من بشريات جديد مطبوعات الشروح الحديثية -المغمورةِ التي لم تأخذ حقَّها في الانتشار منذ طباعته-:
الكتابُ الذي يُطبع للمرةِ الأولى: (الإشراق شرح مشارق الأنوار) للفقيهِ الأصوليِّ البابرتي الحنفيِّ (المتوفى ٧٨٦هـ) صاحبِ الكتابِ الشهير: (العناية شرح الهداية).
وكما يظهر من عنوان كتابنا هذا؛ فإنه شرحٌ لـ(مشارق الأنوار النبوية من صحاح الأخبار المصطفوية)، وهو جمعٌ بين الصحيحين للصَّغانيِّ الحنفيِّ (المتوفى ٦٥٠هـ) -وقد يُقال: ليس جمعًا بينهما، إنما انتقاءٌ منهما-، فمؤلفُ المتن والشارحُ كلاهما حنفيَّا المذهب. وقد احتوى كتابُ الصغاني هذا على قرابة (٢٢٧٢ حديثًا) مما أخرجه الشيخان أو أحدُهما، شرحها البابرتي كاملة في كتابنا هذا.
أما بالنسبة للأمور التي تُبرز أهمية هذا الكتاب، فهي كالتالي:
١- كونُ هذا الكتاب أقدمَ شرحٍ يصلنا من شروح كتاب (مشارق الأنوار للصغاني).
٢- كونُ هذا الكتاب أولَ ما بلغنا عن -البابرتي- في علمٍ من علوم الحديث، ومكانةُ البابرتي عند الأحناف لا تخفى.
٣- ظهورُ جانبٍ لا بأس به من الكتابة الاستقلالية التي تُبرز شخصية المؤلِّف في النظر والاستنباط والاستدلال، لا سيما في الجانب المتعلق بمشكل الحديث ومختلفه، من خلال أجوبته عمّا يشكل على الأحاديث من معارضات.
وهنا يُنظر: هل له اختياراتٌ وترجيحاتٌ فقهيةٌ يُخالِفُ فيها المذهبَ الحنفيَّ أم لا؟ إذ إن كتبَ الشروح الحديثية مظنَّةُ خروجِ وظهورِ ذلك إن كان موجودًا. غير أني، من خلال مطالعتي السريعة للكتاب، لم أتحقق من ذلك، فإن وُجد، كان ذلك مما يرفع من قيمة هذا الكتاب.
ومن خلال مطالعةٍ سريعةٍ يتبيّن أن شرح البابرتي شرحٌ متوسطٌ، يميل في الغالب إلى الاختصار، تغلب عليه السِّمة اللغوية والفقهية، مع ضعفٍ في حضور الصناعة الحديثية، إلا أن ذلك يعود لكون أحاديث الكتاب منتقاةً من الصحيحين. أما بالنسبة لمعالم منهج المؤلِّف وما تناوله في شرحه للأحاديث، فهي كالتالي:
١- يُبيِّن الغريبَ من ألفاظ الحديث، ويتضح بشكل عام اهتمامُه بالجانب اللغوي في شرحه هذا.
٢- يُباشر شرحَه للحديث بطريقتين مختلفتين في العرض. الطريقة الأولى: الشرح الموضعي، وهي أن يُورد الشرح بموضعه من لفظ الحديث، من خلال أن يقول: (وقوله: كذا: ...)، ويستخدم هذه الطريقة لـ(شرح ألفاظ الحديث شرحًا إجماليًّا يُبيِّن المراد منها في سياق الحديث لبيان المعنى الكلي المختصر للحديث وألفاظه)، وأيضًا لـ(الكلام على بعض الفوائد والأحكام المستخرجة من الحديث، وهذا اللفظ منه بالتحديد).
والطريقة الثانية له في مباشرة الشرح وعرضه -وهي أكثر من الأولى عنده-: مباشرةُ الكلام في (المعنى الإجمالي) و(الفوائد والأحكام المستخرجة والمستنبطة) من دون توزيع ذلك على مواضعه من الألفاظ في العرض، كما في الطريقة الأولى.
