باحثة |كاتبة| قارئة، مؤسس ورئيس منظمة مجتمع مدني، مهتم بالإعلام التنموي والعمل الإنساني وتمكين المرأة والطفل، وأسعى إلى تعزيز الوعي المجتمعي وصناعة أثر مستدام.
«وأنا امرأةُ أحب شروقَ الشمس، أحب بداية
الأشياء حين تكون نقية، أحب الحياة حين تشرق من جديدٍ، وأحب أن أرى روحي تنعكس في وهج الشمس، حُرة، مفعمة بالأمل، لا تخشى الغد»
Every soul leaves a constellation behind.
الأرشيف النسويّ: عندما استعاد النساء حقّهنّ في التاريخ.
لماذا وصفت الثقافة الأبوية كلام النساء بـ"الثرثرة"، بينما اعتُبر كلام الرجال شهادة تاريخية تستحق التدوين؟ هذا السؤال ليس بلاغيًّا، بل هو مفتاح لفهم كيف كُتب التاريخ، ومن أُقصي عن كتابته، ولماذا يشكّل "الأرشيف النسويّ" اليوم فعل مقاومة لا مجرد مشروع توثيقي.
احتكار الكتابة: كيف تشكّلت الذاكرة الرسمية
منذ أن استقرّت الكتابة أداةً للسلطة لا مجرد وسيلة للتدوين، احتكر الرجال حق تسجيل الوقائع وتفسيرها. هذا الاحتكار لم يكن محايدًا؛ فهو أدّى إلى إحكام السيطرة على الوجود اللغوي والثقافي، وبالتالي على التاريخ نفسه. من يملك القلم يملك الرواية، ومن يملك الرواية يقرر من يُذكر ومن يُمحى.
في هذا السياق، وُصم كلام النساء باللغو والثرثرة، لا لخلل فيه، بل لأنّ أيّة محاولة من المرأة للتعبير عن ذاتها كانت تُقرأ كتهديد للنظام القائم. فتنهين النساء عن المطالبة بحقوقهنّ لم يكن كافيًا وحده؛ كان لا بد أيضًا من تجريد كلامهنّ من قيمته كمصدر معرفي.
الاستبعاد الممنهج من الذاكرة النضالية
حين أُرشفت الروايات المسجَّلة والمدوَّنة لحركات المقاومة العربية ضد الاستعمار، غُيّبت أدوار النساء بشكل ممنهج. لم يُبحث في حضورهنّ، ولم تُجمع شهاداتهنّ ضمن الذاكرة النضالية، رغم أنّ كثيرات منهنّ شاركن فعليًّا في تلك الحركات. هذا الاستبعاد لم يكن عرضيًّا أو ناتجًا عن نقص في المصادر، بل كان اختيارًا سياسيًّا وثقافيًّا هدف إلى عزل النساء عن أدوارهنّ التاريخية، والتحكّم بإعادة كتابة تلك الأدوار وفق ما يخدم السردية المهيمنة.
المقاومة عبر التوثيق: نسويات يستعدن الرواية
في مواجهة هذا الإقصاء، سعت نسويات عربيات إلى تجميع التاريخ الشفوي وتسجيله وحفظه ضمن أرشيف نسائي، كفعل مقاومة صريح للسلطة الأبوية المهيمنة. لم يكن الهدف توثيقًا عابرًا، بل تحويل النساء من موضوعات تُروى عنها القصص إلى فاعلات يكتبن رواياتهنّ بأنفسهنّ، ويشاركن في صياغة السرد التاريخي بدل أن يكنّ هامشًا فيه.
هذا التحوّل جوهري: فالفرق بين أن تُروى عنك القصة وأن تروي أنت قصتك هو فرق بين الخضوع للتاريخ والمشاركة في صناعته.
ما وراء التوثيق: تفكيك الحدود بين العام والخاص
الأرشيف النسويّ لا يقتصر على توثيق إبداعات النساء وإنجازاتهنّ فحسب، بل يسعى إلى إيصال أصواتهنّ وأفكارهنّ وتجاربهنّ، أيًّا كانت خلفياتهنّ الاجتماعية والثقافية. وهنا يكمن بعده الأعمق: إنه يفكك التعارض الزائف بين "العام" و"الخاص"، ذلك التعارض الذي ما زال يتعامل مع قضايا النساء باعتبارها شأنًا خاصًّا لا يستحق مكانًا في الفضاء العام أو في السجل التاريخي الجمعي.
خاتمة: من الهامش إلى المتن
حين تُستعاد الذاكرة الشفوية للنساء وتُدوَّن، فإن ما يحدث ليس مجرد إضافة أصوات غائبة إلى أرشيف موجود، بل إعادة صياغة لمفهوم التاريخ ذاته: من هو صاحب الحق في الشهادة؟ ومن يُعتبر فاعلًا تاريخيًّا؟ الأرشيف النسويّ يجيب بوضوح: كل من عاش الحدث يملك حق روايته، وكل صمت مفروض هو خسارة لجزء من الحقيقة.
Violence against women and girls is a human rights violation. It is pervasive, but not inevitable.
We can all help break the cycle by speaking out, supporting survivors, and protecting women and girls everywhere.
