لم أكن أعلم أن الإنسان قد يفقد أباه مرتين، حتى رحل عمي بندر.
كان عمي أبًا آخر لي، وبقيةً من أبي أجد فيها حنانه وأمانه. وكان شديد المحبة لأبي، وفيًّا له حتى بعد رحيله، وها هو اليوم يلحق بأخيه، ويتركني أعيش وجع فقد أبي من جديد.
برحيلك يا أبا مهند، لم أفقد عمًا فحسب، بل فقدت أبًا كنت أستند إليه بعد أبي، وعزاءً كان يخفف عن قلبي مرارة غيابه.
رحمكما الله يا أغلى من فقدت، وجمعكما في جنات النعيم، وجمعني بكما في دارٍ لا فراق فيها.
حين نحكم على إنسان من تصرّفٍ واحد، فنحن نقرأ السطر الأخير من حكاية لم نعرف بدايتها.
فهم الدوافع لا يعني تبرير الأخطاء، لكنه يمنحنا قدرةً على رؤية الإنسان بما هو أعمق من سلوكه العابر.
فالوعي ليس في سرعة الحكم، بل في اتساع الفهم.
في السابع عشر من أكتوبر، قبل أعوام، كان اسمي خبرًا في الصحيفة، وكانت فرحة والدي هي الحكاية التي تختبئ خلف السطور.
لم يكن ذلك الخبر مجرد إعلانٍ عن ميلاد طفل، بل كان أثرًا من محبّة أبٍ أراد أن يتّسع العالم لفرحته بقدوم ابنه.
واليوم، في أول ميلادٍ يمرّ بعد رحيله، أعود إلى الصفحة ذاتها، لكنني أقرؤها بعينٍ أخرى؛ فما كان يومًا خبرًا عن بداية حياتي، أصبح اليوم شاهدًا على أجمل من كان فيها.
مضت الأعوام، وبقيت تلك الصفحة تحفظ لي شيئًا من قلبه، وتعلّمني أن بعض الأخبار لا تنتهي بانتهاء يومها، بل تزداد قيمتها كلما ابتعدنا عن زمنها، وأن أعظم ما نرثه ممن نحب ليس ما تركوه لنا، بل ما تركوه فينا.
رحمك الله، يا من كنتَ أجمل ما في العمر، وما زلتَ أعظم ما ينقصه.
في الفقد، قد يفهم العقل الحقيقة سريعًا، بينما تحتاج النفس وقتًا أطول لتقبّلها، وتبقى الذاكرة تتعامل مع من رحل كما لو أنه ما زال في مكانه.
تفكر أن تلجأ إليه، ثم تصطدم بالحقيقة المؤلمة: هو نفسه الغائب الذي يؤلمك غيابه.تسمع اسمه متبوعًا بـ«الله يرحمه»؛ فتستغرب كيف صار هذا الدعاء يلازم اسمًا اعتدت أن تسمعه وحده.
وهكذا لا يقع الفقد في لحظة واحدة.
يقع أول مرة حين تسمع الخبر، ثم يتكرر في كل تفصيل كانت له فيه حياة؛ في مكانه، ورقمه، وعاداته، والأخبار التي كنت ستخبره بها، وفي تلك الثواني التي تنسى فيها أنه رحل… ثم تتذكر.
العقل يعرف، والنفس تقاوم، والذاكرة تستمر في استحضاره كما كان.
ومع الوقت، لا تتجاوز الفقد بقدر ما نتعلّم كيف نتعايش معه؛ حتى يصبح الغياب حقيقةً يعرفها القلب.
وفي هذا التدرّج من رحمة الله وحكمته ما يخفى علينا؛ فلو استوعب الإنسان منذ اللحظة الأولى معنى الرحيل بكل تفاصيله، وثقل الأيام التي ستأتي من دونه، لاجتمع على قلبه من الوجع ما يصعب احتماله.
الله بلطفه يجعلنا نستوعب الفقد على قدرٍ يحتمله القلب…
في هذه الليلة المباركة اكثروا من تاج الذكر .
(لا الآه الا لله له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير)
جعلنا الله واياكم ممن يدركه لسنوات مديدة على احسن حال.
#ليلة_القدر#رمضان#الحرم#العشر_الاواخر#ليله_٢٧
انتهت آخر أيام العزاء، وانفضّ الجمع، وبقينا نحن ووجع الفقد، نودّع من أحببناه ولا نملك من أمر غيابه شيئًا.
لن ننساك، وكيف يُنسى من كان أبًا في حنانه، وأخًا في قربه، وعمًّا في مكانته، وصديقًا في صحبته، ومعلّمًا في علمه؟ لقد رحلت عنا، لكنك تركت في قلوبنا من نفسك ما لا يرحل، ومن محبتك ما لا يموت.
انتهى عزاؤك بين الناس، أما عزاؤك في قلوبنا فباقٍ ما بقينا.
اللهم إنّا قد افتقدناه في الدنيا، فلا تحرمنا لقاءه في الفردوس الأعلى، واجمعه بمن سبقه من أحبابنا في رحمتك يا أرحم الراحمين.
https://t.co/kT9ZaGmaCX
كتب لنا يومًا: «إذا بَعُد المكان ولم تروني، فهذا خط يدي به اذكروني».
وكأنه كان يعلم أن يومًا سيأتي نبحث فيه عنه، فلا نجد إلا خط يده وأسماءنا التي كتبها بحب.
وها قد رحل حبيبي وصديقي، وترك في قلبي فاجعة فقدٍ لا تسعها الكلمات.
لم تكن يومًا بحاجة إلى أن توصينا بذكراك، فقد كنت لنا الأب والأخ والصديق، ومن كان بهذا القرب من الروح لا تُغيّبه الأيام.
رحمك الله، ليتك تعلم كم أوجعنا رحيلك، وكم منّي رحل برحيلك.
لم أكن أعلم أن الإنسان قد يفقد أباه مرتين، حتى رحل عمي بندر.
كان عمي أبًا آخر لي، وبقيةً من أبي أجد فيها حنانه وأمانه. وكان شديد المحبة لأبي، وفيًّا له حتى بعد رحيله، وها هو اليوم يلحق بأخيه، ويتركني أعيش وجع فقد أبي من جديد.
برحيلك يا أبا مهند، لم أفقد عمًا فحسب، بل فقدت أبًا كنت أستند إليه بعد أبي، وعزاءً كان يخفف عن قلبي مرارة غيابه.
رحمكما الله يا أغلى من فقدت، وجمعكما في جنات النعيم، وجمعني بكما في دارٍ لا فراق فيها.