كلمات جميلة من الدكتورة فاطمة يونس صليل :
منذ أن قرأت خبر الحادث، وأنا أحاول أن أجد الكلمات المناسبة، لكنني لم أستطع. حاولت أن أنام، إلا أن الخبر ظل يرافقني طوال الليل، وكأن القلب يرفض أن يصدق أن أربعة عشر روحًا يمكن أن ترحل في لحظات معدودة.
المنطقة الشرقية اليوم حزينة… والمملكة كلها حزينة.
أربعة عشر إنسانًا رحلوا في لحظة واحدة.
قد يراها البعض مجرد أرقام في خبر، لكن الحقيقة أن خلف كل رقم حياة كاملة، وعائلة كاملة، وأحلامًا كاملة.
كان لكل واحدٍ منهم أم تنتظر عودته، وأب يدعو له، وزوجة تجهز لاستقباله، وأطفال يركضون نحوه كلما عاد إلى المنزل، وإخوة وأصدقاء وزملاء عمل أحبوه وعاشوا معه تفاصيل الحياة.
كان لكل واحدٍ منهم خطط للغد… وأحلام يريد تحقيقها… وأمنيات لم تكتمل… وربما كلمة أخيرة لم تُقل، أو موعد لم يأتِ وقته، أو طفل كان ينتظر أن يحتضنه والده في نهاية اليوم.
خرجوا جميعًا كما يخرج آلاف الموظفين كل صباح، يسعون في طلب الرزق، ويؤدون أعمالهم بكل أمانة وإخلاص، ولم يكن أحد منهم يعلم أن ذلك الصباح سيكون آخر صباح في الدنيا.
وربما ما زاد ألمي الشخصي هو أنني ابنة أرامكو.
وُلدت هناك، وترعرعت هناك، وعشت طفولتي بين مجتمعاتها، ووالدي أفنى أكثر من أربعين عامًا من عمره في العمل داخل أرامكو.
ومنذ طفولتي، هناك عبارة واحدة كانت تتكرر أمامنا في كل مكان، وفي كل مناسبة، وفي كل مدرسة، وفي كل منشأة:
السلامة أولًا.
لم تكن مجرد شعار يُكتب على الجدران، بل كانت ثقافة حياة.
تعلمنا أن السلامة مسؤولية الجميع، وأن أدق التفاصيل قد تُغيّر مصير إنسان، وأن العودة إلى المنزل سالمًا هي أهم إنجاز في نهاية كل يوم عمل.
ولهذا… كان هذا الخبر مؤلمًا أكثر.
ليس لأن السلامة لم تكن موجودة، بل لأننا ندرك جميعًا أن الإنسان، مهما أخذ بالأسباب، يبقى تحت قدر الله سبحانه وتعالى.
فهناك أحداث، رغم كل معايير السلامة، ورغم كل الاحتياطات، ورغم كل الخبرات، تقع لأنها قضاء الله الذي لا يرده شيء.
وأنا أعرف تمامًا أن الألم اليوم لا يقتصر على أسر الضحايا فقط، بل يمتد إلى داخل أرامكو نفسها.
أعرف هذا الشعور…
أعرف كيف تتحول المؤسسة الكبيرة في مثل هذه اللحظات إلى عائلة واحدة.
كيف يشعر الزملاء بأنهم فقدوا إخوةً لهم.
وكيف يراجع الجميع أنفسهم، ويحزن الجميع، ويتمنى كل شخص لو استطاع أن يغيّر ما حدث.
هذا النوع من الحوادث لا يؤلم عائلة واحدة فقط، بل يؤلم مجتمعًا كاملًا عاش سنوات وهو يؤمن بأن العودة إلى المنزل سالمًا هي أعظم نهاية ليوم العمل.
وفي مثل هذه الفواجع، لا نحزن على من رحلوا فقط، بل يعتصر القلب ألمًا على من بقوا بعدهم.
