة، بل عن غياب الشعور ذاته.
يشعر المرء أنّ قلبه صار محايدًا أمام ما كان يهزه، وأنّ الأشياء التي كانت تفرحه أو تؤلمه تمرّ به كأنّها
لا تخصّه.
عندها لا يحزن على حدثٍ وقع، بل يحزن على نفسه التي لم تعد تستجيب كما كانت.
ولعل مظفّر النوّاب حين قال:
"مو حزن، لكن حزين" كان يصف هذا اللون من المشاعر؛ حالة لا تجد لها سببًا واضحًا، ولا تملك لها اسمًا دقيقًا.
إنّها ليست حزنًا على شيء، بل حزنًا من شيءٍ غامض يسكن الأعماق.
وقد أشار المعنى نفسه أبو الطيب المتنبي حين قال:
وَحُزنٌ كُلَّما خَطَرَتْ بِبالي
تَضاعَفَ لا لِشَيءٍ مِنَ الأَشياءِ
كنت أقرأ في كتاب الروح لإبن القيم الجوزية فاستوقفني هذا الربط العميق والاستنباط الدقيق في أنّ بين الروح والجسد ارتباطًا وتناسبًا، وأنّ آثار النفس الباطنة كثيرًا ما تظهر على الملامح والسمت والتصرفات، وإن لم يكن ذلك على سبيل القطع في كل فرد.
وأنّ الجمال الظاهر كثيرًا ما يكون معه جمال في الأخلاق أو الطبع، لكنه ليس قاعدة لا تتخلّف، فقد يوجد جميل الصورة سيئ الخلق، والعكس.
وينشأ ناشئُ الفتيانِ منّا
على ما كان عوّدَه أبوهُ
وفي الحديث:
" إنّ الصدق يهدي إلى البر، وإنّ البر يهدي إلى الجنة..."
فالأعمال الباطنة والظاهرة يؤثر بعضها في بعض، وتترك آثارها على صاحبها مع مرور الزمن.
محمد هريس
من أصعب ما يواجه المربي في حياته هو أن يرزقه الله بطفلٍ "لا يشبهه"؛ أبٌ مفكر ومهتم بالكتب يرزقه الله بابنٍ لا يحب إلا الكرة والحركة، أو أمٌّ دقيقة ومنظمة تُرزق بابنةٍ تميل للفوضى والخيال.
خلال تجاربي، رأيتُ بيوتاً كادت أن تنهدم، ليس بسبب انحراف الأبناء، بل بسبب محاولة الآباء المستميتة لإجبار "الصقر" أن يعيش حياة "الغزال".
الواقعُ المرّ الذي نعيشه: حين لا يشبهنا الابن، نبدأ بممارسة (الضغط الناعم)؛ ننتقده، نقارنه بغيره، ونُشعره دائماً بأنه "خيبة أمل" لأنه لم يحقق طموحاتنا نحن. والنتيجة؟ ينشأ الابن مهزوز الشخصية، يشعر بالذنب تجاه فطرته التي خلقه الله عليها.
رسالتي لكل أب وأم يشعرون بغربة تجاه أبنائهم:
1. أنت "مزارع" لست "نجاراً": النجار يشكّل الخشب كما يريد، أما المزارع فيرعى النبتة لتكون "أفضل نسخة" من نفسها. إذا كانت نبتتك (ياسمين)، فلا تطلب منها أن تعطيك (ty
2. ابحث عن "منطقة التقاطع": بدلاً من التركيز على ما يفتقده ابنك من صفاتك، ابحث عن شيء واحد مشترك بينكما واستثمر فيه. التربية تبدأ من "القبول الكامل" لا من "التعديل المستمر".
3. الذكاءات أنواع: قد لا يكون ابنك بارعاً في الحفظ، لكنه يملك ذكاءً اجتماعياً يفوقك، أو مهارة يدوية تسبق عمره. إننا نقتل عبقرية أبنائنا حين نحصرها في "التحصيل الدراسي" فقط.
يا أحبة.. أعظم هدية تقدمها لابنك هي أن تشعره بأنه "مقبول كما هو". الحب المشروط بالنتائج والتشابه هو "ابتزاز عاطفي" وليس تربية.
