سيأتي يومٌ تخفت فيه كلُّ أصوات الدنيا،وينطفئ من حولك ذلك الضجيج الذي استنزف قلبك، وتغادر كلَّ ما ألفتَه ومضيتَ خلفه، متوجّهًا إلى لقاء الله… فردًا، لا تحمل معك إلا ما قدَّمت.
وحينها ستتكشّف لك الحقائق كاملة؛ فكم من معركةٍ ظننتها مصيرية، لم تكن إلا حدثًا عابرًا، وكم من خصومةٍ أرهقت روحك، لم يكن لها في ميزان الآخرة أيُّ وزن، وكم من انشغالٍ سرق أيامك وأبعدك عن الاستعداد لحياتك الحقيقية.
فلا تنتظر لحظة الرحيل حتى تدرك ذلك متأخرًا؛ أدركه الآن، وأنت لا تزال تملك مهلة العمل، وفرصة التوبة، والقدرة على إصلاح ما مضى.
خفّف تعلّقك بما يفنى، واعمُر آخرتك بما يبقى: بصلاةٍ خاشعة، وتوبةٍ صادقة، وقلبٍ نقي، وكلمةٍ طيبة، وأثرٍ من الخير لا ينقطع.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾
الحياةُ -في جوهرها- ميدانُ صراعٍ لا يهدأ، تتعاقبُ فيه المعارك كما يتعاقب الليلُ والنهار؛ غير أنّ أولها وأشدّها بأسًا ذلك الذي يدور في خفاء الصدر، حيث يقف المرءُ بإزاء نفسه، يروضها حينًا، ويكابدها حينًا آخر، لتستقيمَ على سنن الحياة ولا تنحرف عن جادّتها.
وما صراعاتُ النفس إلا أعسرُ الوقائع وأثقلُها؛ إذ هي ضبطٌ لميزانٍ دقيق، كفّتُه الأولى صلتك بالله، وكفّتُه الأخرى ما دون ذلك من علائق البشر وشؤون الدنيا. فإذا اختلّ الأول، اضطرب ما بعده، وإذا استقام، لانَتْ لكَ معاندةُ الحياة.
وقد صدق أحمد شوقي إذ قال:
"والنفسُ كالطفلِ إن تُهملهُ شبَّ على
حبِّ الرضاعِ، وإن تفطِمهُ ينفطمِ.."
فهي نفسٌ إن أطلقتَ لها العنانَ استبدّت، وإن أخذتَها بالحزمِ تهذّبت، وما بين الإهمال والتأديب تتحدّدُ ملامحُ إنسانك.
التزكية العائلية:
في سورة طه قال تعالى:
(ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى) بين آيتين كلتاهما تتصلان بالصلاة.
فالآية قبلها تقول:
(فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى)
والآية بعدها تقول:
(وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى)
لعل في هذا الترتيب إشارة لطيفة إلى أثر الصلاة في تزكية النفس وصرفها عن التطلع إلى ما في أيدي الناس من متاع الدنيا؛ فالصلاة في الآية الأولى موزعة على أوقات اليوم والليلة، وكأنها تحيط بحياة الإنسان، ��كلما أوغل في شواغل الدنيا وجد وقت الصلاة أمامه يذكره بربه ويجدد وجهته وحقائق الوجود الكبرى، فيصل روحه بملكوت الله ويوقظه من غفلة قد تعرض له بين صلاة وصلاة.
غير أن تزكية النفس لا تقف عند حدود الفرد؛ لذلك جاء بعد ذلك الأمر بأن يكون البيت كله على هذا النهج: (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها) فـ"مدّ النظر" إلى زهرة الحياة الدنيا قد تشتد ضغوطه إذا كان الإنسان وحده، أما إذا كان البيت كله متشبعا بقيم الصلاة ومتعلقا بها، فإن مقاومة تلك الضغوط تكون أيسر، ويغدو البيت نفسه عونا على الاستقامة والاعراض فيما يفنى، والتعلق بما يبقى (والعاقبة للتقوى.
في القران العظيم:
"قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله كتب على نفسه الرحمة ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون"
ذكرت الآية الكريمة الجمعَ في يوم القيامة بعد قوله (كتب على نفسه الرحمة)، في هذا إشارة إلى أن من تجليات الرحمة الإلهية هو جمع الناس في يوم القيامة، إذ جاء في تفسير الرازي:
(لما قال كتب ربكم على نفسه الرحمة فكأنه قيل وما تلك الرحمة فقيل إنه تعالى ليجمعنكم إلى يوم القيامة وذلك لأنه لولا خوف العذاب يوم القيامة لحصل الهرج والمرج ولارتفع الضبط وكثر الخبط، فصار التهديد بيوم القيامة من أعظم أسباب الرحمة في الدنيا؛ فكان قوله ليجمعنكم إلى يوم القيامة كالتفسير لقوله كتب ربكم على نفسه الرحمة ).