📸: @UN_Women
نساءٌ يُرْمَمْنَ بأيديهنّ: غزة حين تتحوّل الأمومة إلى مؤسسة إعالة كاملة
في غزة، لم تعد "ربة المنزل" وصفًا يكتفي بحدود البيت. تحوّلت الكلمة، تحت وطأة عامين من الحرب، إلى مسمّى وظيفي مرهق: معيلة وحيدة، طبيبة طوارئ منزلية، وباحثة يومية عن سقفٍ وخبز. أرقام هيئة الأمم المتحدة للمرأة لا تترك مجالًا للمواربة: أكثر من 86 ألف أسرة في القطاع تُعيلها نساء اليوم رقم لا يصف حالات فردية، بل يرسم بنية اجتماعية جديدة فرضتها الحرب بالقوة.
حين يُصبح الغياب قاعدة
النساء لا يعُلن أسرًا لأنهنّ اخترن ذلك، بل لأن الحرب أفرغت البيوت من الرجال: بالقتل، بالإصابة، بالاعتقال، أو بالتشتت القسري بين مناطق النزوح. والنتيجة أن العبء الذي كان يُوزَّع تقليديًا بين طرفين، صار يقع كاملًا على كاهل طرف واحد، في ظروفٍ هي الأقسى إنسانيًا منذ عقود.
الأرقام التفصيلية تكشف عمق الأزمة داخل هذه الفئة تحديدًا:
7 من كل 10 أسرٍ تعيلها نساء تفتقر إلى مأوى مناسب أي أن الحرمان من السكن ليس استثناءً بل هو القاعدة الغالبة.
75% من هذه الأسر أبلغت عن أضرار مباشرة لحقت بمساكنها، ما يعني أن النزوح لم يكن اختيارًا بل نتيجة حتمية لدمار فعلي.
8 مرات هو المعدّل الذي أُجبرت فيه هذه العائلات على النزوح منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023 رقم يكشف أن "الأمان المؤقت" في غزة لم يتجاوز يومًا حالة الوهم.
الثمن الذي لا تُخفّفه التصريحات
اللافت أن هذا الاستنزاف لم يتوقف مع الحديث عن "وقف إطلاق نار". فبين تشرين الأول/أكتوبر 2026 وتموز/يوليو 2026، استُشهدت 246 امرأة وفتاة بغارات إسرائيلية، رغم وقف إطلاق النار المزعوم. هذه المفارقة بين الإعلان الرسمي عن الهدوء واستمرار سقوط الضحايا من النساء تحديدًا تطرح سؤالًا لا يمكن تجاوزه: من يُحاسب حين يتحوّل "الاتفاق" إلى غطاء لاستمرار الاستهداف بدل إيقافه؟
المرأة كبنية تحتية بديلة
ما تكشفه هذه الأرقام مجتمعة ليس مأساة إنسانية عابرة، بل إعادة تشكيل قسري لوظيفة المرأة في المجتمع الغزي. فحين تنهار مؤسسات الدولة والخدمات، تتحول المرأة نفسها إلى "بنية تحتية بديلة": هي التي تؤمّن الغذاء، وتبحث عن الدواء، وتحمي الأطفال في العراء، وتتخذ قرار النزوح للمرة الثامنة دون سند أو شريك.
هذا النمط ليس حكرًا على غزة وحدها. تقارير منظمات مثل "أنقذوا الطفولة" تُظهر أن ما يقارب طفلًا من كل خمسة في المناطق الريفية حول العالم يعيش في فقر وهو ما يعني أن الحلقة الأضعف في أي أزمة، نزاعًا كانت أو فقرًا بنيويًا، تبقى واحدة: النساء والأطفال، حين تنسحب الدولة وتغيب شبكات الحماية.
غياب المساءلة: الفجوة الأخطر
المشكلة الأعمق لا تكمن في الأرقام وحدها، بل في الفجوة بين التوثيق والمحاسبة. من يوثّق هذه الانتهاكات بدقة؟ وأين تذهب هذه التقارير بعد صدورها؟ الأمم المتحدة تُصدر الإحصاء، لكن آليات الإنفاذ الدولي تبقى غائبة أو مشلولة سياسيًا. وبين الإصدار والتطبيق، تستمر الأسر التي تعيلها نساء في العيش تحت خط الكرامة الأدنى لا مأوى، لا أمان، ولا حتى ضمانة بأن "وقف إطلاق النار" يعني فعلًا وقف القتل.
خاتمة: الأمومة حين تصير مقاومة
ما تفعله هذه النساء يوميًا إعالة أسرة، والبحث عن سقف للمرة الثامنة، ومواجهة الفقد دون أن تتوقف الحياة هو، في جوهره، فعل مقاومة صامت لا يُدرَج غالبًا في عناوين الأخبار. توثيق هذا الواقع ليس ترفًا صحفيًا، بل واجب لإعادة الاعتبار لفئة تحمل عبء الحرب مرتين: مرة كضحية، ومرة كمن يتكفّل وحده بترميم ما تبقى.
@UN@UNOCHA@UNHumanRights@UNarabic
نساءٌ يُرْمَمْنَ بأيديهنّ: غزة حين تتحوّل الأمومة إلى مؤسسة إعالة كاملة
في غزة، لم تعد "ربة المنزل" وصفًا يكتفي بحدود البيت. تحوّلت الكلمة، تحت وطأة عامين من الحرب، إلى مسمّى وظيفي مرهق: معيلة وحيدة، طبيبة طوارئ منزلية، وباحثة يومية عن سقفٍ وخبز. أرقام هيئة الأمم المتحدة للمرأة لا تترك مجالًا للمواربة: أكثر من 86 ألف أسرة في القطاع تُعيلها نساء اليوم رقم لا يصف حالات فردية، بل يرسم بنية اجتماعية جديدة فرضتها الحرب بالقوة.