د. عبد الكريم بكار
@haifaafaqeih من حائل يشرق أثرٌ جديد؛ فصاحبة الهمة لا ترى في الطريق تعبًا، بل ترى في كل رحلة فرصةً لنشر المعرفة وإحياء الجمال الثقافي. بوركت جهود الدكتورة هيفاء.
@qcc_333 غريب كيف يتحول الشعر أحيانًا من مجرد زينة… إلى حكاية كاملة تختزن الحب والحزن والوفاء والتضحية.
وكأنّ الخصلات التي تُقص لا تسقط عبثًا، بل تترك وراءها معنى لا يُرى
الإلحاف في العلاقات ليس مجرّد تكرار للكلام، بل إلحاحٌ يستنزف الودّ.
قد يبدأ بنصيحةٍ أو عتابٍ عابر، ثم ما يلبث أن يتحوّل إلى صوتٍ متكررٍ يطرق الأذن
بلا انقطاع، حتى يضيق به الصدر.
فالكلمة، إذا أُعيدت كثيرًا، فقدت أثرها، وتحولت من توجيهٍ إلى إزعاج.
الكثير يظن أنّ كثرة التذكير سترمّم الأخطاء، ويخفى عليه أنّ النفس البشرية لا تُروَّض بالترديد المزعج، بل بالرفق وحسن التوقيت.
ولهذا قيل في الأمثال:
"الزَّنّ على الأذن أمرّ من السحر."
في علاقات الخفوت، يكفي التلميح عن التصريح، والصمت عن الإلحاح.
طفلٌ يكرر طلب لعبةٍ من والديه… إزعاج،
أحد الزوجين يسترجع عتابًا قديمًا كل مرة… إبرامُ نفس،
صديقٌ يتوالى عتابه كلما قابلته… تتابعٌ مثقل،
نصائحُه تتعاقب في كل لحظة… تكرارٌ يُرهق النفس.
"الزَّنّ لا يكسب القلوب، بل يستنزفها؛
"فالكلمة التي تُقال في وقتها مرةً،
أبلغ من كلمةٍ تُقال عشر مرات."
البعض لا يتحمل الانتظار، صبره ينفد، فتكراره متوالٍ، وطلبه متعاقب، حتى ينال ما يريد.
ومنهم من يعيش هاجس ألا يُلبّى طلبه أو يُهمل، فالإلحاح ديدنه، والزن أسلوبه.
وذاك من يعاني هوس السيطرة، فيلجأ إلى ملاحقة الكلام كوسيلة ضغط لفرض رغباته.
ومنهم من يشعر أنه هامشي؛ كلامه
لا يُسمع، ورأيه
لا يُلتفت إليه، فيلجأ إلى التكرار ليلفت الانتباه.
وزيدٌ يعاني من الفراغ، فتجده ثرثارًا
بلا حاجة، ومهذارًا يعيد الكلام لتزجية فراغه.
وعمرو طبعه غلّاب؛
لا شعوريًا يكرر، وبدون قصدٍ يُلحّ.
لاحظت في دنيا البشر أنّ أغلب من يعاني الزن هو إنسان يعتمد على الآخرين؛ فحاجته الملحّة تجعله يعيد الطلب، أو شخص يفتقر إلى كثيرٍ من مهارات التعلّم، فتجده في كل صغيرةٍ وكبيرة، وبشكلٍ ملح، يردد:
"علّمني"،
"كيف الطريقة"،
"ما العمل؟"
"فمن لا يُحسن الفعل يُكثر القول، ومن
لا يملك وسيلة الوصول يُكثر الطرق.
وهنا لا يكون الزَّنّ قوةً في الطلب، بل تعويضًا عن ضعفٍ في القدرة."
حينما يتحول الزن إلى هدوء، سترتاح بالًا، وتطمئن نفسًا.
صدقني، ما قلته وصل… لا تقلق،
ما كتبته سيُقرأ…
لا تنزعج،
ما طلبته سيُنظر فيه…
لا تخف.
دائمًا أردد على مسامع الآخرين أنّني لا أحب أن أكون جاهلًا،
ولا مغفّلًا، ولا مُستغفَلًا؛ فالتعلّم واكتساب المهارات دواءٌ لداء الزن، وعلاجٌ لمرض الإلحاح، واستغناءٌ عمّا في أيدي الناس.
ليس كل إلحاحٍ صوتًا مرتفعًا؛ فهناك الزن الخفي، وهو أشد إيلامًا. فالتعريض والتلميح، وكما يقول العامة:
"الدق بالكلام"،
بتكرارٍ فجّ، يؤلم روحًا، ويوتر أعصابًا.