وقريب من هذا المعنى (الربط بين الرحمة واليوم الآخر) ما أشار إليه الشيخ النورسي في "إشارات الإعجاز" من الربط بين آية "مالك يوم الدين" في الفاتحة وبين الآية قبلها (الرحمن الرحيم)،قريب من إشارة الرازي.
"اليوم الآخر "من أعظم تجليات رحمة رب العالمين، ورسو�� الإيمان به في القلوب من أكبر المؤثرات في سلوك البشر وتعاملهم، وبل تحمّلهم لهذه الحياة و صبرهم على لأْوائها.
شكرًا أستاذنا الفاضل على هذه المقالة الثمينة.
تغوَّل التخصص حياة الإنسان، فجاوز مسألة المال والأعمال ليطال شؤون حياته كلها.يخرج أحدنا مِن مقر عملهِ وهو ممسكٌ حقيبته، فلا يتصرف ولا يتحدّث إلا بالذي فيها، فغدت دُنيانا مصبوغة بلون واحد، لا معنى لها ولا قيمة، مملّةٌ فاسدة.
لنسأل بعدها في غباوة، سبَب تخثّر الأوقات!
•
في مواقع التواصل على سبيل المثال، يتمتَّع الإنسان بشيء من حرية التصرف على السجية، ليتناول الموضوعات الأصيلة أو التي في الأطراف، كالهوايات وما يلذ له، إلا إنه يُصر على أن يُنهي يومه كما بدأه، في المعمل أو في المصنع.
إن كان معلما أخذ يُناقش أشكال التدريس ومشاكل التعليم وانحطاط أخلاق الطلاب.
وإن كان طبيبًا نفسا��يا، أخذ ينقل للبشرية النظريات المُمرِضة والمشكلات التي صادفها فوق كُرسيِّهِ، بينما المريض يثرثر لواعجه.
يفعلون ذلك بمحض إرادتهم، بلا لازم في عقد العمل يُجبرهم على اجترار الضنك في أوقات فراغهم، في السفر أو الحضر.
إنهم لا يَخطونَ خطوة واحدة ليفرّوا من عذاب خبزهم اليومي!
•
مِن خِلال حياتي، وبمرور الزمن، وجدتُ أن الله سبحانه يُبغض هذا الشكل الآسن، ويمقته.
كيف استقر عندي ذلك؟
بِعدَد السماوات والأراضي.
بعدد البحار والمحيطات والأنهار.
بتعدد ألوان الشجر والزهر والطير والبشر.
بعدد القرون.
بتعدد الأمم.
بالفصول الأربعة.
بالأعياد والمناسبات.
باليل والنهار.
هذا التجدد، يدعو الإنسان إلى أن يكون متنوع الأفكار و الرؤى والثقافات والمعارف والهوايات والملذات المباحة، شريطة ألَّا تطغى على شَرط الخلق، التوحيد والنفي، و ذلك كله ف�� مصلحة الإنسانية.
•
استفحَلت هذه الفكرة المادية القبيحة، حتى تسرَّب الشلل العقلي الجموع، وبدأت شموعنا الجوانية في الانطفاء.يقضي أحدنا سنوات حياته لا يتحدث إلا عن الزراعة وكأن الله خلقه نبي للمزارعين، معادٍ للسوس و الحشرة الضارة!
مع أنه يرى الحقل بعينيه متعدد الأطعِمة والألوان، حتى إنه يقتلع الشجرة إلى مكان آخر فتعود إلى الحياة بأمر ربها، فلا تموت!
فمَن أوحى إليه بهذه الفكرة القاتلة؟
•
صدّق أو لا تُصدّق..
حتى المرضى تخصّصوا في أمراضهم!
يبتلي الله أحدهم بالسرطان أو بحادث ينتج عنه عطب في أحد أعضائه، فلا يطيب له الحديث إلا عنه، أو التذكير به آناء الليل وأطراف النهار، كأنه مأمور بتلاوة الأحزان أو ببث النكَد في نفسه و في عموم الناس.يفعل ذلك مع أنه يستطيع أن يقرأ الكتب للسلوى، أو يشاهد فيلما أو مسرحية، أو يستمع إلى موسيقى مسلسل رأفت الهجان.
وآخر تخصص في ابتلاع المهانة لقصر قامته، فأخذَ يأكل بالتندّر والاستحقار نهارا، فإذا هبط عليه الليل وأوى إلى فراشة، أخذ يبكي حتى تنفطر كبده ولم يأمره أحد بذلك، غير عدوى التخصص السقيمة.
•
تشتهي الكتب:إذهب إلى فلان.
