من عجائب خريف ظفار السنوية، أن العزائم تتحول فجأة من مجرد كرم ضيافة إلى ستوديو تصوير مفتوح مع نقل مباشر تستعرض فيه الكاميرات وتعزف فوقه الشيلات الحماسيةوتبدأ العزيمة بتوثيق أسطوري كاميرات ملتصقة بالوجوه وإضاءات تغطي المكان وشيلات حماسية تزلزل الأرجاء... حتى يخيل للمتابع أن صاحب الدعوة هو السلطان محمد الفاتح يكتسح الأسوار، وأن الضيوف المعزومين هم جهابذة الفروسية عبر التاريخ: عنترة بن شداد، وعمرو بن معد يكرب، والزير سالم، وخالد بن الوليد! وكل هذا الحشد الملحمي... لمجرد تناول وجبة غداء او عشاء.
من غرائب ادارة موسم الخريف !
منع الاهالي من عادة التخييم العائلي القديمة
واعادة التاجير
هل الموضوع تجاري !
ام تنظيمي !
اذا كان تنظيمي فالملاحظات حول البدائل اكثر من مما كان سابقا !
عندما نتحدث عن تقديم الزائر على حساب الساكن هذه احد الشواهد !؟
لو كان بس خالد وعلي لحالهم كان وسع لهم وارتاحوا في الاداء واضح مضغوطين من المساحة ومو عارفين الاثنين الي معاهم يضبطون معاهم او لا
والمكان تحت المسرح في مساحة كافية مستغربة ليش مانزلوهم تحت قدام الجمهور ؟!
-------
مع بلوغ موسم الخريف ذروته من الفعاليات والازدحام لحد الاختناق يُصبِّر أهل صلالة أنفسهم بالقول المأثور:
كُلُّ بَابٍ وَإِن طَالَت مَغَالِقُهُ..
يَوْمًا لَهُ مِن جَمِيلِ الصَّبرِ مِفتَاحُ
كَم مِن كُرُوبٍ ظَنَنا لا انفِرَاجَ لَهَا..
حَتَّى رَأَينَا جَلِيلَ الهَمِّ يَنزَاحُ
فَاصبِر لِرَبِّكَ لا تَيسَ فَرحَمتُهُ..
لِلخَلقِ ظِلٌّ وَللأَيَّامِ إِصبَاحُ.
خلال الأيام الماضية كتب أحد الإخوة الأفاضل تغريدةً هنا لامست جرحاً حقيقياً في وجداني...
كتب الرجل ما خلاصته:
"أننا -سكان صلالة- صرنا نغبط أهل الولايات المجاورة لصلالة فهم يعيشون الموسم زائرين ثم يعودون إلى هدوئهم وخصوصيتهم، بينما أهل صلالة أنفسهم تحولوا إلى "سياح إجباريين" في مدينتهم...
وتابع:
"إن صلالة اليوم في ذروة موسم الخريف تبدو وكأنها مشاعٌ مفتوحٌ لكل تجربةٍ ومصب لكل فعالية وفكرة ومشروع موسمي، وكأن لا سكان لها ولا حياة تمتد اثني عشر شهرا، ولا عادات، ولا خصوصية، ولا أولوية في كثير من الأحيان"...
حسناً.. إنها افكار قصيرةٌ متتالية لكنها تختزل إشكالية عميقة تستحق أن تُفرد لها وقفة مستقلة.. فحين تُعامل صلالة بمنطق: كم زائراً نستطيع أن نجلب.. وكم من الفعاليات نستطيع أن نزيد سنوياً في شريطٍ ضيق.. وكم من الضغط على الطرق وخدمات الكهرباء والماء والصرف الصحي يمكن لصلالة أن تتحمل دون اللجوء إلى حلولٍ ترقيعيةٍ بعضها على حساب الرقعة الخضراء وبعضها بضررٍ صريحٍ بالبيئة بتصريف فائض مياه الصرف الصحي في البحر عبر أنبوبٍ بين محطة المعالجة في ريسوت والبحر القريب منها...
إن المضي مع كل ذلك بدون تحديد سقفٍ واضحٍ لما تتحمله المدينة فعلياً هو محض عبث.
فكم يمكن لصلالة أن تتحمل؟.. وما هي الطاقة الاستيعابية الفعلية لمرافقها وطرقها وخدماتها؟.. ومن هم الزوار المستهدفون؟.. وهل الهدف هو كثرة الأعداد أم نوعية التجربة وجودتها للزائر والمقيم؟.. وكيف يمكن أن نرفع العائد من السياحة من غير أن يكون الحل الدائم هو زيادة الأعداد فقط؟.. وكيف يمكن لنا أن نجعل السكان أصدقاء للموسم بدل أن يشعروا بأنهم أكثر المتضررين منه.
إن السياحة الناجحة في أي تجربةٍ رصينةٍ تُقاس بمؤشرات كثيرة اهمها مؤشر رضا السكان المحليين والقدرة على المحافظة على جودة حياتهم.. وعندما يَغيب أو يُغيَّب هذا المؤشر يتحول النجاح الظاهري المتعلق بأرقام الزوار، وإشغالات الفنادق، والإيرادات إلى نجاحٍ منقوص بل فشل ٌ مؤجَّل الكلفة؛ لأن ما يُفقَد من رضا السكان وانتمائهم واستقرار حياتهم اليومية سيُدفَع ثمنه لاحقاً في صورة تكلفةٍ اجتماعيةٍ وربما اقتصاديةٍ أيضاً...
