توفى نفس هذا الوقت، يوم سبت، تأخر عن الرجعة للبيت وحافت عليه خالتي واتصلت عليه ما رد، وبعد شوي اتصل عليها أخو زوجها وعلمها إنه توفى. قبل وفاته كان سهران مع إخوانه ولما خلص بيمشي وبيشغل سيارته بيرجع للبيت حس بوهن في بدنه، نادى أخوه وراحوا للمستشفى بسيارة أخوه، ودخل المرحوم للمستشفى برجله، وقالوا له أنت تحتاج طوارئ وبننقلك لمستشفى ثاني بالإسعاف، ومرة أخرى شال المرحوم نفسه للإسعاف ودخلها برجله لأن تعبه بسيط، هو شاب في صحته وعافيته، وفي ثواني توقف قلبه وبس كذا مات. ما فيه شيء حرفيًا… كان يوم الخميس وعد طلابه في المدرسة يأخذهم للحديقة ويغديهم يوم الأحد، ويوم السبت توفى. وكان بيستلم ثيابه من المغسلة وتوفى. استلمهم عنه ولد خالتي. وكان مخطط يرجع بيته وما رجع. وكانت خالتي تنتظره وما رجع. وبس كذا فجأة أختفى وبقت أغراضه موجودة؟ ما أستوعب. كثير على عقلي الجاهل يستوعب هذا كله
أحد إخوتي فوضوي إلى الحد الذي يجعلك تشك أن النظام مجرد نظرية لم تثبت بعد.
وأخي الآخر منظم إلى درجة أنه لو اكتشف أن للنمل حليبا، لأسس جمعية لحمايته، ووضع لها لائحة تنفيذية، وانتخب نفسه رئيسا.
وفي بيت واحد، ولد يوسف وعبدالله.
يوسف يلتهم الكتب كأن بينه وبين الجهل ثأرا قديما، وعبدالله يلتهم الحياة نفسها، بلا مقدمة ولا فهرس ولا حتى قراءة للتعليمات، وأنا بينهما، كدولة صغيرة وقعت جغرافياً بين قوتين عظميين، لا تملك من أمرها إلا إصدار بيانات تدعو إلى ضبط النفس.
يوسف يرى الحياة مشروعا فكريا ضخما، وكل حدث عنده قابل للتأويل والتحليل والتفكيك وإعادة التركيب.. لا يستطيع أن يشرب كوب شاي بهدوء، قبل الرشفة الأولى قد يحدثك عن الاستعمار، والرأسمالية، وتحول الإنسان الحديث إلى مستهلك، ثم يختم بشرح أثر الكافيين في تشكيل الوعي الجمعي.
ولو سألته سؤالا بسيطا.
وين مفتاح السيارة؟
نظر إليك نظرة المفكر الذي خذلته سطحية السؤال، وقال
المشكلة ليست في المفتاح، المشكلة في مفهوم التملك أصلا.
أما عبدالله، فهو يعيش الحياة كما وصلت إليه من المصنع، بلا تعديلات.
لا يعقد الأمور، لأنه في الغالب لا يعرف أصلا أن هناك أمورا تستحق أن تعقد.
قد يضيع هاتفه وهو يتحدث به، ثم يقلب البيت بحثا عنه، فإذا نبهته إلى أنه في يده، ابتسم بثقة رجل توصل لتوه إلى سر من أسرار الكون.
ويقول لك.
الرزق يحب الخفة.
ثم ينام من بعد الظهر إلى العشاء، ويستيقظ متفاجئا من استمرار الحياة في غيابه، ويسأل.
تعشيتوا؟
يوسف يرتب كتبه بحسب الموضوع، والحجم، واللون، والتسلسل التاريخي للأفكار.
وأظن أنه لو استطاع لترتيب المؤلفين بحسب درجة نضجهم الوجودي.
أما عبدالله فقد يضع جوربه في الثلاجة.
وحين تسأله عن السبب يقول.
كان فيها مكان فاضي.
وهنا تحديدا تدرك أن البشرية لم تصل بعد إلى نظرية تستطيع تفسير كل شيء.
وحين يشتد الخلاف بينهما، يتحول البيت إلى مؤتمر فكري لم يطلب أحد حضوره.
يقف يوسف غاضبا ويقول:
أنت لا تعيش بفوضى، أنت تمارس العبثية على مستوى حضاري.
فيرد عبدالله وهو يأكل الفشار:
طيب لا تصارخ.
في تلك اللحظة، تعرف أن بعض المعارك لا تنتهي بانتصار أحد الطرفين، بل بانهيار الطرف الثالث.
والطرف الثالث هو أنا🥴
ضحية الحرب الباردة، والمبعوث الأممي الدائم إلى غرف النوم والمطبخ والصالة.
مرة حاولت الإصلاح بينهما.
جلست مع يوسف ساعتين كاملتين.
شرح لي جذور شخصية عبدالله، وبنيته النفسية، وعلاقته بالمسؤولية، وتأثير التربية والبيئة والمجتمع، وربما لو تركته ساعة أخرى لوصل إلى أثر الثورة الصناعية في مكان شاحن الجوال.
خرجت من عنده منهكا، لكن محملا بتحليل نفسي يصلح رسالة دكتوراه.
ذهبت إلى عبدالله، وجلست أمامه بكل جدية، وبدأت أنقل إليه خلاصة ما قاله يوسف.
استمع إلي بهدوء.
ثم قال.
طيب، بس قل له لا يلمس شاحني.
عندها فهمت شيئا مهما.
ليس كل خلاف سببه سوء الفهم.
أحيانا يفهم الناس بعضهم تماما، ومع ذلك يقرر كل واحد منهم أن يكمل حياته بالطريقة التي تستفز الآخر أكثر.
ثم تأتي أمي من آخر البيت، لتلغي الفلسفة والفوضى وعلم النفس كله بجملة واحدة:
والله لو ما تسكتون لأوريكم.
وهنا فقط.. يعم الصمت.
وتنتصر السلطة الوحيدة التي لم يجرؤ أحد في هذا البيت على تفكيك خطابها.
والسلام.
فاقده فقد الأراضي للسّحاب الّلي مصبّه
يحيي الجرد القواحل لين ما تجري المساقي
أدري إن الميّت المؤمن منعّم عند ربّه
وأدري إن ما باقي غير الله المعبود باقي
بس أنا من الفقد مثل الّلي غدا في وسط غبّه
إنطفى نجم ونزف جرحٍ عطيب وجف ساقي
أذكره وأشتاق وأبكي وأحتضن قبره وأحبّه
والله إن ما أعظم منه ياكود فقده وإشتياقي