مقالي المنشور في صحيفة القدس العربي اللندنية ص 12 ليوم الأربعاء 19 آب 2026 الموفق 6 ربيع الأول 1448 هجري
ميشيل فوكو و رولان بارت… من يملك سلطة النص؟
في قلب التحولات التي شهدها النقد الأدبي الحديث، لم يعد السؤال مقتصرا على ما يقوله النص، بل امتد إلى سؤال أكثر تعقيدا: من يملك سلطة إنتاج معناه؟ هل تظل للمؤلف الكلمة الأخيرة في تفسير ما كتب، أم أن النص، بمجرد خروجه إلى القارئ، يتحرر من صاحبه ويفتح أبوابه لتعدد القراءات؟ من هذا السؤال انطلق رولان بارت وميشيل فوكو، كل من زاويته، لإعادة النظر في موقع المؤلف وعلاقته بالنص والقارئ. وبين «موت المؤلف» عند بارت و«وظيفة المؤلف» عند فوكو، تشكلت واحدة من أكثر الجدليات تأثيرا في الفكر النقدي المعاصر.
اولاً: المؤلف في رؤية بارت
يُعد كتاب «لذة النص» (Le Plaisir du Texte) لرولان بارت من أهم النصوص المؤسسة في النقد الأدبي الحديث، إذ قدّم تصورا جديدا للعلاقة بين النص والقارئ متجاوزا الرؤية التقليدية التي كانت تنظر إلى القراءة بوصفها عمليةً لاستخراج المعنى، أو الكشف عن قصدية المؤلف، ففي فلسفة بارت لا تكمن قيمة النص في الرسالة التي ينقلها، وإنما في ما يخلقه من متعة جمالية وفي قدرته على استثارة القارئ وإشراكه في إنتاج الدلالة، ومن ثم تصبح القراءة تجربةً إبداعيةً يعيشها القارئ مع اللغة لا مجرد نشاط ذهني يهدف إلى فهم مضمون النص.
ينطلق بارت من أن النص الأدبي ليس بنيةً مغلقة أو وعاءً لمعنى ثابت بل فضاءٌ لغوي مفتوح تتحرك داخله العلامات بصورة دينامية وتتشكل فيه الدلالات من خلال التفاعل المستمر بين النص والقارئ، ولهذا يشبّه النص بالجسد فهو لا يُقرأ بوصفه موضوعا خارجيا، بل يُلامس القارئ ويؤثر فيه فينشأ بينهما نوع من الألفة والتفاعل الذي يجعل القراءة تجربة حسية وفكرية في آن واحد، ولا يقصد بارت بالجسد المعنى البيولوجي المباشر، وإنما يشير إلى الطاقة الانفعالية والجمالية التي تولدها اللغة حين تتحرر من وظيفتها الإخبارية وتصبح مجالا للمتعة والاكتشاف، ومن هذا المنطلق يرى بارت، أنّ لذة القراءة لا تتحقق في الوصول إلى معنى نهائي، بل في تتبع حركة اللغة واستكشاف انزياحاتها وتأمل بنيتها الأسلوبية والكشف عن العلاقات التي تنسجها العلامات داخل النص؛ فالقراءة المتأنية تتيح للقارئ أن يعيش النص وأن يشارك في إعادة تشكيله، وأن يكتشف في كل قراءة أبعاداً جديدة لم تكن ظاهرة من قبل؛ وهكذا تتحول القراءة من استهلاك للمعنى إلى إنتاج مستمر للدلالة وتتأسس هذه الرؤية على مبدأ حرية النص وحرية القارئ، إذ يرفض بارت خضوع القراءة لتفسير واحد، أو معنى نهائي فالنص الحقيقي في نظره هو النص الذي يفتح المجال أمام تعدد التأويلات، ويمنح القارئ فرصة المشاركة في بناء المعنى، من دون أن يفرض عليه قراءة محددة أو حقيقة مكتملة او نهائية؛ ولذلك فإن النص لا يكتمل إلا بفعل القراءات لأن القارئ لا يكتفي بتلقي الدلالة، بل يسهم في إنتاجها من خلال خبرته وثقافته وأفقه التأويلي، لذلك يحتل مفهوم هسهسة اللغة (Le bruissement de la langue) مكانة مهمة في مشروع بارت فهو يشير إلى ذلك الحضور الخفي للغة حين تتحرر من وظيفتها المرجعية وتصبح أصواتها وإيقاعاتها وبنيتها الداخلية مصدرا للمتعة، فاللغة في هذا التصور ليست مجرد وسيلة لنقل الأفكار، بل كيان حي يمتلك موسيقاه الخاصة ويولد أثرا جماليا مستقلا عن المعنى المباشر؛ إن هسهسة اللغة تمثل اللحظة التي تصبح فيها اللغة موضوعا للإنصات والتذوق لا مجرد أداة للتواصل.
ويفرق بارت في هذا السياق بين لذة النص(Plaisir) والغبطة أو النشوة (Jouissance) فالأولى التي تنشأ من انسجام القارئ مع النص ومن استمتاعه بجمالياته وانسياب لغته، أما الثانية فهي تجربة أكثر عمقاً تهز يقين القارئ وتزعزع عاداته القرائية وتدفعه إلى إعادة النظر في مفاهيمه ومسلماته؛ وهكذا يصبح النص فضاءً للتحول الفكري والجمالي لا مجرد موضوع للمتعة العابرة، ومن القضايا المركزية في كتابه (لذة النص)، هي نقد بارت للأنساق الفكرية والأيديولوجية التي تسعى إلى تثبيت المعنى وإخضاع النص لسلطة واحدة، فالخطابات الأيديولوجية في نظره تعمل على تكرار الدلالات وإغلاق إمكانات القراءة، بينما يقوم النص الأدبي على الانفتاح والاختلاف وتعدد الأصوات، ومن هنا تصبح الكتابة فعلا مقاوما لكل سلطة تحاول احتكار المعنى أو فرض تفسير نهائي.