وكثيرًا ما يجمع بين الطريقتين في عرض شرحه للحديث الواحد، فيجعل الطريقة الأولى خاصةً بـ(الكلام عن المعنى الإجمالي الكلي المختصر للفظ من خلال سياقه)، وهكذا تكون بدايتُه، ويجعل الطريقة الثانية لـ(الفوائد والأحكام المستخرجة والمستنبطة)، فيتكلم فيها من دون توزيعها على مواطنها من الألفاظ.
ويتبيّن من ذلك أنه لا يلتزم منهجًا محددًا في عرض الشرح، بل يختلف أسلوبُه تبعًا لاختلاف مادة الحديث وموضوعه، ووضوحه وخفائه، وغير ذلك.
٣- يعتني بذكر ما يشكل على الحديث من معارضات، ويهتم بإيراد ما يشكل على الحديث من معارضات، ويقوم بحل ذلك والجواب عنها، وقليلًا ما يذكر أجوبةً أخرى غير الجواب الذي اختاره في حل التعارض، كما كثيرًا ما يُبيِّن وجه التعارض.
٤- في كثيرٍ من الأحيان يهتم بإيراد خلاف أبي حنيفة مع الشافعي، وأحيانًا مع مالكٍ ومع أحمد وغيرهما، ومنهجه في عرض الخلاف العالي وتناوله متفاوتٌ، سواء في إحصاء وذكر الأقوال المخالفة، أو الاستدلال للأقوال، أو المناقشة لها. وكثيرٌ من مادته في مشكل الحديث ومختلفه تأتي أثناء عرض وتناول الخلاف العالي.
والآنَ أصبحَ لدينا شرحانِ مطبوعانِ في شرحِ أحاديثِ كتابِ: (مشارق الأنوار النبوية من صحاح الأخبار المصطفوية):
١- (الإشراق شرح مشارق الأنوار)، للبابرتي (٧٨٦هـ).
٢- (مبارق الأزهار في شرح مشارق الأنوار)، لابنِ المَلَك الأب (٨٠١هـ).
والأولُ أوسعُ وأكثرُ فوائدَ من الثاني، وكلا المؤلفين حنفيَّا المذهب. وذكر محقِّقُ الكتابين (توفيق محمود تكلة) بأنَّه شارف على الانتهاء من شرحٍ آخَر، وهو (حدائق الأزهار شرح مشارق الأنوار) للأرزنجاني الحنفيِّ (المتوفى في القرن الثامن أو التاسع)، يسَّر اللهُ خروجَه.
هذه الميزة من أنفع مميزات يوتيوب..
تفتح لك محادثة مع Gemini لتطلبه أي شيء في المقطع..
• يلخص لك الكلام..
• يشرحه..
• يحيلك على مصادر..
• تسأله متى قال كذا في المقطع، متى فعل كذا في المقطع.. ويجيبك بالثواني..
ميزة نافعة جدا ومجانية..
ولا أظنها ستطول مجّانيّتها 😔
تتصدى حالياً الدفاعات الجوية الكويتية لهجمات صاروخية وطائرات مسيرة معادية.
تنوه رئاسة الأركان العامة للجيش أن أصوات الانفجارات إن سمعت فهي نتيجة اعتراض منظومات الدفاع الجوي للهجمات المعادية.
يرجى من الجميع التقيد بتعليمات الأمن والسلامة الصادرة عن الجهات المختصة.
#الجيش_الكويتي
هناك من يعده اختصار له، وهو الذي عليه أكثر المعاصرين المتخصصين بعلم الحديث، منهم على سبيل المثال أد. إبراهيم اللاحم كما ذكر في كتابه شرح النزهة.
وهناك من يعده عملا مستقلا أفاد من كتاب ابن الصلاح، منهم على سبيل المثال أد. حاتم العوني كما ذكر في كتابه معرفة علوم الحديث.