المعذرة ولكن كفى.. أقول كفى فقد بلغ السيل منا الزبا هذا العام خاصةً مما يوجب الانتقال من فلسفة "الجذب بلا سقف" إلى فلسفة "الإدارة المتوازنة" وهي ضرورةٌ تحتاج في تقديري المتواضع إلى ثلاثة مسارات متكاملة:
1- تحديد سقف تحملٍ معلنٍ ومبنيٍ على دراسةٍ رصينة؛ فلا يكفي أن نستشعر الازدحام كل عام دون قياس.. فالمدن السياحية الناجحة تعتمد مؤشراتٍ واضحةٍ للطاقة الاستيعابية القصوى للطرق والمرافق والخدمات وتُبنى عليها مستهدفاتها لا العكس.
2- تحديد مساحاتٍ وأزمنة محفوظة لسكان صلالة من خلال أحياءٍ وأوقاتٍ وممراتٍ يُحفظ فيها الإيقاع اليومي المعتاد لابن مدينة صلالة بمنأى عن ضغط الزائر، بحيث لا يُطالَب المقيم بأن يكون سائحاً دائماً في بلده ولا غريباً في حَيه.
3- إشراك حقيقي للسكان المحليين في افكار خطط صناعة السياحة وليس في إجبارهم على تحمّل النتائج فقط؛ وذلك عبر آليات استشارية وتشاورية فعلية يُسأل فيها المجتمع المحلي قبل اعتماد الفعاليات الكبرى وتوسعاتها بدلاً من أن يُصدم بها كأمرٍ واقع بعد اكتمال الترتيبات.
ختاماً.. فضيوف صلالة مُرحب بهم وهم منا موضع العين؛ فَهُم أهلنا وضيوفنا ولذلك فحين تُصمَّم السياحة بمنطق:
"من أجل الزائر ومع السكان"...
وليس بمنطق:
"من أجل الزائر على حساب السكان" فعندها فقط يستحق العمل السياحي أن يُوصف بأنه نجاحٌ سياحيٌ متكامل وليس مجرد مكسبٍ اقتصاديٍ مؤقت يحصل على حساب هوية مدينة وسكينة أهلها وذاكرتهم الجمعية...
فصلالة ليست مساحةً فارغةً تُملأ كل عام بفعالياتٍ جديدة بل مدينة حية لها سكانٌ وذاكرة وإيقاع تستحق أن تُحترَم وتُصان كما يُصان موسمها ويُحتفى به.
ختاماً.. فهذا مجرد رأي والله أعلم.
- إحترامي.
-------
شابة برازيلية تُدعى إيما مندلسون، تبلغ من العمر 15 عامًا، لاحظت أن بشرتها وبياض عينيها بدأا يتحولان إلى اللون الأصفر، كما عانت من إرهاق شديد ومستمر.
وعندما نُقلت إلى المستشفى،
اكتشف الأطباء أنها مصابة بالتهاب الكبد المناعي الذاتي،
وهو مرض نادر يهاجم فيه جهاز المناعة الكبد بدلًا من حمايته.
وبعد تدهور حالتها، خضعت لعملية زراعة كبد من متبرع متوفى، في محاولة لإنقاذ حياتها.
صرنا نغبط أهل الولايات المجاورة لصلالة !
يعيشون الموسم ويزورون صلالة ثم يعودون إلى ولاياتهم حيث الهدوء والخصوصية والحياة الطبيعية
أما أهل صلالة فأصبحوا سياحًا إجباريين في مدينتهم !
صلالة اليوم مشاع لكل تجربة ومصب لكل فعالية وفكرة ومشروع موسمي وكأن المدينة لا سكان لها ولا حياة تمتد اثني عشر شهرًا ولا عادات ولا خصوصية ولا أولوية في كثير من الاحيان !
كل شيء تقريبًا يُعاد ترتيبه من أجل الزائر بينما ابن الولاية مطالب بالتكيف مع الزحام والضغط وإغلاق الطرق وامتلاء المرافق وارتفاع الطلب والأسعار وتغير نمط حياته اليومي بل إن بعض العادات وأنماط السلوك والخصوصية الاجتماعية بدأت تتأثر تحت ضغط موسم يتوسع عامًا بعد عام
حتى خصوصية الخريف التي كانت جزءًا من حياة الناس وذاكرتهم تحولت تدريجيًا إلى منتج سياحي يستهلكونه مثل غيرهم !
المشكلة ليست في كثرة الزوار ولا في نجاح الموسم فهذا مكسب اقتصادي مهم
المشكلة في فلسفة إدارة الموسم !
كم زائرًا نستطيع أن نجلب إلى صلالة ؟
بدلًا من :
كم تتحمل صلالة ؟ ومن هم الزوار المستهدفون ؟ وكيف نرفع العائد من السياحة دون أن يكون الحل دائمًا زيادة الأعداد ؟ وكيف نجعل السكان أصدقاء للموسم بدل أن يشعروا بأنهم أكثر المتضررين منه ؟
السياحة الناجحة تقاس بجودة تجربة الزائر والعائد الاقتصادي وجودة التجربة والأهم قدرة المدينة على المحافظة على جودة حياة سكانها
فأهل المكان ليسوا تفصيلًا في الموسم
هم الأصل والموسم ضيف عليهم !
والله من وراء القصد حتى لو تحسس البعض !