لا مرارة الرفض ولا الانكباب المطلق أشد وطأة من الحيرة المغلفة بضرورة الإقدام دون أن يخالطها قبول. خمسة وعشرين يوم يتأرجح فيها اليقين، وتُسحق فيها بصيرتي وتُدفع نحو ما تأنفه. كل قراراتي السابقة كانت جليّة، قاطعة، ولا أعيد التفكير فيها.
ولكن هذه المرة ماكنت أفتش عن حقيقة أو جواب، كنت أبحث عن شعور، ميلًا صريحًا، كنت أستجديه، انتظرته يتجلّى على عتبة درج الطوارئ، على سجادة الصلاة، وسط ضجيج الشوارع. غير أني كنت أعترك في أرضٍ ملساء لا يُعرف لها بداية أو نهاية.
يسير على أرضٍ رخوة منذ الميلاد، يحمل فوق ظهره حقيبة تحتشد فيها طفولته، الطفولة التي تعجنها الذاكرة وتستحضرها بصورتها الأكثر مثالية. لم يتبدّى له العالم بين إسمنت مرصوص، وجدران قائمة، فأصبح يُبدِّل منزله ك��ا يُبدِّل ثيابه.
«فَدَع ذِكرَ عَيشٍ قَد مَضى لَيسَ راجِعا—وَدُنيا كَظِلِّ الكَرمِ كُنّا نَخوضُها» أو «لاتلتفت في حسايف وقتك الماضي—غامر على العز، و التوفيق عند الله» اختر اللي ودك عزيزي المتابع ولكن It’s time to move on
يُقلب بين أصابعه حمّالة مفاتيح فارغة، ويترك بعضه هناك؛ في كل المنازل التي سكنها ولم تسكنه. مركونٌ على الرف، وذكراه مُراقة على الجدران والأبواب يرقد على سطحها الغبار، وتتضوّع منها رائحة النسيان. ويسير في سفرٍ دائم، يبحث عن بيتٍ واحد، بيت لا تتسع له الخارطة.
يسير على أرضٍ رخوة منذ الميلاد، يحمل فوق ظهره حقيبة تحتشد فيها طفولته، الطفولة التي تعجنها الذاكرة وتستحضرها بصورتها الأكثر مثالية. لم يتبدّى له العالم بين إسمنت مرصوص، وجدران قائمة، فأصبح يُبدِّل منزله كما يُبدِّل ثيابه.
كنت أجد متعة التوثيق بمشاركة الالتقاطات الفوريّة والقاء النصوص والحديث باسهاب عن الأحداث اليومية بقناة خاصة تضمّني وحدي بالتيلقرام. أُعيد استخدام البرنامج كملاحظات ومذكرّات مرئية.
في إحدى القنوات المنسيّة والمهجورة، شاركت قراءتي لـ«الآن هُنا» لعبدالرحمن مُنيف، كان أول ماقرأت لأدب السجون قبل ٦ سنوات، ولسبب مبهم لا أقف على مضمونه بالتحديد، كنت أشعر بالاعياء والضيق لمُجرد النَظر لغلاف الكتاب بعدما أنهيته بصعوبة بالغة.
في سبيل الاصلاح ومعالجة النفس، وإزالة ماتبقى من الأفكار التربوية التي عفى عليها الزمن. أُشيد بـ« حسين الهبشان » في كل جلسة، حسين هو التجسيد لكل مانفكر به، ومانرغب أن يكون. هو اليد التي تصفعك، وتساعدك على الوقوف في الوقت ذاته. بإيجاز ومن دون تنظير.
العائلة مفهوم أعمق من ظاهره، الوعاء الذي يخرج منه الإنسان إلى العالم بمزيج من الأفكار والمبادئ والقيم، وبقدر الشوائب التي تشوبها يتشوّه، ويشوّه العالم من خلفه. التنظير بالتربية أمر يمتهنه الجميع وقلّ من يفهمه. لكن الوعي هو العزاء لهذا الجيل، هاجس أن يتسرّب إليهم مانرفضه فينا.
في حديث عابر وبشكل موجز أخبرني عن رغبته في أمرٍ ما، وقبل أن يدير ظهره سألته عن السبب، وتدافعت خلفها أسئلة تفضح دافعه الأول لذلك، أسئلة على مايبدو من ملامح وجهه وسكوته الطويل أنه لم يوجهها إلى نفسه سابقًا.
تحوّل الحوار من ابداء لرغبة عادية قبل أن أطوي سجادة الصلاة فجرًا، لحديث مطوّل اجتمعوا فيه أخوتي وامتد حتى طلوع الشمس. الحاجة للتفسير، والارتكاز على معنى وحقيقة تجعل الرؤية واضحة بدأت بالتطاول والخروج عن حدود الذات. فلسفة لا تتعدّى حدودها سجادة الصلاة ولا جدران الغرفة.