حين يُصبح الغياب قاعدة
النساء لا يعُلن أسرًا لأنهنّ اخترن ذلك، بل لأن الحرب أفرغت البيوت من الرجال: بالقتل، بالإصابة، بالاعتقال، أو بالتشتت القسري بين مناطق النزوح. والنتيجة أن العبء الذي كان يُوزَّع تقليديًا بين طرفين، صار يقع كاملًا على كاهل طرف واحد، في ظروفٍ هي الأقسى إنسانيًا منذ عقود.
الأرقام التفصيلية تكشف عمق الأزمة داخل هذه الفئة تحديدًا:
7 من كل 10 أسرٍ تعيلها نساء تفتقر إلى مأوى مناسب أي أن الحرمان من السكن ليس استثناءً بل هو القاعدة الغالبة.
75% من هذه الأسر أبلغت عن أضرار مباشرة لحقت بمساكنها، ما يعني أن النزوح لم يكن اختيارًا بل نتيجة حتمية لدمار فعلي.
8 مرات هو المعدّل الذي أُجبرت فيه هذه العائلات على النزوح منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023 رقم يكشف أن "الأمان المؤقت" في غزة لم يتجاوز يومًا حالة الوهم.
الثمن الذي لا تُخفّفه التصريحات
اللافت أن هذا الاستنزاف لم يتوقف مع الحديث عن "وقف إطلاق نار". فبين تشرين الأول/أكتوبر 2026 وتموز/يوليو 2026، استُشهدت 246 امرأة وفتاة بغارات إسرائيلية، رغم وقف إطلاق النار المزعوم. هذه المفارقة بين الإعلان الرسمي عن الهدوء واستمرار سقوط الضحايا من النساء تحديدًا تطرح سؤالًا لا يمكن تجاوزه: من يُحاسب حين يتحوّل "الاتفاق" إلى غطاء لاستمرار الاستهداف بدل إيقافه؟
المرأة كبنية تحتية بديلة
ما تكشفه هذه الأرقام مجتمعة ليس مأساة إنسانية عابرة، بل إعادة تشكيل قسري لوظيفة المرأة في المجتمع الغزي. فحين تنهار مؤسسات الدولة والخدمات، تتحول المرأة نفسها إلى "بنية تحتية بديلة": هي التي تؤمّن الغذاء، وتبحث عن الدواء، وتحمي الأطفال في العراء، وتتخذ قرار النزوح للمرة الثامنة دون سند أو شريك.
هذا النمط ليس حكرًا على غزة وحدها. تقارير منظمات مثل "أنقذوا الطفولة" تُظهر أن ما يقارب طفلًا من كل خمسة في المناطق الريفية حول العالم يعيش في فقر وهو ما يعني أن الحلقة الأضعف في أي أزمة، نزاعًا كانت أو فقرًا بنيويًا، تبقى واحدة: النساء والأطفال، حين تنسحب الدولة وتغيب شبكات الحماية.
غياب المساءلة: الفجوة الأخطر
المشكلة الأعمق لا تكمن في الأرقام وحدها، بل في الفجوة بين التوثيق والمحاسبة. من يوثّق هذه الانتهاكات بدقة؟ وأين تذهب هذه التقارير بعد صدورها؟ الأمم المتحدة تُصدر الإحصاء، لكن آليات الإنفاذ الدولي تبقى غائبة أو مشلولة سياسيًا. وبين الإصدار والتطبيق، تستمر الأسر التي تعيلها نساء في العيش تحت خط الكرامة الأدنى لا مأوى، لا أمان، ولا حتى ضمانة بأن "وقف إطلاق النار" يعني فعلًا وقف القتل.
خاتمة: الأمومة حين تصير مقاومة
ما تفعله هذه النساء يوميًا إعالة أسرة، والبحث عن سقف للمرة الثامنة، ومواجهة الفقد دون أن تتوقف الحياة هو، في جوهره، فعل مقاومة صامت لا يُدرَج غالبًا في عناوين الأخبار. توثيق هذا الواقع ليس ترفًا صحفيًا، بل واجب لإعادة الاعتبار لفئة تحمل عبء الحرب مرتين: مرة كضحية، ومرة كمن يتكفّل وحده بترميم ما تبقى.
@UN@UNOCHA@UNHumanRights@UNarabic
"الصومال: 1.9 مليون طفل على حافة المجاعة، والمساعدات في تراجع
لا تسقط المجاعات فجأة. هي تتسلل، مرفقاً تلو مرفق، ورقة موازنة تلو أخرى، حتى تجد نفسك أمام رقم لا يُصدَّق: 1.9 مليون طفل صومالي يقفون اليوم داخل دائرة الخطر..
@UNEP@UN@UN_Women
https://t.co/yPCtcATZ5U
سؤال لا يريد أحد طرحه: من يستفيد من استمرار الحرب؟
ثمة خيط يربط هذه المحطات كلها: النظام العالمي، كما تكشف هذه الوقائع، لا يبدو أنه يحتاج إلى إنهاء الإرهاب بقدر ما يحتاج إلى وجوده. "العدو الدائم" ليس عارضاً جانبياً لهذه المنظومة؛ إنه شرط استمرارها. فهو يمنح شرعية للسيطرة، ومبرراً لاستخدام العنف، وذريعة متجددة لتوسيع أدوات المراقبة والقانون الاستثنائي. ولو لم يكن هذا العدو موجوداً بالفعالية التي يُصوَّر بها، لأعادت البنية نفسها إنتاجه لأن بقاءها، لا انتصارها عليه، هو ما يضمن استمرارها.