ابني…
لا تنزعج من كثرة زنّي،
لا تنفر من توالي طلباتي؛
فيوماً ما… كنتُ مثلك مع والدي.
فأدركت المعنى اللافت لقوله تعالى:
"إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا، فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ، وَلَا تَنْهَرْهُمَا، وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا".
إن أثقلتك كلماتي،
وتعبتَ من ترديدي،
فتحمّلني قليلًا…
ولا تقل: "أُفّ".
محمد هريس ✍🏻
أحيانًا لا يكون التعب جسديًا، بل ذبولًا في الشغف، ورتابةَ اللحظات، وخمودَ الروح.
"الملل صمتُ الروح حين لا تجد ما يوقظها."
الأغلب يعاني من تبرّم الحياة؛ كللُ الحياة اليومية يؤرّقه، ورتابةُ الوظيفة تُكدِّره، والصبرُ على معالي الأمور يُتعبه، وتكرارُ الروتين يُعكِّره. تشابهُ الأعمال والوجوه والطرقات يلوِّح بأن اليوم كالأمس، فيتسلّل الملل إلى النفس.
"تسلّلت السآمة إلى القلب حين تشابهت الأيام."
ضياعُ الغاية في حياة الإنسان إيماءةُ خمودِ اللحظة، ولسانُ حال الأعمِّ يردّد:
وَطَريقي ما طَريقي؟ أَطَويلٌ أَم قَصير؟
هَل أَنا أَصعَدُ أَم أَهبِطُ فيهِ وأَغور؟
أَأَنا السائِرُ في الدَربِ أَمِ الدَربُ يَسير؟
أَم كِلانا واقِفٌ وَالدَهرُ يَجري؟
لَستُ أَدري.
فانطفاءُ الحماس أصبح شعارَ الكثير؛ يلهث خلف ما يشغل فراغه ويُزجي ملله طيلة يومه.
السآمة تعتري كثيرًا من العلاقات؛ لتفاهة الطرح وتكرار المحتوى.
هناك من يجلس ساعاتٍ طويلة
بلا نشاط أو هدف، يتنقّل بين الأشياء
بلا رغبةٍ حقيقية، فيشعر أن الوقت ثقيل وأن اللحظات بطيئة.
في بعض الأحيان أتأمّل في حال البعض في المقاهي؛ يجلس الساعات الطوال، يحتسي قهوته، ويقلّب هاتفه، ويتأمّل الغادي والرائح، عاجزًا عن أن يصنع لحظةً فارقة في حياته.
الملول يفقد جمال الحياة؛ فالصبر على معالي الأمور سجنه، وتحمّل طبيعة عمله عذابه، والكفاح من أجل تحقيق الهدف هلاكه.
تأمّل حال البعض؛ تُرسل له مقطعًا صوتيًا هادفًا أو مقالةً جميلةً معبّرة، فتجده،
لا شعوريًا، يمرّر بحركة سريعة بإصبعه؛
لا يتحمّل سماعًا،
ولا يطيق قراءةً.
قتل ملل طبعه لحظات النضج.
العزلة دواء الروح، تهدأ من ضجيج الحياة، لكن فرطها مع غياب البرامج العملية يخلق كللًا وفتورًا.
خمود الروح أنكى؛ فتورُ عبادة، وذبولُ شغفٍ لما يقرّبه إلى الله.
فرانُ الذنب يصنع فجوةً مع الله، وتكدّر الروح بالمعاصي يُحدث مللًا وضجرًا من محراب الإيمان.
انظر إلى التصوير القرآني لمأساة الضجر:
"وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ".
فالإقبال على الله وممارسة التعبّد لديه كمن يرتقي إلى السماء، وكلما صعد اشتدّ عليه التنفّس وضاق صدره.
جمود الشعور في الحياة الزوجية منعطف خطير؛ مآلاته مشاكل مستعرة، ونهايته طلاق بائن.
التعوّد، وكثرة الخلطة بشكل يومي، وعدم تجديد لغة الحوار، ورتابة الحياة اليومية، ينجم عنه طلاق نفسي (الملل).
متأفّفوا الدنيا كبورصةِ الأسواق؛ تقلُّبٌ في الأسعار سريعًا، وتذبذبُ المؤشر عاجلًا.