وهذه الصورة عمل قديم لي، والذي يظهر لي الآن والله أعلم أنه عمل مستقل أفاد كثيرا من كتاب ابن الصلاح بطبيعة الحال لمكانته، وابن دقيق العيد لم يصرح، وعباراته في مقدمة الكتاب وفي ختامه أقرب إلى كونه قصد فيه الاستقلال. والأمر يسير ومحتمل.
(عمل قديم)
ما تفرع عن مقدمة ابن الصلاح من شروح ونكت ونظم واختصار.
التصميم تفاعلي، حمله من الملف في الأسفل بصيغة (PDF)، ثم اضغط على الكتاب لتظهر لك الدراسة عنه وعن منهج مؤلفه فيه.
https://t.co/Os0BDkcSrE
من مسائل الإنكار المعاصر في الخلاف السائغ المعتبر في هذا الوقت (مسألة: حكم الأخذ من الشعر أو الظفر في العشر من ذي الحجة لمن أراد أن يضحي).
وهذا بيان مفصل لهذه المسألة، عرضت فيه التالي:
1⃣ ذكر الخلاف فيه والأقوال المعتمدة للمذاهب الأربعة في هذه المسألة.
2⃣ منهج التعامل مع هذا الاختلاف.
3⃣ مناقشة الذي يصدر منهم إنكار في هذه المسألة من خلال
- بيان ظنية دلالة أقوى الأدلة التي يتمسك بها المُنكِرُ على المخالف = تَحقُّقُ جميعِ أركانِ المسألةِ الخلافيَّةِ المعتبرة في هذه المسألة.
4⃣ وقوع التعارض الظاهري بين دليلِ القائلين بالحرمة، ودليل القائلين بعدم الحرمة.
5⃣ طُرُقُ الفريقين في دفع هذا التعارض الظاهري، وما يَنتُج عن كل طريقةٍ من قولٍ فقهيٍّ.
كل هذا حتى يقف طالب العلم المبتدئ على أن العلماء لم يقولوا بأقوالهم من باب التخرص والهوى، بل من بعد نظرٍ واجتهادٍ عميقٍ بعيدٍ عن السطحية. وهذه مسألة واحدة، وغيرها كثير من المسائل التي يَكثُر فيها الإنكار والتّشديد على المخالف (المعتبر) فيها مع كونها مسائل خلافية اجتهادية (يَسوغُ فيها الاختلاف)، ولا يجوز فيها الإنكار ومصادرة اجتهادِ ونظرِ العلماء المعتبرين فيها كالأئمَّةِ الأربعة وغيرهم.
https://t.co/ZYSzkArhSL
مشاري والفاروق عمر☝️
✍🏼 : مشاري حمود العميري
أذكر فيما مضى، و تحديدًا في عام 1976م، عندما كنت أعمل في شركة الصناعات الوطنية، وكان المدير المباشر لي هو المرحوم سعود عثمان البديوي،وكنت وقتها رئيسًا لقسم الصندوق في مصنع الطابوق، الذي كان موقعه في الري مقابل منطقة اليرموك، ومكانه الآن "لولو هايبر" الذي هو كذلك في مكان مصنع البطاريات قديمًا.
وبما أني كنت أعيش في قراءاتي مع عمر بن الخطاب ومتأثرًا به جدًا "رضي الله عنه" و متأثرًا كذلك بطريقته في كيفية كتابة رسائله للولاة في سائر الأمصار الإسلامية.!
وبعد انتهائي وتأثري من قراءة "ملحمة عمر" لـ علي أحمد باكثير،الواقعة في 16 جزءًا.
وبعد عشت مع أحداث ذلك التأريخ المجيد
حتى شعرت بأني أحد أفراده.!