هذا لا يعني إنكار وجود تنظيمات إرهابية حقيقية ارتكبت جرائم حقيقية، ولا يعني تبرئة أي طرف من مسؤوليته عن عنف مارسه فعلاً. لكنه يعني أن نسأل: لماذا تحوّلت الاستجابة لهذا العنف، مع مرور عقدين، من إجراءات استثنائية مؤقتة إلى بنية قانونية وأمنية وثقافية دائمة؟ ولماذا صار الشك، لا الدليل، هو الأساس الذي تُبنى عليه المراقبة والاعتقال وصناعة الصورة معاً؟
الإجابة، كما تقترحها هذه الوقائع مجتمعة، ليست في طبيعة "الإرهاب" نفسه، بل في طبيعة الأنظمة التي تجد في محاربته مبرراً لسلطتها. فحين يصبح العدو ضرورة بنيوية، تتوقف الحرب عليه عن أن تكون وسيلة لإنهائه، وتتحول إلى غاية بذاتها.
العدوّ الذي لا ينبغي أن ينتهي: كيف صُنعت
"الحرب على الإرهاب" لتدوم
في الحادي عشر من سبتمبر 2001، لم تنهر برجا التجارة العالمي وحدهما. انهار معهما خط فاصل كان يقف، ولو نظرياً، بين "الاستثناء" و"القاعدة" في السياسة الدولية. فبعد أيام معدودة من الهجمات، أصدر الكونغرس الأمريكي تفويضاً باستخدام القوة العسكرية وثيقة من فقرة واحدة تقريباً ليتحول بعد ذلك إلى غطاء قانوني استُخدم لتبرير غارات وعمليات قتال واحتجاز ودعم عسكري في اثنتين وعشرين دولة، من أفغانستان والعراق إلى ليبيا واليمن والصومال والفلبين. عقدان ونيّف من الزمن، وما تزال هذه الورقة سارية المفعول.
هذا ليس تاريخاً منتهياً. إنه بنية ما تزال تعمل.
الحرب التي بُنيت على تهمة لم تثبت
عام 2003، قدّمت الولايات المتحدة للعالم مبرراً لغزو العراق: ارتباط مزعوم بـ"الإرهاب"، وامتلاك مزعوم لأسلحة دمار شامل. الادعاءان معاً تبخّرا لاحقاً أمام التحقيق: لم يثبت أي رابط بين العراق وهجمات الحادي عشر من سبتمبر، ولم يُعثر على مخزونات الأسلحة التي بُنيت عليها كل الحملة الدبلوماسية والعسكرية. لكن الحرب وقعت، والاحتلال تمّ، والبلد الذي حُمّل تهمة لم يثبتها أحد ظلّ يدفع كلفتها لعقدين لاحقين.
هذا النمط التبرير أولاً، والتحقق لاحقاً إن حدث أصلاً سيتكرر بأشكال مختلفة في كل محطة من محطات هذه الحرب.
الاعتقال حين يستغني عن المحاكمة
في غوانتانامو، احتُجز نحو 780 رجلاً وصبياً مسلماً، لا بتهم جنائية موثقة بل بوصفهم "مشتبهاً بهم" أو "مقاتلين أعداء" — وهي عبارة صيغت خصيصاً لتُخرج الأفراد من مظلة القانون الجنائي العادي وضماناته. غالبية هؤلاء لم توجّه إليهم تهم من الأساس. الاعتقال هنا لم يكن إجراءً تمهيدياً لمحاكمة، بل كان الغاية بذاته: عزل الجسد عن القانون الذي كان يفترض أن يحميه.
حين تصبح المراقبة معياراً لا استثناءً
وثائق إدوارد سنودن عام 2013 كشفت أن وكالة الأمن القومي الأمريكية لم تكتفِ بجمع سجلات المكالمات وبيانات الاتصالات داخل الولايات المتحدة، بل امتد نطاق مراقبتها إلى دول مثل الأردن ومصر وباكستان. المراقبة شملت المكالمات والبريد الإلكتروني وحركة الإنترنت، وطالت أشخاصاً لم توجّه إليهم أي تهمة. لم تعد المراقبة أداة استثنائية تُستخدم عند الاشتباه؛ أصبحت هي القاعدة، والبراءة لم تعد تكفي لإعفاء أحد منها.
الصورة التي صُنعت قبل أن تُروى الحقيقة
في موازاة الأدوات القانونية والأمنية، اشتغلت آلة أخرى بصمت أشد فتكاً: صناعة الصورة. في عشرات الأفلام والمسلسلات الغربية، تكرّر ظهور الرجل المسلم بوصفه متطرفاً أو مشتبهاً به، فيما ظلت المرأة المسلمة ضحية صامتة، والمدينة العربية مجرد ساحة حرب بلا سكان لهم أسماء أو حيوات. وغالباً ما تمحورت القصة حول الجندي أو ضابط الاستخبارات الغربي الذي "يراقب الخطر ويواجهه" بطلاً وحيداً في مواجهة تهديد جماعي مجرّد من الوجه والسياق.