صديقٍ ملَّ منه... هجر،
وظيفةٍ لم يتأقلم معها سريعًا... استقال،
سيارةٍ لم تعجبه... بدَّل، هاتفٍ لم يمرّ عليه إلّا سنةٌ أو سنتان... غيَّر،
لم يرضَ بما قسمه الله ...تضجَّر.
ملالة الحياة قد تسبب ردة فعل لدى الكثير من الناس؛ فيكسر رتابتها، ويتعلم جديدًا، ويشتعل نشاطًا، وتتوسع علاقاته.
"الملل ليس دائمًا عدوًا للإنسان؛ ففي بعض الأحيان يكون إشارة خفية تدعوه إلى التغيير، أو إلى البحث عن معنى أعمق."
محمد هريس
الوهن ليس نقصًا، ولا عيبًا كما يعتقد الكثيرون،
فبحكم بشريتنا يعترينا النقص والخلل والعِيّ. مراحل حياتنا بين استكانة الطفولة، وفتوة الشباب، وخَوَر الكِبَر.
مشاعرنا متقلبة بين قوة القلب فتقوى، وبين انكسار المضغة فتضعف.
" أحيانًا يكون الضعف إنسانيّةً خالصة؛
دمعةً تخرج من عينٍ حاولت أن تتماسك طويلًا،
أو صمتًا يختبئ خلفه وجعٌ لا تفي الكلمات بشرحه."
الانطفاء دُربةٌ لكي تقف ولا تستسلم، واستيعابٌ لأخطاء فتعدّل، وتبصّرٌ بقرارات هوجاء فتتأنّى.
" الإنسان القوي ليس من لم يعرف الضعف قط، بل من عرفه، ثم لم يسمح له أن يكسر روحه."
الهشاشة التي تعتري الإنسان في محطات حياته تكشف له كثيرًا من الحقائق؛ تجلّي له ما في القلوب، وتعرّي له نوايا الآخرين، وتبيّن من يقف معه ومن ضده.
"حين يفضح الضعف الأقنعة."
غنيٌّ افتقر… تخلّوا.
مسؤولٌ تقاعد… هجروه.
صحيحٌ مرِض… تنصّلوا.
شابٌّ هرِم… انسحبوا.
خار خصمهم… انقضّوا عليه.
تعرّت عيوبه… فضحوه،
ليس من ورائه مصلحة... نأوا بأنفسهم.
"لم يخذله الطريق… بل خذله السائرون معه."
مطبلو الصداقة كُثُر، وراقصو الصحبة يملؤون الدنيا ضجيجًا.
هوان الصديق يفضحهم، وخور رفيق الدرب يكشفهم.
جرّب أن تُظهر نقطة ضعفٍ فيك؛ فالنفوس النبيلة تستر، وتحنو، وتحفظ ما اؤتمنت عليه.
أما النفوس الصغيرة، فإنها لا ترى في ضعف الآخرين إلا سُلّمًا تصعد به.
يقول مكيافيلي:
"إذا كنت تريد كشف شخص على حقيقته، فأعطه نقطة ضعفٍ وهمية عنك، وإذا بدأ يستخدمها ضدك، فهذا عدوك وقد وقع في الفخ."
من لم يمرّ بالضعف، لم يعرف معنى القوة.
كنت أتأمّل تصرّفات إحدى السيدات المطلقات من معارفنا؛ عنيفة التعامل، شرسة الشكيمة، تحانك أعتى الرجال.
فسألتها يومًا: لماذا أنت هكذا؟
فضحكت وقالت:
تصدّق يا محمد أنّني حينما كنت متزوجة كنت ضعيفةً مستضعفة؛ أرتجف من الهمسة، وأرتعد من النسمة، ولكن استغلال طليقي لضعفي ومعاناتي معه، وطلاقي منه، أفرز نفسيةً صلدة وروحًا صلبة.
وهذه النفسية تنجرّ لكثير من المطلقات في مجتمعنا.
"ظنّوا أن الطلاق كسرها… فإذا به يصنعها من جديد صلبة."
من أصعب اللحظات حينما تنكسر، وتتعب نفسيًا، وتعجز داخليًا.