فذات يوم أردت أمرًا من الإدارة العليا في الشركة، فما كان مني إلا أن سحبت ورقة من أمامي على المكتب، وقطعتها نصفين بطريقة عبثية، وكتبت في أعلاها :
بسم الله قاصم الجبارين ومذل المشركين. وناصر ومعز الموحدين.!
وتحتها كتبت :
من مشاري بن حمود العميري
إلى سعود بن عثمان البديوي
أما بعد،،
إذا وصل كتابنا هذا إليكم، فنرجو ابلاغ الشركة برغبتنا في اجازة مدفوعة الاجر لمدة كذا يوم، تبدأ من تأريخ كذا وتنتهي بتأريخ كذا،،
والسلام ختام.
وبعد أن أرسلتها في البريد، وإذا بمديرنا سعود البديوي يتصل بي وهو في حالة ذهول يقول :
ما الذي أرسلته لي يا مشاري.!؟
وماهذه النصف ورقة التي كتبت فيها هذا الكلام.!؟
فقلت وكلي ثقة، وكأني هذه الساعة قد ترجلتُ من فرسي الكميت، مُتقلدًا سيفًا ورمحا، بعد إنتهائي من إحدى معارك الإسلام أيام الفتوحات :
قلت وكلي جدية وصرامة :
أرسلت لك كتابًا، ما الأمر.!؟
وكان رحمه الله ظريفًا جدًا، فضحك
وقال : يا مشاري، أصحى أنت في شركة الصناعات الوطنية وفي مصنع الطابوق، وليس في معركة القادسية، أو إحدى معارك الاسلام أيام الفتوحات.!!
ثم قال لي :
أكتب طلب الإجازة بورق الشركة مطبوعًا، وأرسله بالبريد أو إن أردت بيدك عندي، ودع عنك كتابة :
من مشاري بن حمود إلى سعود بن عثمان، هذه الأمور ما تمشي عندنا في الشركة، ولو قرأها المدير العام لقال أكيد مشاري مع مديره سعود(ينو).!!
وكنت أسمع له ضحكة من وراء سماعة الهاتف قبل أن يودعني.!
بالطبع لم ترق لي تبريراته التي ذكرها لي آنفًا، بل الحماس الذي كنت أعيشه في تلك الفترة يصعب على أحدٍ أن يُزحزحه عن تفكيري الذي تشرب حياة عمر الفاروق رضي الله عنه، وذلك يرجع لشدة تعايشي مع سيرته وحياته على حدٍ سواء.
وهنا تكمن خطورة التلقي من الكتاب دون شيخ أو معلم، وصدق من قال :
من كان شيخه كتابه
فخطؤه أكثر من صوابه
وأعدت الكتاب مرة أخرى على مضض مني، لأنه رفض رفضًا قاطعًا رفع كتابي
"أبو نصف صفحة" للإدارة.!
سؤال مهم! فالكتاب له أربع طبعات حديثة كلها تعود إلى الدارين: (أسفار) و(دار اللباب).
وما سأذكره الآن خاص فقط بالطبعتين اللتين في الصورة، وهما: [طبعة أسفار التي في أربعة مجلدات، وليست التي في مجلدين]، وكذلك [طبعة دار اللباب التي طُبعت مع حاشية الأمير الصنعاني]. أما غيرهما من الإخراجات الجديدة للكتاب من نفس الدارين فلم أقارن بينهما.
على كل حال، بعد بحث ونظر واطلاع، تبيّن لي وترجّح ما يلي:
▪️تتميز طبعة دار اللباب بـ:
١- حاشية الأمير الصنعاني النفيسة والمهمة جدًا.
٢- الضبط بالشكل.
٣- بعض الجوانب في المقدمة الدراسية للكتاب، التي كتبها المحقق الخبير بالإمام ابن دقيق العيد (محمد خلوف العبد الله).
▪️أما أسفار فتتميز بـ:
١- التعليقات الأكاديمية الجيدة في كثير من الأحيان، والتي تشمل تخريج الأحاديث والآثار بشكل أوسع مع ذكر الحكم.
