📕✍🏻 طباع لا تغيرها الكؤوس ..
يقول ابن خلدون في مقدمته الرائعة :
"والأصل في الإنسان أنه ابن عوائده ومألوفه .. لا ابن طبيعته ومزاجه"
وربما لا توجد أمة كروية تجسد هذه الفكرة أكثر من الأرجنتين .. فصورة الأرجنتين التي نشاهدها اليوم ليست وليدة اللحظة فهي لم تكن يوما مدرسة الهيمنة التي اعتادت أن تنظر إلى الجميع من أعلى بل كانت دائما أمة تعيش على التحدي وعلى الشعور الدائم بأن عليها أن تثبت نفسها مرة أخرى مهما حققت ومهما فازت.
وإذا كان مارادونا وميسي قد ارتقيا فوق عصرهما فإن الشخصية الأرجنتينية بقيت كما هي عنيدة ومشتعلة بالخصومة والتحدي لا تعرف طريقا آخر إلى المجد .. حتى دييغو نفسه كان كبيرهم في هذا.
لقد عاشت الأرجنتين سنوات طويلة وهي تبحث عن مطاردة المجد ومحاولة معرفة العالم لكرتها وتخوض كل مباراة وكأنها معركة على مكانتها في التاريخ حتى أصبح هذا الشعور جزءا من هويتها لا مجرد مرحلة عابرة من تاريخها.
وهنا يمكن فهم جانب من شخصية الأرجنتين الكروية فهي أقرب إلى أتلتيكو مدريد وإيفرتون وتورينو منها إلى أندية الهيمنة التقليدية .. ليس لقلة ألقابها بل لأنها نشأت دائما بجوار قوة أكبر حضورا.
كانت تنظر إلى جارها كما ينظر هؤلاء إلى جيرانهم الكبار ..حينما صنعت مجدا عالميا وجدت مجدا عالميا أكبر بكثير يسبقها وكلما أنجبت نجما وجدت على الجانب الآخر جيلا كاملا من النجوم يعرفهم عن ظهر قلب أصغر متابع لهذه اللعبة.
وفي زمن تنقل فيه الشاشات لقطات كل شيء لم تعد هذه الطباع قابلة للإخفاء بل أصبحت أوضح من أي وقت مضى .. حتى يوم أن كانوا أبطالا للعالم فإن سنوات المطاردة الطويلة علمتهم كيف يقاتلون من أجل المجد أكثر مما علمتهم كيف يعيشون معه.
لأن بعض الطباع لا تغادر أصحابها بسهولة ولهذا لا أظن أن نفور بعض المتابعين من الأرجنتين سببه أنها انتصرت فالتاريخ أحب منتخبات أكثر انتصارا منها وأكثر هيمنة منها .. السبب أن الأرجنتين بعد وصولها إلى القمة ظلت تتصرف أحيانا بروح الفريق الذي ما زال يقاتل من أجل الاعتراف .. لا يعرف كيف يحتفل ولا يعرف كيف يتقبل الخسارة ولا يعرف كيف يعيش المجد بهدوء وثقة.
هل هذه هي عقدة النقص التي يتحدثون عنها أو ربما شيء من هذا المعنى ؟
لهذا تشكلت الشخصية الرياضية الأرجنتينية طوال هذه العقود .. تشكلت على المنافسة أكثر من السيطرة وعلى المطاردة أكثر من الهيمنة .. وحين وصلت أخيرا إلى القمة لم تتغير طباعها فالذي يقضي عمره كله وهو يصعد إلى القمة لا يتقن بالضرورة الحياة فوقها !