لذا تأمّل ذائقة المصطفى ﷺ حينما تعوّذ من غلبة الدين وقهر الرجال؛
فأصعب محكٍّ للرجولة حينما تتعرّض لظلم أو ضغط أو قهر أو دينٍ
لا تستطيع سداده، فتظل مكتوفة الأيدي لضعفها وهوانها وقلة حيلتها.
في لحظات الخور يجد القلب طريقه إلى الله.
"في القلب فاقةٌ
لا يسدّها إلا الإقبال على الله."
تمعَّن في أناقة إسلامنا فيمن رأى أو سمع عمَّن انتابه الضعف: فقرٌ داهمه، دينٌ ألمَّ به، عيبٌ خِلقيٌّ.
من رأى مبتلًى فقال: "الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به، وفضّلني على كثيرٍ ممن خلق تفضيلًا"، لم يُصبه ذلك البلاء.
تردد هذا الدعاء بخفوت، فلا يسمع المبتلى فيتألم.
من استصغر وجع غيره، قد يذوقه يومًا.
قال ابن سيرين: "عيّرت رجلًا فقلت: يا مفلس، فأفلست بعد أربعين سنة."
"لا تخشَ من يعرف قوتك، بل احذر من يعرف ضعفك."
محمد هريس
ليس كلُّ الانسحابات تُرى، ولا كلُّ رحيلٍ يُعلن، ثَمَّة أشياء تغادرنا بصمتٍ لا يُسمع.
كثيرٌ من العلاقات ينتابها تراجعُ الألفة، ويغشاها خفوتُ الذكرى، وتداهمها انطفاءاتُ الحنين؛ إمّا لمشكلةٍ ألمَّت، أو لعدم التوافق والتناغم الطبعي والفكري والعقلي والثقافي، أو لعلَّ روحي لم تتقبّله ابتداءً، بل ربّما كان طولُ الغياب قد ولَّد انطفاءَ الحضور.
"حين طال الغياب، بدأ انسحاب الهَسّ، وتكاثف الفراغ."
أفولُ الإحساس
لا يحدث دفعةً واحدة، بل يكون بالتدرّج، وبدون جلبةِ صوتٍ، كما يتراجع المدُّ دون أن ينتبه له أحد.
حينما تفتر العلاقة، يضمحلُّ الاهتمام، ويتوارى السؤال، ويتبدّد الإحساس بالفقد، وتندثر نبرةُ الصوت المبتسمة، وتتوالى الاعتذارات.
لباقةُ انسحاب الهَسّ اختيارُ الأعذار غير المفضوحة، والتبريراتُ التي توهم بصدقك.
وسامةُ عصافير الهمس، حينما ينسحبون، يتعلّلون بكثرة المشاغل، ويتذرّعون بأنّهم يحبّون العزلة ولا يختلطون بالناس، ويتحجّجون بمرضهم وتعبهم.
لباقةُ المغادرة أن
لا تكون بعد الاختلاف مباشرةً.
لا محالة سيشعر الطرف الآخر؛ دع الودَّ يستمرّ، والتواصل يدوم، ثم ابتعد بتؤدةٍ، وانصرف بتأنٍّ.
لفيفٌ من الناس يفجر في انسحابه، ويُفرِط في رحيله، فالحقوق العامّة بين المسلمين خطٌّ أحمر لا يُتجاوز.
انسحبتُ... في مراسم عزائه يلوح حضوري.
غادرتُ... ومع ذلك، فرسائل المعايدة تستهلّ رقمه.
ودَّعتُ... عند مرضه أنا على رأسه.
الرسائل الجماعية للمعايدات لا بدّ أن تكون للقريب والبعيد، والصديق والعدو، والحاضر والغائب، ومن اتفقت معه ومن اختلفت.
"رمضان مبارك"... تصفو القلوب.
"كلُّ عامٍ وأنت بخير"... تتصافح الأرواح.
بعض الناس يتفقّد رسائل المعايدات: من أرسل، ومن لم يُرسل، فيحوم الشيطان في ذهنه، ويستحكم سوءُ الظنّ بعقله.
فلانٌ لم يُعايد... ربّما لم يهتمّ بي، وما زال يكرهني، إذًا أحذفه من القائمة.
حينما أواسيك:
"عظَّم الله أجرك في فقيدك"،
انسحبتُ، لكنّ قلبي لم ينسحب من تعزيته.