٢- الفهارس المتنوعة، مع وجود ذلك في طبعة دار اللباب، لكن طبعة أسفار أدق.
٣- ضبط النص بشكل أفضل.
٤- كذلك تميزت -مثل طبعة دار اللباب- ببعض الجوانب في المقدمة الدراسية للكتاب، فكلا الطبعتين لا يغني إحداهما عن الأخرى فيما يتعلق بالمقدمة الدراسية، لا بأصل الكتاب.
ثم بعد هذا العرض والمقارنة، يعود الأمر أخيرًا إلى مراد المشتري وتفضيلاته، على سبيل المثال:
من أراد فك العبارات الدقيقة وشرحها، فبلا شك، طبعة دار اللباب مع حاشية الأمير الصنعاني هي الغاية هنا.
ومن أراد ضبط النص والتعليقات الأكاديمية، التي تشمل تخريج الأحاديث والآثار بشكل أوسع مع ذكر الحكم، فطبعة أسفار هي مقصده.
سؤال مهم! فالكتاب له أربع طبعات حديثة كلها تعود إلى الدارين: (أسفار) و(دار اللباب).
وما سأذكره الآن خاص فقط بالطبعتين اللتين في الصورة، وهما: [طبعة أسفار التي في أربعة مجلدات، وليست التي في مجلدين]، وكذلك [طبعة دار اللباب التي طُبعت مع حاشية الأمير الصنعاني]. أما غيرهما من الإخراجات الجديدة للكتاب من نفس الدارين فلم أقارن بينهما.
على كل حال، بعد بحث ونظر واطلاع، تبيّن لي وترجّح ما يلي:
▪️تتميز طبعة دار اللباب بـ:
١- حاشية الأمير الصنعاني النفيسة والمهمة جدًا.
٢- الضبط بالشكل.
٣- بعض الجوانب في المقدمة الدراسية للكتاب، التي كتبها المحقق الخبير بالإمام ابن دقيق العيد (محمد خلوف العبد الله).
▪️أما أسفار فتتميز بـ:
١- التعليقات الأكاديمية الجيدة في كثير من الأحيان، والتي تشمل تخريج الأحاديث والآثار بشكل أوسع مع ذكر الحكم.
٢- الفهارس المتنوعة، مع وجود ذلك في طبعة دار اللباب، لكن طبعة أسفار أدق.
٣- ضبط النص بشكل أفضل.
٤- كذلك تميزت -مثل طبعة دار اللباب- ببعض الجوانب في المقدمة الدراسية للكتاب، فكلا الطبعتين لا يغني إحداهما عن الأخرى فيما يتعلق بالمقدمة الدراسية، لا بأصل الكتاب.
ثم بعد هذا العرض والمقارنة، يعود الأمر أخيرًا إلى مراد المشتري وتفضيلاته، على سبيل المثال:
من أراد فك العبارات الدقيقة وشرحها، فبلا شك، طبعة دار اللباب مع حاشية الأمير الصنعاني هي الغاية هنا.
ومن أراد ضبط النص والتعليقات الأكاديمية، التي تشمل تخريج الأحاديث والآثار بشكل أوسع مع ذكر الحكم، فطبعة أسفار هي مقصده.
المطّلعون على كتب الشروح الحديثية يكادون يتفقون على كون (إحكام الأحكام في شرح أحاديث الأحكام، للإمام المجتهد ابن دقيق العيد) أصعب الشروح الحديثية على الإطلاق قطعًا وجزمًا.