على أمٍ تنتظر اتصالًا لن يأتي…
على زوجةٍ ستفتح الباب وهي تعلم أن من اعتادت انتظاره لن يعود…
على طفلٍ سيكبر وهو يحمل صور والده أكثر مما يحمل ذكرياته…
وعلى أبٍ وأمٍ يعيشان أصعب ابتلاء يمكن أن يمر به الإنسان.
وأنا كأم… أكثر ما يؤلمني أن أتخيل مشاعر تلك الأمهات.
لا يوجد في الدنيا وجع يشبه أن تُفجع الأم في ولدها، أو أن يُفجع الإنسان بمن يحب.
إنه شعور لا تصفه الكلمات، ولا يخففه إلا لطف الله ورحمته.
وهذه الفواجع تذكرنا جميعًا بأننا، مهما ظننا أننا مستعدون، فإننا لا نستعد أبدًا لفواجع الدهر.
فالحياة أقصر مما نظن، وأقرب مما نتخيل، وقد يكون الوداع الأخير في لحظة لا يتوقعها أحد.
لذلك لا تؤجلوا كلمات المحبة، ولا الاعتذار، ولا السؤال عن أحبابكم، ولا الدعاء لهم.
اللهم لا تفجعنا في أبنائنا، ولا في أمهاتنا وآبائنا، ولا في أزواجنا وزوجاتنا، ولا في إخواننا وأخواتنا، ولا في كل من نحب.
اللهم احفظ لنا أحبتنا، وأدم عليهم نعمة الأمن والعافية، واجعل لقاءاتنا بهم دائمًا على خير.
اللهم اغفر لإخواننا الذين رحلوا، وارحمهم رحمةً واسعة، وأكرم نزلهم، ووسع مدخلهم، واجعل قبورهم روضةً من رياض الجنة، وارفع درجاتهم في الفردوس الأعلى.
اللهم إنّا نحتسبهم عندك من الشهداء، فأكرم وفادتهم إليك، واجعل آخر عهدهم بالدنيا خيرًا، واجمعنا وإياهم في جنات النعيم.
اللهم اربط على قلوب أمهاتهم وآبائهم، وزوجاتهم، وأبنائهم، وإخوتهم، وكل من أحبهم، وألهمهم الصبر والسلوان، وعوضهم خيرًا في مصابهم.
رحم الله من رحل، وشفى الله قلوب من بقي، وألّف بين قلوبنا على الصبر والرضا بقضائه.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
من السهل اختزال الإجازات المرضية في كونها عبئًا إداريًا، أو مؤشرًا على ضعف الانضباط، أو حتى وسيلة للانقطاع المؤقت عن العمل.
لكن الواقع اليومي — خصوصًا في القطاعات الخدمية — يقول شيئًا مختلفًا تمامًا.
في كثير من الأحيان، أصبحت الإجازة المرضية أصدق من تقارير الأداء.
مؤشرًا لا يُجامل، ولا يُزخرف الواقع، ولا يمكن تجاهله حين تظهر الأرقام نمطًا متكررًا.
عندما يرتفع معدل الإجازات، فالسؤال الأذكى ليس:
من يتغيب؟
بل: لماذا أصبح الغياب هو الخيار الوحيد؟
هنا يظهر الفرق الجوهري بين:
•إدارة تشغيلية ترى الإجازة مجرد إجراء،
•وإدارة ناضجة تقرأها ككاشف خلل أعمق في #بيئة_العمل ، وتوزيع الأدوار، وجودة #القيادة، وحتى الثقافة التنظيمية.
كيف تنظر النظم المتقدمة إلى الإجازة المرضية؟
الأنظمة الصحية المتقدمة تخلّت منذ سنوات عن النظرة العقابية:
•في بريطانيا: لا تُقرأ الإجازة كغياب، بل كـ Data Point تكشف مستوى #الاحتراق_الوظيفي ، وعدالة عبء العمل، وجودة الإشراف.
•في كندا: تُعد الإجازات المتكررة مؤشرًا على غياب السلامة النفسية داخل الفريق، لا تقصيرًا فرديًا.
•في سنغافورة: رُبط ارتفاع الإجازات بأداء القيادة، انطلاقًا من قناعة أن المدير الجيد يقلّ لديه الغياب حتى دون تغيير الأنظمة.