ولعل أبرز ما يميز مشروع بارت هو التمييز بين العمل (Work) والنص ((Text فالعمل هو المنتج الأدبي بوصفه كيانا ماديا يمكن حفظه وتصنيفه ودراسته، وغالبا ما يُنظر إليه بوصفه حاملا لمعنى يمكن الوصول إليه، أما النص فهو ممارسة لغوية لا تعرف الاكتمال ولا تُختزل في بنيتها المادية، بل تتحقق من خلال فعل القراءة والتأويل، ولهذا فإن النص ليس شيئا يُستهلك، وإنما تجربة تُعاش وحركة مستمرة لإنتاج الدلالة، وبذلك أعاد رولان بارت تعريف العلاقة بين القارئ والنص فلم تعد القراءة فعلا يهدف إلى استعادة قصد المؤلف أو الكشف عن حقيقة كامنة وإنما أصبحت تجربة جمالية يتفاعل فيها القارئ مع اللغة، ويشارك في بناء المعنى، ومن هنا تتحول لذة النص إلى فلسفة في القراءة تجعل من الحرية والانفتاح وتعدد الدلالات أسساً لفهم العمل الأدبي، وتؤكد أن قيمة النص لا تكمن في ما يقوله فحسب، بل في الطريقة التي يجعل بها اللغة فضاءً لا ينضب من المتعة والاكتشاف، ومن هنا استنبط جاك دريدا مفهومه (لا شئ خارج النص) الذي بنى عليها في ما بعد استراتيجيته في التفكيك؛ ولعل أهم آراء بارت في لذة النص ممكن الوقوف عندها:
1-النص فضاء للذة لا وعاء للمعنى
2 التمييز بين اللذة والغبطة
3-القراءة فعل انتاج لا فعل استقبال
4-النص جسد حي
ثانياً: المؤلف في رؤية ميشيل فوكو المؤلف
شكّل مقال “ما المؤلف؟” (1969) لميشيل فوكو أحد النصوص المؤسسة في النقد والفلسفة المعاصرة، إذ أعاد النظر في المكانة التي يحتلها المؤلف داخل الخطاب الأدبي والفكري. ولم يكن هدف فوكو إعلان نهاية المؤلف أو إنكار وجوده، بقدر ما كان مساءلة الكيفية التي أصبح بها اسم المؤلف يؤدي وظيفة معرفية وثقافية داخل المجتمع، متجاوزاً كونه مجرد اسم يدل على شخص كتب نصاً معيناً. ينطلق فوكو من ملاحظة أن النقد التقليدي جعل المؤلف مركزاً للعمل الأدبي، فكان تفسير النص يرتبط بالبحث في حياة كاتبه ونواياه وظروفه النفسية والاجتماعية. وقد أدى ذلك، في كثير من الأحيان، إلى اختزال النص في صاحبه، وربط معناه بما أراده المؤلف، لا بما ينتجه النص نفسه من دلالات وإشارات قابلة للتأويل. ومن هنا يطرح فوكو سؤاله الشهير: ما المؤلف؟ وهو سؤال لا يستهدف البحث عن هوية الكاتب، بل عن الوظيفة التي يؤديها مفهوم المؤلف داخل نظام الخطاب. يرى فوكو أن المؤلف ليس مجرد شخص بيولوجي، بل بناء ثقافي وتاريخي نشأ داخل مؤسسات المعرفة، وأصبح يؤدي دوراً في تنظيم الخطابات وتصنيفها وتحديد قيمتها وحدود تداولها. فاسم المؤلف لا يعمل بوصفه اسماً علماً فحسب، بل يؤدي وظيفة تميز نوعاً من الخطابات عن غيره، وتمنحه موقعاً خاصاً داخل الثقافة. لذلك، فإن قولنا (كتاب للنفري) أو (قصيدة للجواهري) لا يشير إلى هوية الكاتب فقط، بل يستدعي منظومة من التوقعات والمعايير التي تؤثر في طريقة تلقي النص وتأويله.
ومن هنا صاغ فوكو مفهوم “وظيفة المؤلف” (Author Function)، وهو أحد أهم مفاهيمه النقدية. فالمؤلف، في نظره، ليس مصدر المعنى الوحيد، بل وظيفة يمارسها الخطاب داخل المجتمع، وهي وظيفة تتغير من عصر إلى آخر، ومن ثقافة إلى أخرى، كما تختلف باختلاف أنواع الخطابات. فهناك خطابات علمية يمكن تداولها من دون استحضار اسم مؤلفها، في حين تُقرأ الخطابات الأدبية والفلسفية غالباً في ضوء اسم الكاتب، لأن الثقافة منحت هذا الاسم سلطة خاصة في تنظيم القراءة وإنتاج المعنى. وليست وظيفة المؤلف، بحسب فوكو، صفة طبيعية ملازمة لكل نص، بل هي نتاج منظومة ثقافية وقانونية واجتماعية. كما أنها لا تحيل بالضرورة إلى شخص واحد، بل قد ترتبط بمجموعة من الخطابات أو بتقليد فكري كامل. لذلك لا يمثل المؤلف أصل النص بقدر ما يمثل إحدى الآليات التي تنظمه وتصنفه داخل الثقافة.