وسأذكر الآن بعض مزاياه ومكانته المهمة على سبيل الإجمال، وإلا فالكتاب بحر في ذلك:
أولًا: هو أغزر كتب الشروح الحديثية بالفوائد الأصولية، وأفضلها تطبيقًا وتخريجًا أصوليًّا، فقد ذكر دقائق أصولية لم يذكرها أحدٌ غيره في كتب الشروح، بل أزيدك في ذلك وأقول: لم يذكرها غيره حتى في الكتب الأصولية! ولذلك قال عنه الإمام الزركشي، بعد أن عدَّ من مصادر كتابه العظيم ( البحر المحيط في أصول الفقه) كتابي الإمام ابن دقيق العيد في شروح أحاديث الأحكام، وهما: (شرح الإلمام) و(إحكام الإحكام)، فقال بعد عدهما من المصادر: 《وبه خُتم التحقيق في هذا الفن》، فالكتابان له وإن كانا في الأصل معدودين من الشروح الحديثية إلا أنهما مع ذلك من أهم مصادر الكتب الأصولية التي جاءت بعدهما، ولذلك يعد ( إحكام الأحكام) هو أكثر كتب الشروح الحديثية التي تناولتها الأبحاث الأكاديمية باستخراج آراء المؤلف الأصولية وجمعها وترتيبها، وأفضل ما وقفتُ عليه في ذلك هو كتاب ( الجامع المفيد للتراث الأصولي عند العلامة ابن دقيق العيد، لهشام سونة)، وأعتقد أن للأخ الكريم ( @Cons_books ) جمعًا للمؤلفات في هذا المجال. والمتأمل في شرحه إحكام الأحكام يدرك أن جُلَّ هَمِّ المؤلف من تأليف هذا الكتاب هو التعريج على القواعد الأصولية بعد بيان الحكم المستنبط من النص، وربط كلا الأمرين بعضهما ببعض.
ثانيًا: يُعَدُّ الكتاب -بلا شك- سيدَ كتب شروح أحاديث الأحكام بلا منازع إلا من كتابه الآخر (شرح الإلمام)، وكتاب (طرح التثريب، للعراقي).
ثالثًا: لا تكاد تجد أحدًا ممن ألَّف شرحًا حديثيًّا في الأحكام أو غيرها إلا وكان من أهم مصادره وأصوله كتاب إحكام الأحكام، لا سيما كبار الشروح الحديثية الموسوعية ككتاب (فتح الباري، لابن حجر)، وكتاب ( النفح الشذي، لابن سيد الناس -وهو تلميذ ابن دقيق العيد-).
رابعًا: الكتاب فاض حتى كاد يتفجَّر بالكتابة والشخصية الاستقلالية للمؤلف في النظر والاستنباط والاستدلال والاختيار الفقهي، ولا غرابة، فالمؤلف إمامٌ مجتهدٌ، وقد عُدَّ مجدِّدًا للقرن السابع.
خامسًا: تتجلّى في الكتاب قوةُ المؤلف ودقَّتُه وحُسنُ استنباطِه من نصوص الأحاديث بقريحةٍ متوقدةٍ وذهنٍ ثاقبٍ، فلا تكادُ تقفُ على مترجمٍ له -رحمه الله- إلا وتجده متعجِّبًا من تدقيقاتهِ ومباحثهِ وتحريهِ في فقهِ الحديثِ والاستنباطِ.
سادسًا: تميَّز الكتابُ تميُّزًا ظاهرًا في عرض ودراسة باب مختلف الحديث ومشكله (تعارض الحديث مع الأدلة)، وللمؤلف طرقٌ في حل الإشكال والاختلاف لم أقف -بعد بحثٍ مطوَّل- على من سبقه إليها، وهذا الموطن عنده مما يُبرز ويظهر كتابته وشخصيته الاستقلالية في النظر والاستنباط والاستدلال.
تخيَّل معي -حفظك الله- أنَّ كلَّ هذه الميزات التي ذكرتها لك عن هذا الكتاب وفي نهاية المطاف إنما هو أملاه إملاءً كدروسٍ يلقيها في وقتها، ولم يكتبه كتابةً ويسوِّده! وهذا -والله- من أعجب الأمور.
