لا تُخطِئ الروح النقيّة في التعرُّف على أشباهها من الأرواح النقيّة، فالصفاء الذي يستوطن في أعماقها يمنحها بصيرة صادقة تدلّها على الينابيع الصافية، فشبيه الشيء مُنجذبٌ إليهِ.
تظل مواساتنا الباقية حين تتكدّر مشارب العمر، وتحلّ ساعة العسرة: أنك العزيز المتعال، والقريب في كل حال. عونك الملاذ الوحيد، وحمايتك الأمان الثابت، تعلم يارب ما لا يحيط به دعاء، وما وراء الوراء، وأقصى ما نصبو إليه من غاية ورجاء، وأننا عندك لا نهون.
حين تُسدل المواقف ستارها الأخير، لا يبقى من الإنسان إلا ما اختزنته لحظات الشدّة؛ هناك، حيث تسقط الأقنعة بلا استئذان، وتنكشف الأرواح عارية من الزينة والكلام. التجارب لا تُجامل أحدًا، هي محكمة قاسية لا تعرف الرحمة، تصدر أحكامها بصمت، وتترك في القلب ندوبًا لا تشفى.
كم هو موجع أن تكتشف متأخرًا أن من أثنيتَ عليه كان ظلًا، وأن من ظننته سندًا كان عبئًا، وأن الكلمات التي صدّقتها لم تكن سوى صدى فارغ. عندها فقط تفهم أن المظهر كان خديعة، وأن الأقوال كانت خيانة مؤجلة، وأن الحقيقة لا تُقال… بل تُوجِع حين تُعاش.
المواقف هي العنصر الكاشف لشخصيات البشر، والتجارب خير بُرهان، وكم صدَق الشاعر القائل:
"لا تمدحنّ امرءًا حتى تجرّبهُ
ولا تذمّنهُ من غير تجريبِ"
فلا المظهر يدلّ على المخبر، ولا أقوال الآخرين تُنبئ عن شخصٍ ما، إنما التجربة، والتعامل القريب، والمواقف الحقيقية؛ هي الفيصل.
"احترامُ المرء لنفسه خَصلةٌ تفصل بين طبق��ت الناس، وتُميّز ما بين ظاهرهم وباطنهم؛ فمن عرف قدره حَسُن اختيارُه، وارتفعت منزلتُه، وثبت موطِئه.
لا العلمُ ولا المالُ ولا الموهبةُ ترفع صاحبها إذا هانَ عند نفسه؛ فإن النفوس إذا صغرت صغُرت معها الفضائل، وإن علت علت بها المراتب."
مَن يحمل في أعماقه معاني السُموّ والرِفعَة؛ سيُحِبّ رؤية الإنجازات وهي تنمو، والنجاحات وهي تسمو، والبناءات وهي تعلو، والحقول وهي تُزهِر، وال��فوس وهي تُبنَى، والثغور وهي تبتسم، والحياة وهي ترتقي، وسيسعى دومًا إلى تحقيق ذلك؛ لأنّ هذه المعاني تُشبهه وينتمي إليها.
"في قلب كل علاقة هناك معركة مستمرة لإثبات التفوق الأخلاقي"
قد نحاول إثبات هذا التفوق للذات أو للآخر: أنا بذلت أكثر، صبرت أكثر، تنازلت أكثر.
لكن الانتصار في هذه المعركة، يعني خسارة العلاقة، لأنه لا يوجد ماهو اسوأ من علاقةٍ ينتصر فيها الأنا على الحب.
لا تقدِّم عَوْنًا لإرضاء إنسان حتى لا تموت مَغْبونًا، فإنْ كانَ العونُ ينطوي على استرضاء البشر فسدت خاتمتُه، إنّما قدِّم لتأخذ فإنَّ الحياةَ أخذٌ وعطاء، أمَّا إنْ أردتَ فعلَ الخيرِ من دون مقابل فافعلْه بمتعةٍ ورغبةٍ لا يخالِطهما ضيقٌ، افعله لأنك تريد أن تفعله.
يفتتح ابن حزم باب البيْن بقوله:
”وقد علمنا أنه لا بُدَّ لكل مُجتمِعٍ من افتراق، ولكل دانٍ من تَناءٍ، وتلك عادة الله في العباد والبلاد حتى يرث الله الأرض ومَن عليها، وهو خير الوارثين.
وما شيءٌ من دواهي الدنيا يَعدل الافتراق، ولو سالت الأرواحُ به فضلًا عن الدموعِ كان قليلًا. وسمع بعضُ الحكماء قائلًا يقول: الفِراق أخو الموت، فقال: بل الموتُ أخو الفراق“.