وبذلك ينتقل فوكو من سؤال: من كتب النص؟ إلى سؤال آخر أكثر تعقيداً: كيف يعمل اسم المؤلف داخل الخطاب؟ ويعكس هذا الانتقال تحولاً فلسفياً في فهم العلاقة بين الكاتب والنص؛ فلم يعد المؤلف المرجع النهائي للدلالة، بل أصبح عنصراً من عناصر نظام خطابي يخضع بدوره لقواعد المعرفة والسلطة. ويتقاطع هذا التصور مع أطروحة رولان بارت التي دعت إلى تحرير النص من سلطة المؤلف، غير أن فوكو لا يعلن «موت المؤلف»، بل يدرس الآليات التي تجعل المؤلف يؤدي وظيفة محددة داخل الثقافة. ومن ثم لا ينصب اهتمامه على إلغاء المؤلف، وإنما على تحليل الظروف التاريخية والمؤسساتية التي أنتجت مفهومه ومنحته سلطته. ويلتقي فوكو كذلك مع جاك دريدا في رفض اعتبار المؤلف مركزاً ثابتاً للمعنى، إلا أن كلاً منهما يسلك طريقاً مختلفاً؛ فدريدا يتجه إلى تفكيك الأسس الفلسفية التي تقوم عليها فكرة المركز، بينما يركز فوكو على تحليل البنية التاريخية والمؤسساتية التي منحت المؤلف سلطته. فالأول ينطلق أساساً من فلسفة اللغة والاختلاف، والثاني من تحليل الخطاب وعلاقات السلطة والمعرفة.
وقد أسهم هذا التصور في إعادة تحديد وظيفة القراءة؛ فلم تعد القراءة بحثاً عن نية الكاتب، وإنما تحليلاً لآليات الخطاب والقواعد التي تحكم إنتاجه والأنظمة المعرفية التي تمنحه شرعيته. وهكذا يتحول النص إلى مجال تتقاطع فيه اللغة والمعرفة والسلطة والثقافة، من دون أن يكون المؤلف مركزاً نهائياً لهذه العناصر. وعليه، فإن مفهوم المؤلف عند ميشيل فوكو لا يقوم على إقصاء الكاتب بوصفه شخصاً تاريخياً، وإنما على إعادة تعريفه بوصفه وظيفة خطابية تنظم تداول النصوص داخل المجتمع. وبهذا الانتقال تجاوز فوكو التصور التقليدي الذي جعل المؤلف أصل المعنى، مؤكداً أن الخطاب هو الذي ينتج وظيفة المؤلف، لا العكس.
ويمكننا الوقوف على أهم آراء فوكو في مقاله (ما المؤلف؟)
1- المؤلف ليس شخصا بل وظيفة.
2 – وظيفة المؤلف تنظّم الخطاب.
3- المؤلف ليس مصدر المعنى الوحيد.
4- النص يتجاوز صاحبه.
5- نقد فكرة العبقرية الفردية.
ناقد و شاعر عراقي
رحمه الله، التقيته مرة واحدة فقط، في دارة الفنون بجبل اللويبدة في عمان، حيث كانت هناك أمسية شعرية، و كنت مشاركا فيها، و هو كان حاضرا، و قرأت قصيدتي ( بيني و بينك كذاب هذا الصقيع ) من ديواني ( غياهب العزلة ) و بعد ان انتهيت رجعت الى مقعدي و إذا به يمسك بيدي و يقول لي لم اسمع شعرا في هذه الأمسية إلا منك، هذا هو الشعر الحقيقي، ثم دعاني الى بيت أحد اقربائه في عمان لاحتساء القهوة، كان ذلك عام 2000 بعد عودتي من تونس. رحمه الله كان ذواقا للشعر و مثقفا حقيقيا. و عندما قدم الى أمريكا لأجراء عملية في القلب كنت قد تواصلت معه، و كنت على وشك ان ازوره للمستشفى، لكن الخبر كان صاعقا عليّ عندما قيل لي قد فشلت عملية الشريان الأورطي في القلب، بكيت كثيرا عليه و حزنت، رحم الله محمود درويش كان إنسانا رائعا، و شاعر مجددا.
الملحق الأسبوعي لصحيفة الجزيرة في المملكة العربية السعودية تنشر دراستي في تفكيك
قصيدة (عواء) للشاعر الأمريكي آلن غينسبرغ Allen Ginsberg"
الجمعة/السبت 01-02 ربيع الأول 1448 العدد 19341 Friday/Saturday 14-15/08/2026 Issue
https://t.co/WZ2hg92Fbl
مقالي المنشور في جريدة الصباح العراقية ليوم
الخميس 13 آب، 2026 الموافق 29 صفر 1448هجرية
مدخل إلى فلسفة النص
يُعدّ النص الأدبي أحد أكثر المفاهيم إثارةً للنقاش في النقد الحديث، إذ لم يعد يُنظر إليه بوصفه مجموعةً من الكلمات أو وسيلةً لنقل المعنى، بل أصبح بنيةً دلاليةً وجماليةً معقدةً تتشابك فيها العلامات والرموز والإيحاءات وتظل قابلةً لإنتاج معانٍ جديدة مع كل قراءة، وقد ارتبط هذا التحول بالتطور الذي عرفته النظريات النقدية الحديثة والتي نقلت النص من دائرة المحاكاة والوظيفة المباشرة إلى فضاء الشعرية والرمزية والتأويل والتفكيك فأصبح النص كيانا مستقلا يمتلك قوانينه الداخلية وآليات اشتغاله الخاصة.
