لماذا تصدر الحكومة وصندوق الاستثمارات والبنوك والشركات الكبرى سندات دولارية مؤخراً؟
مع انخفاض أسعار النفط واستمرار الإنفاق الحكومي وتسارع مشاريع صندوق الاستثمارات العامة وأرامكو والشركات الكبرى أصبح الاقتصاد بحاجة إلى سيولة ضخمة بالريال لتمويل هذه المشاريع
البنوك بالذات لجأت إلى إصدار سندات دولارية لتعزيز سيولتها بالريال وتحافظ في نفس الوقت على مؤشرات كفاية رأس المال والسلامة البنكية ف�� وضع جيد
وهنا نقطة مهمة وهي أن البنوك لا تحتفظ بالدولارات في خزائنها بل تذهب الدولارات إلى مؤسسة النقد (ساما) مقابل الحصول على ريالات تستخدمها للإقراض والتمويل
بالتالي:
الإصدار الخارجي البنكي = دولارات تدخل ساما و تسجل كاحتياطيات من النقد الاجنبي = وساما تضخ مقابلها ريالات للبنوك = والبنوك تمول المشاريع والشركات
ولأن جزء كبير من الإنفاق الاستثماري والاستهلاكي يعتمد على الاستيراد (مواد، معدات، عمالة) فإن الريالات المنفقة محلياً تتحول في النهاية إلى طلب على الدولار والعملات الاجنبية
فالمشاريع والانفاق يتطلب استيراد
والعمالة الأجنبية تحول رواتبها
هذا كله يضغط على احتياطيات ساما من الدولار
فتدفقات الدولار الداخلة = الخارجة = يبقى الاحتياطي ثابت
واذا التدفقات الداخلة أكبر > يرتفع الاحتياطي
التدفقات الداخلة أقل (كما عند انخفاض النفط) > يبدأ الاحتياطي بالانخفاض
والنفط طبعاً هو المصدر الرئيسي لهذه التدفقات الداخلة
وعند انخفاض النفط والتدفقات الدولارية المفترض يكون تسارع ال��شاريع والانفاق متوازن مع انخفاض تدفقات الدولار حتى لايستنزف الاحتياطي
لكن ما حدث هو العكس: المشاريع تسارعت والإنفاق ازداد
فحتى لا يواجه الاقتصاد شح سيولة مع الطلب العالي على القروض والتمويلات وبالتالي ترتفع أسعار الفائدة اكثر واكثر وحتى لايستنزف احتياطي ساما لجأت الدولة وصندوق الاستثمارات والبنوك والشركات الكبرى إلى إصدارات سندات دولارية
والنتيجة:
استمرار المشاريع دون تعطل
وثبات احتياطيات ساما تقريباً خلال آخر عام رغم انخفاض النفط
وزيادة ثقة المستثمرين > رفع التصنيف الائتماني > خفض تكلفة الاقتراض
وهنا يتضح أن الاحتياطيات الأجنبية ليست مجرد أرقام بل هي صمام أمان الريال وحجر الأساس لثبات الاقتصاد وثقة العالم في السعودية
وتتابع الإصدارات ليس علامة سلبية بل هو إشارة إيجابية تدل على:
استمرار المشاريع التنموية وتواصل النمو الاقتصادي وثقة عالمية بقدرة السعودية على جذب التمويل
فنسبة المديونية السعودية ما زالت عند مستويات آمنة مقارنة بدول أخرى
والتصنيف الائتماني ممتاز ما يجعل تكلفة الاقتراض منخفضة
ومع وجود مشاريع تنموية ضخمة قيد التنفيذ فهذا هو أفضل وقت للاستفادة من هذه القوة الائتمانية والثقة العالمية لتمويل التنمية بتكاليف منخفضة
لكن لا بد من التنبيه: الاقتراض الخارجي له مخاطره وليس حل مستدام بل أداة مرحلية لإدارة السيولة وتثبيت الاحتياطيات
والمراهنة أن المستقبل سيحمل:
احتمالية ارتفاع أسعار النفط أو استقرارها عند مستويات جيدة
وعند إنجاز المشاريع الكبرى سينخفض الاعتماد على الاستيراد وتزداد الصادرات غير النفطية ويتسارع التوطين
ومع اكتمال البنية التحتية سينخفض الإنفاق الاستثماري تدريجياً ويصبح أقل استنزاف للاحتياطيات
والتركيز اليوم يجب أن يكون على المشاريع ذات الأولوية التي تحقق أكبر عوائد في المدى المتوسط وتفتح الباب لتنويع الاقتصاد