عندما كان العرب يتفاخرون بأنساب أبائهم وقبائلهم كان هناك مجنون يفتخر بأن نسبه يعود لحبيبته حيث قال :
فحسبي فخراً أن نسبت لحبّها
وحسبي قرباً أن خطرت ببالها
- ابن عز القضاة
[ أُحيلُ إليك يأسي مع يقيني
وإصراري على مـرّ السـنـينِ
وأترك في يديك مراد نفسي
وما رَغبتْ وما مَلَكتْ يميني
رضِيتُ بما قَسمْتَ وكان حقاً
عليّ، وذاك مـنهاجـي وديني
أبوء إليك في ضعفي فمن ذا
سـواك يكون لي خير المعينِ ]
رنا بنت عبدالعزيز
أرى في الشجر قول لبيد رضي الله عنه:
"والمرءُ يصلحه الجليس الصالح"
ولعل قارئاً يعجب من قولي فيقول: وهل عسى أن تكون الشجرة جليساً صالحاً؟!
فأقول: نعم والله! وأي جليسٍ أصلح ممنٍ يذكرك بالله كلما نظرت إليه، ويقربك إليه كلما دنوت منه؟
ولا أبالغ إن قلت إن بيني وبينها من الألفة والصحبة ما لا أجده في غيرها، أجالسها وأحادثها وأطيل التأمل فيها، فأرى فيها صديقةً واعظةً وآيةً شاخصةً تدعو بمجرد وجودها إلى التفكر والتدبر! ولا تقع عيني على جذرها الراسخ وجذعها الشامخ، وفرعها المزهر وغصنها المثمر إلا ورأت فيه بديع صنع الله الذي أتقن كل شيء!
"فيا عجباً كيف يُعصى الإِلَـ
ـهُ أم كيف يجحدهُ الجاحدُ
وفي كل شيءٍ له آيةٌ
تدلُّ على أنه واحدُ"
وما نظرت إليها إلا وانشرح صدري وابتسمت، إذ إننا نشترك معاً في أعظم عمل على هذه الأرض، ذكر الله عز وجل وتسبيحه، فأتخيلها قائمةً في محرابها منذ مئات السنين لا تفتر عن التسبيح {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا}
ثم أرجع البصر إليها كرتين، فأتذكر أنها تسجد لله تعالى، كما قال سبحانه: {وَٱلنَّجۡمُ وَٱلشَّجَرُ یَسۡجُدَانِ} وقال جل جلاله: {أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ یَسۡجُدُ لَهُۥ مَن فِی ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَمَن فِی ٱلۡأَرۡضِ وَٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلۡجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَاۤبُّ وَكَثِیرࣱ مِّنَ ٱلنَّاسِۖ} فأدنو إليها لأجالسها وأشاركها صلاتها وتسبيحها وإن كنتُ لا أدرك كيفية سجودها ولا أفقه لغة تسبيحها..
حتى إذا جلست تحت ظلها الوارف ذكرتني بالحبيب ﷺ حين نام على حصير فقام وقد أثر في جنبه وقال: "ما لي وما للدنيا، ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها."
فإذا دنوت أكثر ولامست جذعها بيدي تذكرت ذاك الجذع الذي كان يخطب عنده رسول الله ﷺ، فلما فارقه إلى المنبر حنَّ إليه حتى سُمع له صوتٌ كصوت العِشار، فجاءه النبي ﷺ ووضع يده عليه فسكن، فأفكر، إذا كان هذا حنين جذعٍ إليه ﷺ، فكيف بقلوبنا التي عرفت خبره، ولمست أثره، وآمنت برسالته، وامتلأت بمحبته دون رؤيته ﷺ! فأصلي وأسلم عليه صلى الله عليه وسلم وأزداد تعلقاً وحباً لجذعها
فإذا شخصت ببصري إلى السماء أتأمل علوها وتشعب أغصانها تذكرت المثل الذي ضربه الله عز وجل للمؤمن {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ} فالكلمة الطيبة كما ذكر ابن عباس رضي الله عنهما هي شهادة أن لا إله إلا الله، والشجرة الطيبة هي قلب المؤمن، وفي معنى ثبات أصلها وعلو فرعها عبرة! فإن المؤمن يعمل في الأرض وينطق بالخير، فيرتقي قوله ويصعد عمله إلى السماء فوق الثريا وهو بعد راسخٌ يطأ الثرى!
ويأخذني هذا إلى قول ابن القيم رحمه الله "الشجرة لا تبقى حيةً إلا بمادةٍ تسقيها وتنميها، فإذا قطع عنها السقي أوشك أن تيبس، فهكذا شجرة الإسلام في القلب إن لم يتعاهدها صاحبها بسقيها كل وقت بالعلم النافع والعمل الصالح والعود بالتذكر على التفكير والتفكر على التذكر، وإلا أوشك أن تيبس"
فلا أيبس الله لنا شجرة!
وما هذا إلا غيضٌ من فيض حديثي وأفكاري معها، فهل ألام بعد هذا على حبها وصحبتها؟ أوليست جليساً صالحاً؟!
تفوق بيان الناطقين بصمتها
وكم صامتٍ قد كان أبلغ واعظِ!