سيميولوجية النص
لا يقتصر النص الأدبي على كونه تراصفا لغويا أو بناءً نحويا وإنما يمثل منظومةً سيميولوجيةً تتآزر فيها العلامات داخل نسق متكامل، فكل عنصر في النص يؤدي وظيفةً دلاليةً تتجاوز معناه المباشر ليحيل إلى شبكة من العلاقات الداخلية والخارجية التي تمنح النص ثراءه الدلالي، ومن ثم فإن قيمة النص لا تكمن في ألفاظه وحدها بل في البنية التي تنظم هذه الألفاظ وفي العلاقات التي تنشأ بينها لتكوين أثر أدبي متكامل. ارتبط النص في مراحله الكلاسيكية بوظائف محددة كالتمجيد والتوثيق والسرد ونقل الوقائع لذلك اتسم بطابع مباشر يهدف إلى الإبلاغ والإقناع، غير أن ظهور المدارس الأدبية الحديثة مثل الرومانسية والرمزية والسوريالية أحدث تحولا عميقا في مفهوم النص فلم يعد مجرد وسيلة لنقل رسالة بل أصبح غايةً في ذاته، يعبّر عن بُنيته اللغوية وجمالياته الخاصة ويجعل من اللغة موضوعا للإبداع لا مجرد أداة للتواصل وهكذا انتقل النص من الأداء الوظيفي إلى تحقيق الشعرية والتكثيف الفني.
وعليه أصبح النص الحديث قائماً على الإيحاء أكثر من التصريح وعلى الرمز أكثر من التقرير، الأمر الذي جعله منفتحا على قراءات متعددة فلم يعد النص يقدم معنىً واحدا ثابتا وإنما ينتج دلالات متنوعة تبعا لثقافة القارئ وخبرته وآفاق استنباطه ومن هنا برزت أهمية القارئ بوصفه شريكا في بناء المعنى، إذ لا يكتمل النص إلا بفعل التأويل الذي يكشف ما تنطوي عليه بنيته من احتمالات دلالية متعددة.
يقوم النص الأدبي على مستويين متكاملين أولهما المكتوب وهو المستوى الظاهر الذي يتجسد في الألفاظ والتراكيب والأحداث والصور المباشرة، أما المستوى الثاني فهو اللامكتوب ويتمثل في المعاني الضمنية والعلاقات الخفية والرموز والإشارات التي لا تُدرك إلا من خلال القراءة العميقة التي تتجاوز ظاهر النص إلى بنيته الداخلية، ومن ثم فإن القراءة النقدية لا تقف عند حدود المكتوب وإنما تنفذ إلى اللامكتوب للكشف عن طبقاته الدلالية الكامنة، و من اختلفت طبيعة المعنى باختلاف الجنس الأدبي ففي النص السردي كالقصة والرواية تتجه القراءة غالبا إلى بناء معنى كلي يتشكل من تسلسل الأحداث وتطور الشخصيات، مما يجعل الدلالة أكثر استقرارا نسبيا، أما النص الشعري فيقوم على التكثيف والإيحاء والانزياح ولذلك يظل مفتوحا على احتمالات دلالية لا تنتهي بحيث تتجدد معانيه مع كل قراءة جديدة، وهذا ما يفسر استمرار حضور الشعر العربي القديم في الدراسات النقدية الحديثة وإمكان إعادة تأويله وفق مناهج مختلفة عبر العصور.
تجلّت جماليات اللامكتوب بوضوح في الشعر الحديث من خلال توظيف الأقنعة والرموز التراثية والإحالات الأسطورية، وهي أدوات مكّنت الشاعر من التعبير عن رؤيته بطريقة غير مباشرة، ومع تطور التجربة الشعرية المعاصرة تجاوز النص هذه الوسائط ليقدم تجربة لغوية وجمالية أكثر كثافة وتعقيدا تواجه القارئ مباشرة وتدعوه إلى المشاركة في إنتاج الدلالة دون الاعتماد على مفاتيح تفسير جاهزة وهو ما يزيد النص ثراءً وإثارةً للتأويل. ويمكننا أن نقسّم النص الأدبي الى ثنائية أساسية تتمثل في:
1- المكتوب هو المستوى الظاهر الذي يتجلى بصورة أوضح في البنية السردية والشعرية ويضم العناصر اللغوية والإنشائية التي يواجهها القارئ مباشرة.
2- اللامكتوب هو المستوى الضمني الذي يتجسد في التأويل والتعدد الدلالي والعلاقات الرمزية وما يختزنه النص من معانٍ لا يكشفها إلا التفاعل النقدي العميق.
ويتكامل هاذان المستويان في تشكيل التجربة الأدبية إذ لا يكتمل فهم النص بالاقتصار على ظاهره كما لا يمكن إدراك اللامكتوب بمعزل عن المكتوب الذي يشكل منطلقًا له.
كذلك يمكننا التمييز بين مظهرين رئيسين للنص الأدبي:
1- النص الكلاسيكي يرتبط بالوظيفة والسرد والمحاكاة ويهدف إلى نقل المعنى بصورة مباشرة مع التركيز على الإبلاغ والتوثيق والتمثيل.
2-النص الحديث يرتبط بالشعرية والرمزية والانفتاح الدلالي ويجعل من اللغة فضاءً للإبداع ومن التأويل آليةً أساسيةً في إنتاج المعنى فيغدو النص مشروعا مفتوحا تتجدد دلالاته عبر الزمن.