تشتهي الحزن:إذهب إلى فلان.
تشتهي الحزن:إذهب إلى فلان.
هكذا..إلى أن صيّرنا الشكل الجديد من التخصص في مواقع التواصل إلى منافذ بيع.
مع أن الأصل فيها، للمُلَح والطرائف وما مِن شأنه التسلية، لكنّ العرب لديهم رأي آخر في كل شيء، لشدة ما يقاسونه من كبت أثّر على أذواقهم.
•
أكتب هذا كلّه وأنا أفهم أن شكل الحياة قد تغيّر بالكُلّية، وأن ما يُسمى الفردانية أو استقلال الذات ألغت ما كان قبلها من اجتماع وأُلفَة.لذا رأيت، أنه من المستحيل على الإنسان العالمي أن يقطع الحياة بثوب واحد يرتديه إلى مماته، دون أن يُصاب بأمراض روحية أو عقلية ، اللهم إلا إذا كان يحيى ليتنفس أو ليأك��، فهذا وأمثاله النار أولى بهم.
إن هذه الأوقات الصعبة يا أصدقاء، تحتّم على الإنسان العالمي أن يتعدد أدبيا وثقافية وفنيا لقادم الأيام حين تُبعث الروبوتات من مرقدها.
ألاّ يتسمر أمام صورة واحدة يظل طوال حياته ينظر إليها،يحاول أن يستخرج منها ما لم يره في الما��ي.
يجب علينا أن نكون ممتلئين مِن الداخل، لِنَتوقَّف عن مشاركة الناس حماقاتهم في الواقع أو في مواقع التواصل، ولا يضيرنا إن كُنّا أصحاب تفنن وقالوا عنا ممزقين، أو تائهين، أو في ألطف الأوصاف:لم نستقر على شيء بعد، فهذا لجهلم العريض، الممتد إلى كافة شؤونهم.
•
على الهامش:
ما المطلوب مِنا هذه الأيام، باختصار؟
-انبذ التخصص في الحياة، أو ابصق عليه.
-عُد إلى كتب العقيدة، وتعلَّمها مِن جديد.
-اقرأ القرآن الكريم والسنة النبوية.
-اقرأ تاريخ آخر ١٠٠ سنة.
-اطّلع على آداب الأمم، واشرع بآداب العرب.
-شاهد السينما العالية.
-استمع للراقي مِن الفن.
-تفكّر في الشذرات التي كتبها أهل الفكر و التجربة.
-انتَق مِن المعاصرين مَن يلفت نظرك إلى ما يدور حولك وأنت غافل عنه، فبتكرار النظر يتكوّن لديك حدس سليم لا يتأثر بالعِصَابات والحمقى.
•
أرجوك:لا تقم باغتيال الجمال في داخلك وتقلّدهم في محاصرة روحك بالتخصص، وكذا لا ينطلي عليك أنهم فعلوا ذلك مجاناً، فلقد باعوا حياتهم الواحدة عن غباء، لأجل ورقة مالية أو لأجل شيء افتقدوه وأنت تمتلكه.
«حَرِيٌّ بك أن تستكثر من مفردات اللغة وألفاظها، فإن من الأفكار ما لا يدركه العقل إلا بوجود اللفظ الدالّ عليه. وقد قيل: "ما يكون للإنسان من فكرة إلا على قدر ما استقر في ذهنه من ألفاظ!"؛ فكلما ازدادت حصيلتك اللغوية؛ قوي عقلك على نحت الأفكار وصوغها».
«إذا دخل وقت الصلاة يقدّم السنة الراتبة ؛ وفي ذلك سِرُّ وحكمةٌ، وذلك -والله أعلم- أن العبد تَشَعّثَ باطنه، وتفرّق هَمُّهُ بما بُلِيَ به من المخالطة مع الناس، وقيامه بمهام المعاش، أو سهو جرى بوضع الجبلّة، أو صَرْفِ هَمَّ إلى أكل أو نوم بمقتضى العادة، فإذا قدّم السنة ينجذب باطنه إلى الصلاة، ويتهيأ للمناجاة، ويذهب بالسنة الراتبة أثر الغفلة والكدورة من الباطن، فينصلح الباطن، ويصير مُستعِدًا للفريضة؛ فالسُّنَّةٌ مُقدِّمة صالحة تستنزل البركات، وتتطرق للنفحات».
شهاب الدين السهرودي (ت٦٣٢هـ) رحمه الله
من أبلغ ما سمعت عن الدُّعاء في يوم عرفة!😢♥️
سمعت هذا المقطع على غير قصد لكنه ترك في نفسي أثرًا عميقًا، وأنصحكم من أعماق القلب أن تست��عوا له وتنتفعوا بما فيه، ففيه من الخير والنفع ما يرقق القلب: