المجد لمن صفعتهم الدنيا من كلّ ناحيةٍ..ووطأتهم الظروف ولاكتهم التجارب..ومع هذا ظلّوا متشبّثين ببقايا أحلامهم بعنادٍ لا يهدأ ويقينٍ لا يموت..أنت مجموع أحلامك المنجَزة والمنتَظرة فلا تتخلّ عن أحلامك وإن سامتك الحياة سوءَ العذاب..لا تتخلّ عن بعضك ونبضك فتكون من النادمين.
فأمضي…
من ملامة النفس، وخذلان الطريق؛ أجرّ ظلي المنهك، وأعيد تسمية المسي��: نجاة.
فيا بقية العمر، كوني كما أشتهي…
فمن طول الأمد، ومن كسرة الخاطر، ومن شحّ الليالي، آويتُ إلى الجبار… لأكون حيث ينبغي لي أن أكون.
فأمشي إليّ…
محملًا بما لا يرى، مثقلًا بأمل يجرني أكثر مما أحمله، وبيقين يتعثر في خاصرة السؤال… كأني في محضري أشيّع من نفسي آخر ما تبقى من رجاء.
بيد أن في الصدر شيئًا عصيًّا يأبى الأفول؛ ينهض كلّما انطفأت، ويلملمني من شظاياي برفق ينقذني مني.
فيديو | وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان: اللغة العربية هي أجمل اللغات وهي التي تجمعنا ونريد أن يسمعنا العالم بلغتنا لا أن نترجم أنفسنا لهم
#قمة_جدة#الإخبارية
في زحام الوجوه وتعاق�� الأزمنة، تبقى هي.
نور يسري في أركان القلب، يفيض سكينة وسعادة على ما يحيط به، كأن العالم كله يتوقف للحظة عند حضورها.
حيثما وطأت، يتحول المكان إلى مأوى، وحيثما حلت، تصبح الزوايا الصامتة وطنًا متنفسًا.
تمضي الأعوام، ويبقى القلب على عهدها؛ مهما اتسع وامتلأ، أصلها ثابت في أعماقه، وفرعها يمتد حياة لا تزول.
حتى حين تتقاطع أيام الحياة بأحداثها ومشاعرها المختلفة، يظل حضورها منى، وهمسها يخفف عن القلب ثقل الأيام، ويزرع فيه حنينًا لكل لحظة مضت، ولكل لحظة لم تأتِ بعد.
لا ينبغي للباحث والمنشغل بالمعرفة أن يبتعد عنها زمنًا طويلًا؛ حتى لا يواجه ذلك الفراغ الذي ينشأ عندما ينقطع العقل عن نشاطه الطبيعي: أسئلته، ومشاغله، وبحثه، وتحليله، وفضوله. فالابتعاد لا يعني فقدان المعرفة وحدها، بل فقدان النسخة الأكثر يقظة من الذات.
تلك الذات التي كانت تعيش في ظلال الكتب والأبحاث؛ تلاحق المسائل، وتتنفّس الأسئلة، وتنشغل بالتحليل والتفكيك، وتستيقظ على مفاجآت الفكر.. الذات الحاضرة التي تتشكّل حين يكون العقل مشغولًا بذاته وبإيقاعه الداخلي، لا مثقلًا فقط بالمشتتات والشواغل وفوضى الخارج.
كما أنه عند تطاول الانقطاع وامتداد الابتعاد، سيواجه الباحث حنينًا من نوع مختلف؛ حنينٌ يصعب تحديد مصدره والقبض على مكمنه، لكنه الحنين المعرفي Epistemic Longing.. الحنين نحو العلم، والتوق إلى البحث، ومطارحة الأسئلة، ومنازلة الحجج، وعيش الدهشة التي ترافق الفهم، ولذة كشف الأسباب والعلل، وحلاوة البرهان، والتعرّض للمعنى بوصفه تجربة حيّة لا مجرد معلومة يتم الوصول إليها.
إنه رغبة في استعادة حالة عقلية كام��ة، واستعادة الذات التي لا تتصل بذاتها على نحو حقيقي إلا وهي مغمورة بالإشراق المعرفي.. لذا مهما ازدحمت الأيام أوجِد للمعرفة والبحث عنها وبنائها وقتًا وطاقة ومساحة، ولو كان اختلاسًا.