الخلاصة:
تكشف فلسفة النص عن التحول العميق الذي شهده الأدب الحديث، حيث انتقل النص من كونه وعاءً للمعنى إلى كونه فضاءً لإنتاج المعاني، ولم يعد القارئ متلقيا سلبيا بل أصبح شريكا فاعلا في بناء الدلالة من خلال الانتقال من قراءة المكتوب إلى استكشاف اللامكتوب ومن الوقوف عند ظاهر النص إلى النفاذ في طبقاته الرمزية العميقة، وهكذا يغدو النص الأدبي كيانا حيا ومتجددا تتعدد قراءاته بقدر ما تتعدد آفاق قرائه وهو ما يمنحه القدرة على الاستمرار والتجدد عبر الأزمنة.
* رسول عدنان
دراستي النقدية تفكيك قصيدة الرخّ و الحليب الأسود
الأربعاء 16 من شهر نيسان- أبريل 2025 -الموافق 18 شوال 1446 هجرية
في صحيفة القدس العربي لأقدم قصيدة نثر كتبها حسين مردان على منوال النموذج الفرنسي كتبها عام 1956، هذه القصيدة تفنّد أيّ إدّعاء لجماعة مجلة شعر و أدونيس حول الريادة في قصيدة النثر في بيانهم الشوفيني عام 1960، و لتؤكد على الريادة العراقية و قد أتفق معي أصدقائي من جماعة كركوك كل من ( سركون بولص - صلاح فائق- فاضل العزاوي- مؤيد الراوي- جان دمو )
-----------------------
تفكيك قصيدة الرُخُّ و الحليبُ الأسود
هذه القصيدة لحسين مردان من ديوانه الإرجوحة هادئة الحبال الصادرعام 1958
سأقوم بتقطيع هذه القصيدة الى عدّة مقاطع لتسهيل عملية تفكيكها و الدخول الى عوالهما و هي قصيدة نثر كُتبتْ على شكل مقال وهو الشكل الذي كتب به ألويزيوس برتران أوّل ديوان في قصيدة النثر و اسمه جاسبار الليل...
جو للنص
تستمدّ قصيدة النثر شرعيتها و وجودها من اللآغرضيّة او المجانيّة في القول اي من اللاقصدية، و قد دارت عوالم هذا النص في شعريّة حركيّة متلاحقة، حيث يقفز الشاعر بين الفقرات دونما تخطيط بل بعفويّة تامة وتلك هي المجانيّة وكأنّه يصوّر مشاهد يوميّة بشكل عبثي مدروس، إنّه يؤرّخ ما يفاجئه ويُدهشُه ويحيّره ويقلقه، و سرعان ما ينتقل من صورة مكثفّة الى صورة أكثر تكثيف، ليَدخلَ في عوامل غرائبيّة تكون اللغةُ فرشاتَه في رسم لوحته، إنّه بوحٌ غيرُ ممنهج، غيرُ مدروس، لا غرضي، ترجمةٌ لإعتمالاتٍ نفسيّةٍ يختلطُ فيه الواقعي و اليومي العابر؛ و الملفت إنّ الشاعرَ كتبَ نصّه على شكل مقال اي كتلة و هي الطريقة الأصلية في نسخة قصيدة النثر الفرنسية منذ برتران و بدون الإطلاع على ديوانه جاسبار الليل، و هذا يؤكد السبق في كتابة قصيدة النثر العربية لحسين مردان، في هذا النص أمتزج الواقعي و الخيالي حيث قادا الى السحري في وصف عوالم نصّه،، و الملاحظ في القصيدة هو التنقيط و الفواصل و قصر الجمل وهي ذات التقنية التي استخدامها مخترع قصيدة النثر ألويسوس برتران في ديوانه جاسبار الليل
دلالة العنوان
عبر حوار دراميّ يقود الى التضارب بين الواقعي والخيالي وضياع النفس البشريّة يكوّن الشاعر عوالم قصيدته و التي تبدأ بتوظيف واقعي عبرنسيم و وردة و قمر شاحب، و رجل بصوته الثخين، ثم ينعطف الى حبيبة متخّلة حيث عينها قريبة من قلبه، ليتنقل الى الخيالي فجأة عبر حدثت الكارثة و انهارت الصخور في اعماق الجبل، ليصف المشاهد التالية بشكل واقعي استلّه من الخيالي، و الذي يقود الى اللآغرضية في الوصف عبر المقطع ربما لانّ نفختك للريشة كانت أقوى، ثم يعود في المقطع الثالث الى الخيالي من خلال انظر الى الروؤس العائمة في الفضاء و يستمر في وصف خيالي باهر الى ركبت البساط الى استنبول، ثم يعود الى الواقعي من خلال فهناك و في شرفة من الطابوق الأشهب و يستمر حتى نهاية المقطع، حتى تجلس حبيبته الى جانبه لتجمّدَ كلَّ شئٍ كان حار، و في المقطع الأخير يمزجُ به الخيالي و الواقعي من خلال تعاطي لا غرضي في صياغة أبيات قصيدته عبر مونولوج درامي تنقل به الشاعر في أغراض شعرية هي لبُّ و أصل هذا النوع من الشعر، و هو بذلك أجتاز كلَّ من عاصره و من جاء بعده من شعراء ليقدّم لنا النموذج الأصلي لقصيدة النثر بلغة عربية،
المقطع الأول
(كان النسيم البارد يلتّف داخل الوردة، و القمرُ الشاحب يتدلّى فوق الحائط، كرة بلّور اصفر،و بعيدا خلف حاجز من الخشب القهوائي، انتصب الرجل يتحدث عن قضية مهمة. و كان صوته الثخين يقفز فوق السلالم و يسقط حول اذني حفنة من الحروف الطائرة .. و لكني لم استوعب كلمة واحدة.. قلت ذلك بخفوت و برقة. و خيّل أليّ ان الصدى سيخدش وجنتها المستديرة! و لم تظهرعلى عينها القريبة من قلبي اية استجابة سعيدة. غير اني شاهدت فوق شفتيها السمينتين ظل ضحكة صغيرة اشبه بعصفور اخضر يلوب داخل قفص من اللؤلؤ.. )