هذه الصورة لم تبق حبيسة الشاشة. إنها غذّت خطاباً سياسياً وإعلامياً متكرراً عن "الإرهاب الإسلامي"، خطاباً ترجم نفسه إلى شعور متصاعد بالتهديد لدى شرائح واسعة من الناخبين في أوروبا وأمريكا، وهو الشعور نفسه الذي استثمرته أحزاب يمينية متطرفة فحقّقت مكاسب انتخابية لافتة خلال العقدين الماضيين.
من الشاشة إلى الشارع
الأثر لم يبق رمزياً. جرائم الكراهية ضد المسلمين في الولايات المتحدة ارتفعت من 28 حادثة عام 2000 إلى 481 حادثة عام 2001 قفزة بأكثر من سبعة عشر ضعفاً في عام واحد. وفي الوقت ذاته، راقبت الشرطة المساجد وجمعيات الطلبة المسلمين بشكل جماعي، لا بناءً على أدلة أو شبهات فردية، بل بافتراض جماعي مسبق. الشبهة هنا لم تعد فردية تُبنى على فعل؛ صارت جماعية تُبنى على هوية.
حين يتّسع تعريف "الإرهاب" ليشمل المعارضة
في الداخل، استُخدمت قوانين الطوارئ الأمنية التي بررتها ذريعة "مكافحة الإرهاب" لمنح الأجهزة الأمنية صلاحيات إضافية للاعتقال والمراقبة. لكن هذه الصلاحيات لم تنحصر في مواجهة جماعات مسلحة؛ امتد تطبيقها إلى معارضين سياسيين وصحفيين وناشطين أي إلى الفعل السلمي والمعارضة المشروعة، لا إلى التهديد المسلح الذي بُررت به أصلاً. حين يتّسع تعريف العدو، يتّسع معه نطاق من يمكن استهدافه باسم مواجهته.
العدوّ الذي لا ينبغي أن ينتهي: كيف صُنعت
"الحرب على الإرهاب" لتدوم
في الحادي عشر من سبتمبر 2001، لم تنهر برجا التجارة العالمي وحدهما. انهار معهما خط فاصل كان يقف، ولو نظرياً، بين "الاستثناء" و"القاعدة" في السياسة الدولية. فبعد أيام معدودة من الهجمات، أصدر الكونغرس الأمريكي تفويضاً باستخدام القوة العسكرية وثيقة من فقرة واحدة تقريباً ليتحول بعد ذلك إلى غطاء قانوني استُخدم لتبرير غارات وعمليات قتال واحتجاز ودعم عسكري في اثنتين وعشرين دولة، من أفغانستان والعراق إلى ليبيا واليمن والصومال والفلبين. عقدان ونيّف من الزمن، وما تزال هذه الورقة سارية المفعول.
هذا ليس تاريخاً منتهياً. إنه بنية ما تزال تعمل.
الحرب التي بُنيت على تهمة لم تثبت
عام 2003، قدّمت الولايات المتحدة للعالم مبرراً لغزو العراق: ارتباط مزعوم بـ"الإرهاب"، وامتلاك مزعوم لأسلحة دمار شامل. الادعاءان معاً تبخّرا لاحقاً أمام التحقيق: لم يثبت أي رابط بين العراق وهجمات الحادي عشر من سبتمبر، ولم يُعثر على مخزونات الأسلحة التي بُنيت عليها كل الحملة الدبلوماسية والعسكرية. لكن الحرب وقعت، والاحتلال تمّ، والبلد الذي حُمّل تهمة لم يثبتها أحد ظلّ يدفع كلفتها لعقدين لاحقين.
هذا النمط التبرير أولاً، والتحقق لاحقاً إن حدث أصلاً سيتكرر بأشكال مختلفة في كل محطة من محطات هذه الحرب.
الاعتقال حين يستغني عن المحاكمة
في غوانتانامو، احتُجز نحو 780 رجلاً وصبياً مسلماً، لا بتهم جنائية موثقة بل بوصفهم "مشتبهاً بهم" أو "مقاتلين أعداء" — وهي عبارة صيغت خصيصاً لتُخرج الأفراد من مظلة القانون الجنائي العادي وضماناته. غالبية هؤلاء لم توجّه إليهم تهم من الأساس. الاعتقال هنا لم يكن إجراءً تمهيدياً لمحاكمة، بل كان الغاية بذاته: عزل الجسد عن القانون الذي كان يفترض أن يحميه.
حين تصبح المراقبة معياراً لا استثناءً
وثائق إدوارد سنودن عام 2013 كشفت أن وكالة الأمن القومي الأمريكية لم تكتفِ بجمع سجلات المكالمات وبيانات الاتصالات داخل الولايات المتحدة، بل امتد نطاق مراقبتها إلى دول مثل الأردن ومصر وباكستان. المراقبة شملت المكالمات والبريد الإلكتروني وحركة الإنترنت، وطالت أشخاصاً لم توجّه إليهم أي تهمة. لم تعد المراقبة أداة استثنائية تُستخدم عند الاشتباه؛ أصبحت هي القاعدة، والبراءة لم تعد تكفي لإعفاء أحد منها.