وعلى كل حال، هذا ما سنح به الخاطر في هذا الوقت لكتابته هنا، وإلا فلي عودةٌ -بإذن الله- بمزيد تفصيلٍ وعرضٍ في مقطعٍ خاصٍّ به، فقد كان هذا الكتاب رفيقي على مدار أربع سنوات قضيتُها في بحث الماجستير.
وأختم بما ذكره العلامة الأدفوي (المتوفى: ٧٤٨ هـ)، حيث قال عن هذا الكتاب: (لو لم يكن له إلا ما أملاه على العمدة، لكان عمدةً بالشهادة بفضله، والحكم بعلوِّ منزلته في العلم ونبله). وقد صدق -والله- في كل حرفٍ قاله هنا.
والكتاب طُبع أربع طبعات حديثة؛ فقد طبعته (أسفار مرتين) بتحقيقين مختلفين، كما طبعته (دار اللباب مرتين)؛ إحداهما مع حاشية الأمير الصنعاني، وهي حاشية عظيمة تعد من أهم وأجود مؤلفاته -رحمه الله-، والأخرى -وهي آخر طبعاتهم- بدون الحاشية، وذلك بعد أن اطَّلعوا على نسخ نفيسة لكتاب (إحكام الأحكام) قريبة العهد بالمؤلف.
علم (البصمة الوراثية - DNA) أهمُّ مستجدات ونوازل (علم الأنساب) و(الشريعة والقانون) التي يتم تناولها هذه الأيام بالآراء المتباينة والمختلفة.
والحقيقة أن المعايِن لهذا الاختلاف بين الأطراف يجد غيابًا شديدًا للإنصاف والتناول الموضوعي من غالب أطراف الخلاف، بسبب مفاهيم خاطئة وعدم تحديدٍ لمواضع النزاع والإشكال.
فهذه تنبيهات ونظرات متعلقة بهذا الموضوع، أحاول فيها تقريبَ وجهات النظر، والمساعدةَ في تحديد مواطن النزاع والإشكال، وبيانَ بعض الحقائق والمقدمات الضرورية التي ينبغي التسليمُ بها للانطلاق بعد ذلك بتناول هذا العلم بالبحث والدراسة التأصيلية لعلاقته وأثره في كلٍّ من (علم الأنساب) و(الشريعة والقانون).
أولًا: مقدمة ضرورية مهمة: هل هذا العلم يُفيد القطعَ أم الظنَّ، ومن المسؤول عن تحديد ذلك؟
المراد بالقطعي هنا: هو الذي يدل على شيء يقيني لا يحتمل غيره.
والمراد بالظني هنا: هو الذي يدل على أكثر من شيء محتمَل، ولكنه راجح وظاهر في أحدها مع عدم استبعاد الآخر.
أهمُّ جانب متعلق بهذا العلم هو ما يتعلق بالقطعية والظنية، فما الذي يُفيده علم البصمة الوراثية (DNA)؟ هل يُفيد القطعَ أم الظنَّ فيما يتعلق بالأمور التالية:
- البصمة الجينية. (متعلَّقٌ عام).
- تحديد نوع السلالة. (متعلِّق بعلم الأنساب في الغالب).
إثبات الأبوة ونفيها. (متعلِّق بعلم الشريعة والقانون في الغالب).
- تحديد صلة القرابة من السلالة الأبوية بين الفاحصين بتطابق أرقام التحورات والتقائها ببعضها. (متعلِّق بعلم الأنساب في الغالب).
والذي يحدد أن البصمة الوراثية (DNA) تُفيد القطعَ أو الظنَّ في هذه الأمور ليس الفقيهَ ولا المحدِّثَ ولا النسَّابةَ ولا العاميَّ، الذي يحدد ذلك هم أهلُ الاختصاص بهذا العلم، وأهل الاختصاص بهذا العلم يقولون: إن البصمة الوراثية (DNA) تُفيد القطعَ بهذه الأمور، فهي:
- تحدد البصمةَ الجينية للفاحص قطعًا.
- وتحدد نوعَ سلالته قطعًا.