يبدأ الشاعر قصيدته بوصف رومانسي مهيّاً إيّاها الى تشظيّات دلاليّة أخرى عبر الصور المتلاحقة، فهنالك نسيم مع وردة و قمر قريب الى حائط، و ايضا هنالك رجل بصوت ثخين فوق السلالم، في هذا المقطع مزاوجة بين الرومانسي والواقعي، و بإلتفاته أخّاذة يصف وصول صوته بالحروف الطائرة، كناية عن كلامه الصاخب، والذي لم يكن الشاعر لينتبه اليه لأنشغاله بصورة أخرى تلك التي رسمها لإمرأة كان يخشى عليها من صدى هذه الحروف الطائرة الصاخبة، و التي تكفّل وقعها ان يجعلها تطلق ضحكة صغيرة، ثم يعمد الى تشبيه رومانسي رائع واصفا إيّاها بعصفور يلوب داخل قفص، حيث تمكن الشاعر من إعداد الجوّ العام لمسرح قصيدته بعناية فائقة من خلال تفاصيل صغيرة و دقيقة جدّاً وزّعها بإقتضاب دون حشو على شخوص هذا المقطع حالة المكان، و الحديث الصاخب للرجل الذي يقف على السلّم، و المرأة ذات الضحكة الصغيرة،
المقطع الثاني
(و هنا حدثت الكارثة- و انهارت الصخور في اعماق الجبل، و اختلط الرمل بماء الينابيع و تلطّخت الزهور بالوحل .. و تلفت حولي كأسد أصيب بطلقة طائشة .. آه .. أني اقتل دائما من قبل المرأة .. و رجعت الى جحيمي و أنا ارتعد من الغضب- و استمر الحوار وسط النار .. انه جواب بريء- كلا – ان فيه نبرة جافة، قيرة صناعية .. ربما لان نفختك للريشة كانت أقوى مما تريد ليكن فهي ليست سوى حبة عنب اشقر، و غدا ستنفجر على اصبع غبي- و لن تجد مثل هذا الجبين ابدا - - و انكمش وجودي كله- لتبتسم فقد ماع الفص و لم يبق في السلة اي اثر للحرير.. )
فجأة ينعطف الشاعر الى رسم صور متلاحقة يهيّأ لها فضاء القصيدة بما يشدّ قارئه من خلال مفردة- الكارثة- فهنالك صخور تنهار تسببتْ بإختلاط الرمل بالماء و الزهور بالوحل، و كأنّ ما أحدثه وجود المرأة أمام الشاعر هو هزّة وصلتْ الى مستوى طلقة طائشة، فالمعروف عن الشاعر شبقُه الجنسي و تعطشُه لجسد المرأة، لذلك قاده هذا الشبق و لهاثه وراء الجنس الى إصدار ديوان شعري قاده الى السجن هو ديوان قصائد عارية، و هذا ما يبرر وصفه لهذه اللحظة بطلقة طائشة او أني أقتل دائما من قبل المرأة، فهو يصف حواره معها بوسط النار رغم انّ جوابها كان بريئاً، ثم يصف تنهداتَه التي أطلقها من خلال نفخة ريشة، و بعد ان استدرك نفسه وجد أنّها ليست سوى حبّة عنب أشقر مستدركا وصفه هذا ب (ستنفجر على إصبع غبي)،
المقطع الثالث
(و رحت انظر الى الروؤس العائمة في الفضاء- لماذا جئت؟ انّي رجل حُكم عليه بالوحدة- و لقد سبق و ان شُنِقتْ اشواقي في غابة الصبّار- لا .. يجب ان لا اخرج من صندوقي الخاص و انتحب الشعر في دمي .. وما الفرق ! انها من نفس الطين الملون .. و الجمال ؟ انها لجميلة هذه الفرخة الرائعة- مرمر و نقطة نور - - و غصن في درب آخر- و ركبت البساط الى استنبول-)
يدخل الشاعر في هذا المقطع بحوار خيالي حيث الروؤس العائمة في الفضاء حيث يدخل عبر هذا المقطع بالآغرضية و المجانية من خلال عدّة مقاطع، شنقتْ اشواقي في غابة الصبّار، لا أخرج من صندوقي الخاص، و انتحب الشعر في دمي، من نفس الطين الملّون، مرمر و نقطة نور حتى يختم المقطع ب -ركبت البساط الى استنبول- الملاحظ انّ الشاعر وضع كلَّ هذه الصور المتلاحقة من خلال شحن مجاني و استدارك لا غرضي وضعها كجملة اعتراضية بين خطّين ليرسل رسالة الى القارئ إنّها بعض هذيانات نفسية و إعتمالات روحية أختلجت بالشاعر أثناء رؤيته للمرأة و هو المعروف كما أسلفنا بشبقه للجنس و النساء،
المقطع الرابع
(فهناك و في شرفة من الطابوق الأشهب ينتظرني الوجه الآخر-! واه هنا افرم احشائي قرب خصلات شعر غلامي- و ابني عمارة من الحسرات الصامتة- و هي ابدا تلعب بين اهدابي و تسخر من الأعجاب في حدقتي .. و نهضت لتقوم بنزهة في الحديقة- حديقة في حديقة!- وعادت لتجلس في مكان لا يرى .. و عندما جاءت الى جانبي كان كل شئ حار قد تجمد الى الأبد –)
في هذا المقطع يعود الشاعر الى الوصف الواقعي لمسرح القصيدة، حيث وجود شرفة من الطابوق الأشهب تقف المرأة بها بينما في الطرف الآخر يقف الشاعر متحسرا متمنيّاً إيّاها واصفا هذه الحسرات بعمارة من الحسرات و هي تتغّنج أمامه بسخرية، ثم يصوّر الشاعر بشكل واقعي ساحر كل حركاتها و هي تقوم بنزهة داخل الحديقة و تنزوي في مكان لا يُرى ثمّ تقترب منه و من حرارة جسده التي ارتفعت نتيجة لشبقه لكن ما أن اقتربت منه فإذا بكلِّ شئ حار قد تجمّد و هذه كناية عن السعادة التي شعر بها أثناء اقترابِها منه
المقطع الخامس
(و في تلك اللحظة الحزينة - لحظة موتي – ظهرت عزيزتي الحقيقية، مثل انبوب حليب في زجاجة سمراء- فنهضت الموسيقى في أعماقي، و اختفت كل صور الجمال الاخرى – فصحت يالدوائر العسل – و اعتذرت لصورتها في قلبي- و تمنيت ان امزق حنجرتي و استل الاف الاغنيات التي احتفظ بها من أجل عينيها- و تعقبت نغمات خطواتها الرشيقة- فيالفرحي العظيم ...)