«رثاء استباقي»
لأنك مقتولٌ ولكن تقاتِلُ
سترثيكَ بغدادٌ وترثيكَ بابلُ
لأنّ جراحاتِ الحسينِ شريفةٌ
سترثيك في وادي السلامِ الثواكِلُ
سترثيكَ حتى لا يقول لها فمٌ
فعولن مفاعيلن فعولن مفاعِلُ
تخطيتَ حدّ الموتِ معنًى وصورةً
ففي كلِّ أرضٍ أنتَ جرحٌ مناضلُ
وسرّكُ في أرضٍ تقاتلُ نفسها
أيا أنتَ في الحالينِ حزنك هائلُ
على معصميكَ الحزنُ شدَّ وثاقَهُ
فمن كلِّ مجهولٍ أتتك النوازلُ
سلكتَ متاهاتِ الحياةِ وعندما
أردتَ نزولًا أنكرتك المنازِلُ
ركبتَ على البحرِ الطويلِ مسافرًا
وخانتك لما أن بلغتَ السواحِلُ
قفزتَ من الميلادِ للموتِ
قاصدًا رؤاكَ
وحتى الآن تبكي القوابِلُ
غريبٌ فما تدري على أيِّ بلدةٍ
تريحُ عظامًا فارقتها المفاصِلُ
وحيدٌ تناجي النجم في كلِّ ليلةٍ
ومنذُ متى نجّى من الهمِّ آفلُ
وما أنتَ إلا يوسفٌ في غيابةٍ
وإخوتُك الأعرابُ موتٌ مُخاتلُ
تصيحُ وراء الغيب يا لمهلهلٍ
يكذّبُ حتى الآن أن ماتَ وائلُ
مصيبتك الكبرى بأنك نائمٌ
على مضجعٍ قد زينتهُ القنابلُ
رحلتَ ولا تدري إلى أيّ وجهةٍ
رحلتَ ولا تدري لما أنتَ راحلُ
بِنا قلَقُ الزيتونِ
إن سالَ زيتُهُ
وحيدًا ومِشكاةُ التَلَقِّي
بلا حِمى
يستفتح البكالي -رحمه الله- بإدهاش مبكر يربك القارئ حين دخوله بلاط القصيدة، بزيتٍ سال قلقًا ليشعل مشكاةً للسابلة ثم يتركها مطمعًا بلا حمى!
لنا غُربةُ الأقواسِ
إن طارَ سَهمُها
وظلَّتْ بلا جدوى
على كفِّ مَن رمَى
غربة ياسين هنا تشكلت في مشهدٍ محدود المساحة واسع الدلالة انتزع من�� الشاعر كل ما يمكنه من صور ومجازات.. غربة قوس خالية - إلا من الوهم- يحملها الرامي.
نُحاوِلُ أن نَجتازَ
وضعَاً مُكَهرَباً
إلى أن شبِعنا
في الأمانِي تَوَهُّمَا
تُطَرِّزُنا المأساةُ
في كُلِّ عَتمةٍ
نجوماً تُحيِّي
في التباريحِ أنجُما
تتدرج الجودة هنا من مباشرة وتقريرية لا-شعرية في "وضعا مكهربا" ثم ترتقي درجة في تصوير الإحباط ومواجهة الأماني بحقيقتها: الوهم!
ثم ترتفع لنرى صورة عجيبة.. ليل مأساة بهيم تضج سماؤه بنجوم مغايرة للنجوم.. نجوم تتراكم ترسخ حرقة ووهجا للمعاناة الجاثمة..
علاقتُنا بالخوفِ
تَقوى ورُبَّما
سنلقاهُ حتّى في التَّحِياتِ؛
رُبَّما
الخوف هذا الخل الوفي يراوغ ساكنيه ويكمن لهم حتى في أوجّ السلام!
بسيطونَ جِدّاً نحنُ
لو حكَّ أنفَهُ
سَرابٌ تَخَيَّلناهُ يَأتي لنا بِما
الله على المتعة المضاعفة.. جمع لنا هنا الشاعر بين الصورة المجنونة المتسربة من عبقر، وبين التلاعب بالكلمات والتورية المزدوجة "بما"، وقد جاءت رشيقة بما يكفي للإيقاع بالمتلقي في شرك السحر الشعر..
ونحنُ وإن جارَ
الأسى
في قلوبِنا
سمُوٌّ بهِ نَرقى
إلى الحُلمِ سُلَّما
هنا خاتمة باقة المفارقات المتتالية في قصيدة ياسين الحزين -أسعده الله في مستقره- فالأسى يرتبك أمام تحويل النكبة إلى شحنة عكسية ترتد عليه منه، لتستحيل المأساة سموًّا يصعد بالحالم الـ..تكالبت عليه المحن إلى سحابة النجاة العصية..
فا��محصلة هنا.. أن التباريح تفتك بالخالي من أدوات الحلم، العاري من سلاح ضحكة الذي لا شيء لديه ليخسره..
«فَأَتْبَعَ سَبَبًا»
كأنها تذكّر الإنسان أن الإيمان لا يُنافي السعي، وأن الدعاء لا يُغني عن الحركة. بلغة الحياة: امضِ، لا تنتظر أن تُفتح لك الأبواب وأنت مكانك. اتبع السبب، لا لأنك تملك القوة، بل لأنك تُحسن الظن بأن الله يجعل في خطوتك بركة، وفي تعبك معنى. فالسعي ليس ضد التوكل، بل هو شكله الأصدق.
أبقيتُ بيني وبينه مسافة طمأنينةٍ حذِرة، لا أريد أن أراه بلا أسرار، أن يصير صباحًا مستأنسًا خاليًا من الدهشة..
وتساءلتُ: أترى الصباح قد ضجر من ضوئه؟
أم أنه مثلي، يحنّ إلى لحظةٍ غامضةٍ يتداخل فيها النور بالعتمة، ولا يكون فيها نهار تمامًا… ولا ليل؟