ورغم وجود لوائح واضحة، لا تزال فجوة التطبيق قائمة.
كثير من الجهات تقرأ الإجازة من زاوية الشك، لا من زاوية #الجودة، بينما الموظف لا “يبحث عن إجازة” بقدر ما يبحث عن تنفّس في بيئة ضغط لا تمنحه سوى خيار الابتعاد.
كيف نتعامل مع الإجازات المرضية كملف جودة؟
1️⃣ الإجازات كمؤشر جودة
متابعة أنماط الغياب شهريًا تكشف الأقسام التي تعاني ضغطًا أو ضعف قيادة، وتحدد “النقاط الساخنة” قبل تفاقمها.
2️⃣ تحليل الجذور لا الأعراض
كما نحلل الأخطاء الطبية، يجب أن نسأل:
•هل الموظف مُنهك؟
•هل الدور غير واضح؟
•هل هناك نقص تدريب؟
•هل العلاقة مع المشرف مرهقة؟
هذا التحليل وحده يختصر نصف المشكلة.
3️⃣ عدالة التوزيع الوظيفي
العدالة في عبء العمل ليست رفاهية، بل ركيزة حوكمة، وأي خلل فيها ينعكس مباشرة على الإجازات.
4️⃣ تمكين القيادات الوسطى
أغلب مشكلات الغياب تبدأ من المشرف المباشر، لا من الأنظمة.
القيادة التي لا تجيد الدعم والتواصل ترفع الغياب دون أن تشعر.
5️⃣ مرونة العمل عند الحاجة
ساعات مرنة، دمج العمل المكتبي، وإمكانية الاستبدال…
حلول أثبتت فعاليتها في خفض الغياب في أنظمة صحية عديدة.
6️⃣ ثقافة نفسية آمنة
بيئة يستطيع فيها الموظف أن يقول: «أحتاج مساعدة»
قبل أن يصل إلى: «أحتاج إجازة».
7️⃣ قنوات واضحة لحل المشكلات
عندما يشعر الموظف أن صوته لن يُسمع… سيغيب.
"القطاع الذي يريد خفض الإجازات المرضية لا يحتاج إلى مزيد من التشدد،
بل إلى مزيد من الفهم، والقيادة الواعية، وقراءة المؤشرات بذكاء."
من مقالي
الإجازة المرضية قراءة خارج ملف الاتهام
https://t.co/okQtlIgTAC
"عرفت ان اللقا أرض ومدارات الفراق أفلاك
تدور أيّامنا حول التجارب ، والقدر .. أجدا
وعرفت ان الزهر مغري ولكن به كثير أشواك
يبي له من يعرف انه مع أوقات الفجر يندى
وعرفت ان العمر مهما يطوّل ما ينول رضاك
عجول الوقت لا أنهى رحلة سنينه قبل تبدا
وعرفت ان دمعة الغيمه تصب الروح في دنياك
كذا طبع العتب صاحب واذا مل الصعب يهدا
وعرفت ان الطموح دروع لاصار المحى فتاك
اذا استسلمت لـ العثره ترا المقيل عليك اودا
وبعد عثرات ودروس وسنين وتجربه وادراك
عرفت ان أكبر كنوز الحياة الفانية .. مبدا"
« عندما يشعُر الإنسان بالمحبّة تتغير جودة الأيام في عينيهِ للأفضل، تزهو اللّحظات، وتتمدّد الرّاحة في كلّ لحظة، لا يطلبُ المرء أكثر من هذا محبّة صادقة دون حاجةٍ أو دافع، محبّة حنونة تأويه »
يقول غازي القصيبي -رحمه الله-:
« تذكر دائمًا أن الخيارات لامُتناهية، وأنك لست محدودًا بفرصةٍ واحدة أو بمستقبلٍ معين. تذكر دائمًا أن في الحياةِ رحابة، وأن الآفاق واسعة، وأن الدنيا أكبر من أن تتمسك بشيءٍ ظنًا منك أنه قد لا يتكرر »