الصورة التي صُنعت قبل أن تُروى الحقيقة
في موازاة الأدوات القانونية والأمنية، اشتغلت آلة أخرى بصمت أشد فتكاً: صناعة الصورة. في عشرات الأفلام والمسلسلات الغربية، تكرّر ظهور الرجل المسلم بوصفه متطرفاً أو مشتبهاً به، فيما ظلت المرأة المسلمة ضحية صامتة، والمدينة العربية مجرد ساحة حرب بلا سكان لهم أسماء أو حيوات. وغالباً ما تمحورت القصة حول الجندي أو ضابط الاستخبارات الغربي الذي "يراقب الخطر ويواجهه" بطلاً وحيداً في مواجهة تهديد جماعي مجرّد من الوجه والسياق.
هذه الصورة لم تبق حبيسة الشاشة. إنها غذّت خطاباً سياسياً وإعلامياً متكرراً عن "الإرهاب الإسلامي"، خطاباً ترجم نفسه إلى شعور متصاعد بالتهديد لدى شرائح واسعة من الناخبين في أوروبا وأمريكا، وهو الشعور نفسه الذي استثمرته أحزاب يمينية متطرفة فحقّقت مكاسب انتخابية لافتة خلال العقدين الماضيين.
من الشاشة إلى الشارع
الأثر لم يبق رمزياً. جرائم الكراهية ضد المسلمين في الولايات المتحدة ارتفعت من 28 حادثة عام 2000 إلى 481 حادثة عام 2001 قفزة بأكثر من سبعة عشر ضعفاً في عام واحد. وفي الوقت ذاته، راقبت الشرطة المساجد وجمعيات الطلبة المسلمين بشكل جماعي، لا بناءً على أدلة أو شبهات فردية، بل بافتراض جماعي مسبق. الشبهة هنا لم تعد فردية تُبنى على فعل؛ صارت جماعية تُبنى على هوية.
حين يتّسع تعريف "الإرهاب" ليشمل المعارضة
في الداخل، استُخدمت قوانين الطوارئ الأمنية التي بررتها ذريعة "مكافحة الإرهاب" لمنح الأجهزة الأمنية صلاحيات إضافية للاعتقال والمراقبة. لكن هذه الصلاحيات لم تنحصر في مواجهة جماعات مسلحة؛ امتد تطبيقها إلى معارضين سياسيين وصحفيين وناشطين أي إلى الفعل السلمي والمعارضة المشروعة، لا إلى التهديد المسلح الذي بُررت به أصلاً. حين يتّسع تعريف العدو، يتّسع معه نطاق من يمكن استهدافه باسم مواجهته.
Children in armed conflict are abducted by armed groups, maimed, raped or even killed.
We must hold perpetrators accountable and ensure justice for every child.
#EndHumanTrafficking@UNODC@UN
«وأنا امرأةُ أحب شروقَ الشمس، أحب بداية
الأشياء حين تكون نقية، أحب الحياة حين تشرق من جديدٍ، وأحب أن أرى روحي تنعكس في وهج الشمس، حُرة، مفعمة بالأمل، لا تخشى الغد»
Every soul leaves a constellation behind.
حين تتحوّل المرأة إلى سلاح:كيف يُستخدم الأطفال والزوجات في حروب لا تخصّهم.
المقدمة:الكائن الذي يرتدي قناع الحب
ثمة نوع من العنف لا يترك كدمات،ولا يُدرَج في تقارير الطب الشرعي،لكنه يفتك بالروح أعمق مما تفتك اليد.هو أن تتحول المرأة
زوجةً كانت أم أمًّا أم ابنة،إلى أداة في يد رجل يديرها كما يدير سلاحًا:يشهرها حين يريد الانتقام،ويخفيها حين تنتهي الحاجة إليها.وأخطر ما في هذا النمط أنه يُقدَّم غالبًا بلغة الحماية والحرص،فيما هو في جوهره استلاب كامل لإرادتها وتوظيف قسري لجسدها وأمومتها وحضورها الاجتماعي في معركة ليست معركتها
هذا التحقيق يحاول أن يفكك آلية هذا التوظيف،من الخطاب الأسري اليومي إلى قاعات المحاكم،مستندًا إلى شهادات ميدانية وأدبيات علم النفس الأسري وخبرة العمل الحقوقي مع النساء والأطفال.
أولًا:الطفل كرهينة،لا كضحية عرضية
في كثير من نزاعات الطلاق والانفصال، لا يكون الطفل طرفًا ثالثًا يُراد حمايته،بل ورقة ضغط تُستخدم بعناية. الامتناع عن دفع النفقة "حتى تتنازل"منع الرؤية "حتى تعتذر" أو على النقيض،إغراق الطفل بالهدايا لتحويله إلى شاهد ضد أمه كل هذه ممارسات موثّقة في أدبيات ما يُعرف بـ"التنافر الأبوي"(Parental Alienation) حيث يتحول الطفل من إنسان له حق في أبويه معًا إلى سلاح موجه.
المفارقة أن الخطاب المستخدم في هذه الحالات يكون دائمًا خطاب "مصلحة الطفل"،بينما الطفل نفسه يُستهلك نفسيًا كوسيط اتصال قسري بين طرفين متحاربين.الأثر النفسي على هذا الطفل بحسب دراسات متعددة في علم نفس الطفولة لا يقل خطورة عن أثر العنف المباشر:شعور مزمن بالذنب، وانقسام في الولاء،واضطراب في بناء الثقة لاحقًا.