فجأة - و بعد أن أستدرجنا - يعود الى واقع حاله و هي اللحظة الحزينة ليصف معشوقته مثل انبوب حليب في زجاج سمراء و يبدو لي إنّها كناية عن لونها الأسمر، عندها تعلو الموسيقى و هي كناية عن السعادة التي شعر بها و من خلال مقاطع خيالية يصف لنا الشاعر شعوره المفعم برؤيتها بعدما وجد انّها تختلف عن تلك الصورة التي كان قد رسمها لمعشوقته لذلك استخدم الافعال أعتذرت، تمنيت،امزّق، استلّ، تعقبّت، هذا الكم من أستعمال الأفعال له دلالة على وقع ما حدث فهو قد اصطدم بصورتين الأولى كان قد رسمها لمعشقوته بقلبه و خياله و الأخرى التي رآها و هي سمراء، لذلك ألتجأ الى جملة من الأفعال ليصف لنا حالته النفسية بين الفرح و المفاجأة و هو يتعقّبُ خطواتها الرشيقة ليختم هذا المشهد بوصف فرحه العظيم بها،
الخصائص الفنية للقصيدة:
جاءت هذه القصيدة كمحاولة لسبر أغوارالنفس البشرية في مواجهة القدر، عبر مونولج شبه درامي صاغه الشاعر عبر حوار شعري أمتزج به الخيالي و الواقعي من خلال مفهوم قصيدة النثر الأصل و اقصد النموذج الفرنسي سواءا عند برتران في جاسبار الليل او مقلدوه مثل بودلير في سأم باريس او رامبو في اشراقاته او مالارميه في رمية نرد، الذين قلّدوا برتران و أتبعوا اسلوبه في قصيدة النثر، لكن الملفت أنّ حسين مردان لم يقرأ برتران و عندما شرع في كتابة ديوانه هذا عام 1956 و طبع عام 1958 لم يكن برتران قد ترجم ولا ديوان سأم باريس او اشراقات رامبو، لكنني نرى مردان قد صاغ قصيدته هذه و بقية قصائد هذا الديوان بالفطرة فجاءت قصيدة نثر خالصة و بذات الخصائص التي أعتمدها الشعر الفرنسي، و بذلك يكون مردان الرائد الحقيقي لقصيدة النثر العراقية و العربية و اوّل من صاغها على الشكل الأصلي دون ان يطلع عليه،
الدلالتان النصيّتان في القصيدة :
من خلال عتبة النص التي تحيلنا الى دلالتين ظاهرة و مضمرة فالعنوان يوحي بشعرية حركيّة او دلالة ظاهرة و هي طائر الرُخّ و الحليب الأسود و حتّى نعرف من هو طائر الرخ و من هو او هي الحليب الأسود؟ عليها ان نكشف الدلالتين النصيتين الحركتين في عتبة النص و انعكاس النص و احداثه على كل منهما من خلال تحليل العلاقة بينهما،
الدلالة الأولى وهي الظاهرة:
طائر الرُخّ، من هو و ما هو و ما دلالته في النص؟ هو طائر اسطوري ورد أسمه في كتاب ألف ليلة و ليلة بإسم طائر العنقاء و هو طائر نبيل يولد من الرماد و قد ورد في أساطير عدة حضارات ايضا و هو ذاته طائر الفينيق لدى الأغريق و الأوربيين، لكن ما هي دلالته في هذا النص؟ هل هو رمز للشاعر الذي وظّفه من باب التجريد؟ ليرمز الى كل الظروف السيئة التي أحاطت بالشاعر من تشرّد و ضياع و معيشة ضنكة و حياة بوهمية و الذي كان يعيش قرب المزابل و الرماد و يولد شاعرا ينهض بالشعرية العراقية تماما مثل طائر الرخّ او العنقاء الذي لا يموت بل يبقى خالدا يتوالد من اللآشئ من الرماد، و هل الحليب الأسود المقصود به هي تلك المعشوقة السمراء التي وصفها في المقطع الخامس و الذي مهّد الى تلك الظروف التي يولد بها طائر الرخّ و هي من النار و الرماد و هذه دلالة أخرى على إحالته في المقطع الثاني (و رجعت الى جحيمي ) و (و استمر الحوار وسط النار) فهل المقصود بالجحيم هنا هي الحياة التي يعيشها الشاعر؟ ام انّه مكان ولادة طائر الرُخّ، و ما تفسر لنا هذا الإحالة هي الجملة التالية بأنّ هذا الحوار دار وسط النار و هذه هي الهيّأة التي يظهر بها هذا الطائر الأسطوري