ليس انطفاءُ الحضور محمودًا على إطلاقه، فهناك الأقارب؛ فالشارع الحكيم يُلزمك بصلتهم، ويأمرك بمقابلة الإساءة بالإحسان، بل يعتبر الوصل الحقيقي حينما تصل من قطعك، وتعطي من حرمك.
"حين ينسحب الأقارب، يتّسع الفراغ في أكثر الأماكن ألفةً."
الروح التصادمية، وردّات الفعل الانفعالية، وجهد إبداء الأعذار، وبركان التشاحن والتلاسن، يُتعب جسدًا، ويوهن قلبًا، ويشتّت ذهنًا، ويوغر صدرًا.
كن كالشمس حينما تغرب
ارحل بهدوء
غادر بسلام
تعِشْ مرتاحًا
دُمْ سعيدًا
"انسحاب الهَسّ لا يُرى، لكن يُوجِع."
محمد هريس
ترجّلتُ من مركبي، تسابقت الخطى، وتسارعتْ مع الزمن، عبرتُ عتبةَ مقهى روشن، فشعرتُ أنّني أعبر من الضجيج إلى نفسي، فصافحتني الطمأنينة قبل أن أصل إلى مقعدي.
رمقتْ عيني سيدةَ القصر في زاوية المقهى، في ركنٍ تبتسم، تُشرف وتتابع. حيث تكون، تنتظم التفاصيل دون أن تُنادى.
"اسمُ الدكتورة هيفاء فقيه لا يُكتب بجوار المكان، بل يُكتب في ذاكرته."
حينما رأيتها لأول وهلة، تذكّرتُ الدكتورة فاطمة نصيف رحمةُ الله عليها، فهمستُ مع نفسي:
أنا أنتِ وأنتِ أنا
كلانا حللنا بدنا
ففاطمة وهيفاء، زها الوجود بعطائهما، وبلغ الآفاق أثرهما.
رموزُ الحياة وصنّاع الدنيا، رجالاً ونساءً، ذائقةٌ لمّح لها المصطفى عليه الصلاة والسلام:
"كمُل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلّا مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم، وفاطمة بنت محمد، وخديجة."
في محطات الحياة سيداتٌ يصنعن للحياة بهجة، همّةً سامقة، مبادراتٍ مشرّفة، عطاءً متدفّق.
سيدتي هيفاء فقيه، سارت مع الركب.. لن تلحق بها،
حلّقت في عنان السماء.. لا تفكّر أن تصل إليها،
غرّدت من على غصن العطاء.. من سيغرّد مثلها؟
إن تناولتْ لاقط الصوت، بمحاضراتها تُبهرك، وبتعليقاتها تلفتك، تصول وتجول بك في عالم الأدب.. تطرب، غزارة معلوماتها .. تشدو، لغات متعددة.. لسانها يتحدث، تطوّف بعقلك بمؤلفاتها، وتأخذ بلباب قلبك بمداخلاتها.
شنّفتْ محرابَ المعرفة بسِفر "سيرة ومسيرة"، ثم عرّجت بديوان "لملمة شتات الكلام".
في زمن الضياع.. تأسرني
فتاةٌ في ركن مقهى تسكن بين صفحات الكتب.. أرفع لها قبعتي، يافعاتٌ في عمر الزهور، لهنّ حراكٌ ثقافي وأدبي.. أنحني لهنّ احتراماً.
الدكتورة هيفاء..خُلقت لتبقى.
لم يغلبها التقاعد،
لم تستسلم،
كان التقاعد محطةً..
لا نهاية الطريق.
عاد الشريك الأدبي إلى نبضه.. نفختْ فيه الروح بعزيمتها، وقنوات الأثير احتفتْ ببوحها.
الشريك الأدبي لمقهى روشن.. اصطفاءُ ذوق
تنوّعُ العناوين.. حرفتُها، وطيفُ المثقفين.. انتقاؤُها.
الدكتورة هيفاء أمًّا، حين كانت مجرّد همسة، ومربّيةً قبل أن تكون كتابًا.
تلك تُعلّمها، وهذه تُرشدها، ومبتدئةٌ تحتفي بها.
غفران مكّنتها، وليلى فتحت لها الطريق، ونورة نهضت بها .
سيدتي
أغادر هذه المقالة وأنا على يقين أنني لم أنتهِ، بل حاولتُ أن ألمس طرفك.
محمد هريس
https://t.co/lCvD3aRhwR