ثانيًا:المرأة كأداة إثبات لا كذات
النمط الثاني أخفى وأشد التباسًا:أن تُستخدم المرأة نفسها سمعتها،صورتها حتى صمتها كوسيلة لإثبات موقف الرجل أمام المجتمع أو العائلة."زوجتي محجبة وملتزمة" حين يُراد إثبات التدين أمام الناس،ثم القسوة عليها خلف الجدران. "أنا رجل عصري وزوجتي تعمل" حين يُراد استعراض الانفتاح،بينما راتبها يُصادَر بالكامل. هنا لا تُستخدم المرأة كإنسانة لها مشروعها الخاص،بل كـ"دليل إدانة أو براءة" في محاكمة اجتماعية لا علاقة لها بها.
هذا التوظيف يمتد إلى ما هو أخطر: استخدام قصة الزواج نفسها، أو حتى الطلاق كسردية يُعاد تشكيلها أمام الأهل والمجتمع لتبرئة طرف وتجريم آخر، بينما تظل المرأة المعنية غائبة عن صياغة روايتها الخاصة عن حياتها.
ثالثًا: لماذا تصمت النساء أمام هذا التوظيف؟
من واقع العمل الميداني في قضايا حماية المرأة والطفل، تتكرر عوامل الصمت ذاتها:
الخوف من فقدان الحضانة:كثير من النساء يخضعن للابتزاز العاطفي خشية أن يُستخدم رفضهن ذريعة لحرمانهن من أطفالهن.
الضغط الاجتماعي:في بيئات محافظة، تُحمَّل المرأة وزر "تفكك الأسرة" إن رفضت الاستمرار في لعب الدور المفروض عليها.
غياب البدائل الاقتصادية:حين تكون المرأة معتمدة ماليًا،يصبح رفض الاستخدام رفاهية لا تملكها.
إعادة تعريف الحب كتضحية مطلقة: وهو خطاب ثقافي متجذر يجعل قبول الأذى دليل وفاء،لا استسلامًا مؤذيًا.
رابعًا:البعد القانوني ثغرة تُستغل لا تُسدّ
في غياب تشريعات واضحة تجرّم "العنف النفسي غير المباشر" أو "استغلال الطفل كأداة ضغط"،تبقى هذه الممارسات خارج قوس المساءلة القانونية تمامًا. القوانين في أغلب الأنظمة العربية،بما فيها العراق، تتعامل مع النزاع الأسري كخلاف حضانة أو نفقة،لا كنمط ممنهج من التوظيف القسري له آثار نفسية طويلة الأمد على المرأة والطفل معًا.وهذا يعني عمليًا أن الجاني لا يُسأل عن الأذى غير الجسدي،ما دام لم يرفع يده.
خامسًا: الرسالة العكسية حين يُقرأ الصمت كموافقة
هنا يكمن جوهر ما طرحتِه:حين تسمح المرأة، بوعي أو بغير وعي،لأن تُستخدم هي أو أطفالها كسلاح،فإنها لا تحمي نفسها كما تتوهم،بل ترسل رسالة عكسية مفادها أن جسدها وأمومتها وصورتها قابلة للتفاوض عليها من طرف ثالث. هذا القبول، مهما بدا مؤقتًا أو اضطراريًا،يعيد إنتاج شرعية الاستغلال،ويجعل من الأذى التالي أسهل وقوعًا، لأن الحد الأول لم يُرسَم.
المقاومة هنا ليست دائمًا مواجهة صاخبة؛ قد تكون في أبسط صورها:توثيق الوقائع، طلب الاستشارة القانونية مبكرًا، رفض تمرير الرسائل عبر الطفل،والامتناع عن المشاركة في أي سردية تُصاغ دون إذنها عن حياتها الخاصة.
خاتمة:من "الأداة" إلى "الذات"
المرأة التي تُستخدم كسلاح، ثم تسمح لذلك،لا تفعل ذلك جبنًا في الغالب،بل لأن المنظومة كلها الاجتماعية والقانونية والثقافية صُمّمت لتجعل الاستسلام هو الخيار الأقل كلفة في اللحظة. تغيير هذا يبدأ من مكانين: تشريعات تجرّم الاستغلال النفسي والعاطفي بوصفه عنفًا لا يقل خطورة عن الجسدي، ووعي جمعي يعيد للمرأة حقها في أن تكون طرفًا في روايتها، لا أداة في رواية غيرها.
حين تتحوّل المرأة إلى سلاح:كيف يُستخدم الأطفال والزوجات في حروب لا تخصّهم.
المقدمة:الكائن الذي يرتدي قناع الحب
ثمة نوع من العنف لا يترك كدمات،ولا يُدرَج في تقارير الطب الشرعي،لكنه يفتك بالروح أعمق مما تفتك اليد.هو أن تتحول المرأة
زوجةً كانت أم أمًّا أم ابنة،إلى أداة في يد رجل يديرها كما يدير سلاحًا:يشهرها حين يريد الانتقام،ويخفيها حين تنتهي الحاجة إليها.وأخطر ما في هذا النمط أنه يُقدَّم غالبًا بلغة الحماية والحرص،فيما هو في جوهره استلاب كامل لإرادتها وتوظيف قسري لجسدها وأمومتها وحضورها الاجتماعي في معركة ليست معركتها
هذا التحقيق يحاول أن يفكك آلية هذا التوظيف،من الخطاب الأسري اليومي إلى قاعات المحاكم،مستندًا إلى شهادات ميدانية وأدبيات علم النفس الأسري وخبرة العمل الحقوقي مع النساء والأطفال.