الدلالة الثانية المضمرة : إنّ اسطورة طائر الرُخّ ( العنقاء ) التي وردت في كتاب ألف ليلة و ليلة والتي كانت بغداد مسرحا لهذا الكتاب الرائع و بغداد أيضا هي مدينة الشاعر والتي يعيش بها حياة بوهيمية متشرّدا و في هذا الكتاب الرائع أيضا تلك القصة الجميلة عن البساط السحري الذي ينقل علاء الدين بطل إحدى قصصه، وقد قام الشاعر بتوظيف هذه الثيمة البساط السحري في القصيدة من خلال قوله ( و ركبت البساط الى استنبول ) في المقطع الثالث، و التي توحي للقارئ أنّ ما جاء في هذا النص قد يكون نسجا على طريقة ألف ليلة و ليلة ليصحو البطل و يعتلي بساطه عائدا، و قد يكون هذا النص جاء جزء منه واقعيا من خلال لقاء الشاعر بفتاة عبر شرفة ما ثُمّ أكمل النصَّ من خلال توظيف تراث ألف ليلة و ليلة و هو أسلوب يلجأ اليه الشعراء دائما، اي استلهام التراث، و سوف أترك النهاية مفتوحة لأشرك القارئ في استنتاج ما يراه و يفهمه هو من خلال هذا النص و من خلال هذه الدراسة؛
*رسول عدنان
ناقد و شاعر عراقي
@ghathami لذلك يا دكتور أنا استبقت الأحداث و قدمت لكتابي الجديد، بستة مقالات نشرت في القدس العربي و عكاظ و الجزيرة، و انت تعرف بها، و قد ذكرت هذا بمقدمة الكتاب، حتى لا يتهمني أحد بالسرقة او بأخذها من اي مكان، لا عليك الزمن قد اثبت أنك عالم حقيقي و خاب فألهم.
صدر عن دار رؤى في العراق كتابي النقدي
(إقصاء المؤلف من رولان بارت الى عبد الله الغذامي)
و الحمد والشكر لله رب العالمين، بعد سنتين من الجهد و التعب و ملاحقة المصادر، و يعتبر هذا الكتاب أوّل مقاربة نقدية في موضوعة إقصاء المؤلف بين النقدين العربي و الغربي، حيث تناولت هذا الموضوع الشائك و المعقد جدا في رؤى خمسة من الناقد الكبار و هم ( رولان بارت- فوكو- آيزر- دريدا- الغذامي )، و الجميع يعرف ان مجرد التعرض لهذه الأسماء و مقاربتها في موضوع معقد جدا كإقصاء المؤلف هو مجازفة و مغامرة كبرى، و لكنني مولع بهكذا مغامرات، فمنذ ان تخصصت بالنقد التفكيكي و الى الآن و أنا في انشغال حقيقي في معادلة ( النص – القارئ ) بعد ان انتهت و الى الأبد معادلة ( المؤلف – الناقد )، و يجب ان أنوّه الى أمرين مهمين هما :
1- ان غالبية المصادر الأجنبية قمت بترجمتها بنفسي لأنني لا اثق بالترجمات العربية، ولأنني أؤمن تماما بوجود لغتين في كل بلد، اللغة الرسمية و هذه يمكن دراستها ،و اللغة العميقة و هذه يجب ان يعيشها المترجم، و مثلما هناك دولة و دولة عميقة، فهنالك لغة ولغة عميقة، وأي مترجم لا يصل اليها، فلا يطرح نفسه كمترجم.
2- لقد أرسلت أسئلة حول جدلية ( المؤلف - النص ) قمت بإعدادها بمنتهى الدقة الى الدكتور عبد الله الغذامي، وتفضل مشكورا بالإجابة عليها لتعطي الكتاب مصداقية وروعة وحضورا للكتاب، ذلك أن أحد النقاد الخمسة الكبار الذين احتفى بهم كتابي هذا، يقوم بنفسه بالإجابة على هذه الأسئلة، وقد افردت لها فصلا مستقلا وهو الفصل الرابع، فشكرا للدكتور الغذامي.
يقع الكتاب في خمسة فصول ومقدمة وخاتمة وسوف يكون مشاركا في معرضين مهمين هما معرض بغداد ومعرض الرياض إن شاء الله.
يعتبر هذا الكتاب كتابي النقدي الرابع
1- اللغة الشعرية من الجرجاني و القرطاجني الى رولان بارت و جاد دريدا
2- التفكيك بين النظرية و التطبيق
3- جماعة كركوك الحداثة الشعرية الثانية
4- إقصاء المؤلف من رولان بارت الى عبد الله الغذامي
أخيرا أحمد الله على فضله و أساله السداد و التوفيق، بيده الخير و هو على كل شيء قدير.
رسول عدنان
@bakrmb123 ممتن كثيرا منك سيد بكر و من كلماتك الرائعة، إن شاء الله سوف يكون الكتاب في معرضيّ بغداد و الرياض القادمين في جناح دار رؤى تحياتي و كل احترامي