- وتحدد الأبوةَ وتنفيها قطعًا.
- وتحدد صلةَ القرابة من السلالة الأبوية بين الفاحصين بتطابق أرقام التحورات والتقائها ببعضها قطعًا.
كما ينضمُّ إلى ما ذكره أهلُ الاختصاص (التجربةُ)، فبالنسبة لتحديد صلة القرابة من السلالة الأبوية بين الفاحصين بتطابق أرقام التحورات والتقائها ببعضها، فالناظر في هذا العلم يتوصل إلى قطعيته من دون الحاجة لكلام أهل الاختصاص، ذلك عندما يشاهد الفئةَ الغالبةَ من أبناء القبيلة الواحدة يتكتلون مع بعضهم ضمن تحورات واحدة بشكل عجيب ومُعجِز يدل على عظمة الخالق وتدبيره الإعجازي، وعلى سلامة موروث النسب العربي وقوته.
وبعد التسليم بقطعية ما يُفيده هذا العلم في هذه الأمور المذكورة، ننتقل إلى بيان مواطن الإشكال والنزاع الحقيقي كي ينطلق منها الباحثون في دراستهم.
ثانيا: في علم الأنساب:
عندما ننتقل لعلم الأنساب فنحن نتحدث عن إفادة علم البصمة (بتحديد صلة القرابة من السلالة الأبوية بين الفاحصين بتطابق أرقام التحورات والتقائها مع بعضها)، وقد تبين أن إفادته قطعية في هذا الباب عند أهل الاختصاص.
والناظر في الساحة يجد أن هناك ثلاثة أطراف متنازعة في مسألة الأخذ بدلالة (علم البصمة الوراثية DNA)، طرفان من هؤلاء الثلاثة خلافهم ورأيهم غير معتبر البتة؛ لأنه ناشئ عن أمور وتصورات خاطئة قطعا، وعدم التفريق بين محل القطعية ومحل الظنية في الاستدلال بـ(علم البصمة الوراثية DNA).
والآن ننتقل للطرف الأول في الخلاف، والكلام التالي غاية في الأهمية والدقة، ومن فهمه عرف حقيقة هذا العلم وكيفية توظيفه بشكل صحيح، وتحديد موطن القطعية وموطن الظنية في استخدامه.
- الطرف الأول: من قال بقطعيته مطلقا ((دلالة وتفسيرا))، وهم على خطأ، وقولهم هذا غير معتبر؛ لعدم تفريقهم بين محل القطعية والظنية باستخدام هذا العلم والاستدلال به في (علم الأنساب).
وبيان المراد من: (دلالة وتفسيرا):
• دلالة: وهو ما تحدده البصمة الوراثية من (تحديد صلة القرابة من السلالة الأبوية بين الفاحصين بتطابق أرقام التحورات والتقائها مع بعضها)، وهذا دلالته قطعية كما سبق معنا.
• تفسيرا: وهو تنزيل أحد روايات المواريث على الأرقام والتحورات القطعية [القديمة] التي استخرجها هذا العلم، فيتم تفسير أحد أرقام التحورات القديمة بأسماء مأخوذة من الموروث، فيقولون على سبيل المثال: هذا التحور الذي نجتمع فيه قبل ١٠٠٠ عام هو جدنا المسمى بفلان، وهو الذي ذكره المؤلف الفلاني وأنه جد أيضا لقبيلة أخرى، فنحن نجتمع معهم بفلان قطعا. فمحاولة التفسير هذه جيدة وممتازة، ولكنها ظنية وليست قطعية، والإدعاء بقطعية هذه التنزيلات والتفسيرات خطأ بلا شك، وكلما بَعُد التحور الجامع ازداد بعدا عن قطعية التفاسير الممكنة له، وكلما قرب تَقَوَّى جانب الظن في التفسير الظاهر له، وقد يصل بقرائن أخرى إلى القطع بعد (نظر وبحث ودراسة) يتبع...