أولًا:الطفل كرهينة،لا كضحية عرضية
في كثير من نزاعات الطلاق والانفصال، لا يكون الطفل طرفًا ثالثًا يُراد حمايته،بل ورقة ضغط تُستخدم بعناية. الامتناع عن دفع النفقة "حتى تتنازل"منع الرؤية "حتى تعتذر" أو على النقيض،إغراق الطفل بالهدايا لتحويله إلى شاهد ضد أمه كل هذه ممارسات موثّقة في أدبيات ما يُعرف بـ"التنافر الأبوي"(Parental Alienation) حيث يتحول الطفل من إنسان له حق في أبويه معًا إلى سلاح موجه.
المفارقة أن الخطاب المستخدم في هذه الحالات يكون دائمًا خطاب "مصلحة الطفل"،بينما الطفل نفسه يُستهلك نفسيًا كوسيط اتصال قسري بين طرفين متحاربين.الأثر النفسي على هذا الطفل بحسب دراسات متعددة في علم نفس الطفولة لا يقل خطورة عن أثر العنف المباشر:شعور مزمن بالذنب، وانقسام في الولاء،واضطراب في بناء الثقة لاحقًا.
ثانيًا:المرأة كأداة إثبات لا كذات
النمط الثاني أخفى وأشد التباسًا:أن تُستخدم المرأة نفسها سمعتها،صورتها حتى صمتها كوسيلة لإثبات موقف الرجل أمام المجتمع أو العائلة."زوجتي محجبة وملتزمة" حين يُراد إثبات التدين أمام الناس،ثم القسوة عليها خلف الجدران. "أنا رجل عصري وزوجتي تعمل" حين يُراد استعراض الانفتاح،بينما راتبها يُصادَر بالكامل. هنا لا تُستخدم المرأة كإنسانة لها مشروعها الخاص،بل كـ"دليل إدانة أو براءة" في محاكمة اجتماعية لا علاقة لها بها.
هذا التوظيف يمتد إلى ما هو أخطر: استخدام قصة الزواج نفسها، أو حتى الطلاق كسردية يُعاد تشكيلها أمام الأهل والمجتمع لتبرئة طرف وتجريم آخر، بينما تظل المرأة المعنية غائبة عن صياغة روايتها الخاصة عن حياتها.
ثالثًا: لماذا تصمت النساء أمام هذا التوظيف؟
من واقع العمل الميداني في قضايا حماية المرأة والطفل، تتكرر عوامل الصمت ذاتها:
الخوف من فقدان الحضانة:كثير من النساء يخضعن للابتزاز العاطفي خشية أن يُستخدم رفضهن ذريعة لحرمانهن من أطفالهن.
الضغط الاجتماعي:في بيئات محافظة، تُحمَّل المرأة وزر "تفكك الأسرة" إن رفضت الاستمرار في لعب الدور المفروض عليها.
غياب البدائل الاقتصادية:حين تكون المرأة معتمدة ماليًا،يصبح رفض الاستخدام رفاهية لا تملكها.
إعادة تعريف الحب كتضحية مطلقة: وهو خطاب ثقافي متجذر يجعل قبول الأذى دليل وفاء،لا استسلامًا مؤذيًا.
رابعًا:البعد القانوني ثغرة تُستغل لا تُسدّ
في غياب تشريعات واضحة تجرّم "العنف النفسي غير المباشر" أو "استغلال الطفل كأداة ضغط"،تبقى هذه الممارسات خارج قوس المساءلة القانونية تمامًا. القوانين في أغلب الأنظمة العربية،بما فيها العراق، تتعامل مع النزاع الأسري كخلاف حضانة أو نفقة،لا كنمط ممنهج من التوظيف القسري له آثار نفسية طويلة الأمد على المرأة والطفل معًا.وهذا يعني عمليًا أن الجاني لا يُسأل عن الأذى غير الجسدي،ما دام لم يرفع يده.
خامسًا: الرسالة العكسية حين يُقرأ الصمت كموافقة
هنا يكمن جوهر ما طرحتِه:حين تسمح المرأة، بوعي أو بغير وعي،لأن تُستخدم هي أو أطفالها كسلاح،فإنها لا تحمي نفسها كما تتوهم،بل ترسل رسالة عكسية مفادها أن جسدها وأمومتها وصورتها قابلة للتفاوض عليها من طرف ثالث. هذا القبول، مهما بدا مؤقتًا أو اضطراريًا،يعيد إنتاج شرعية الاستغلال،ويجعل من الأذى التالي أسهل وقوعًا، لأن الحد الأول لم يُرسَم.
المقاومة هنا ليست دائمًا مواجهة صاخبة؛ قد تكون في أبسط صورها:توثيق الوقائع، طلب الاستشارة القانونية مبكرًا، رفض تمرير الرسائل عبر الطفل،والامتناع عن المشاركة في أي سردية تُصاغ دون إذنها عن حياتها الخاصة.
خاتمة:من "الأداة" إلى "الذات"
المرأة التي تُستخدم كسلاح، ثم تسمح لذلك،لا تفعل ذلك جبنًا في الغالب،بل لأن المنظومة كلها الاجتماعية والقانونية والثقافية صُمّمت لتجعل الاستسلام هو الخيار الأقل كلفة في اللحظة. تغيير هذا يبدأ من مكانين: تشريعات تجرّم الاستغلال النفسي والعاطفي بوصفه عنفًا لا يقل خطورة عن الجسدي، ووعي جمعي يعيد للمرأة حقها في أن تكون طرفًا في روايتها، لا أداة في رواية غيرها.