في البداية، تبعني كأي ظلّ مطيع. لكنه بدأ يتقدّم خطوة، ثم خطوتين، حتى صار يسبقني إلى كل شيء؛ إلى الباب، إلى الحديث، إلى الحياة نفسها.
أصبح يخرج وحده، يعيش أياما لا أعرفها، ثم يعود متعبا… وينام قبلي.
المسودة نص نيّئ، تحمل براءة البداية وارتباكها، مثل البيجاما: مريحة، دافئة، لكنها لا تصلح للخروج. المسودات اليدوية تأسرني لأنها تكشف ما خلف النص قبل أن يولد تماما، كصورة سونار للنص الجنين.
ثمة نوع من الفناء لا علاقة له بالنهايات. فناء يأتي في هيئة ترويض. الحواف تميل إلى النعومة، الألوان يخف صخبها، الملامح تتلاشى تدريجيا، فيبدو العالم أقل ميلا للمبالغة وأكثر انشغالا بالتهذيب القسري.
إبراهيم الدسوقي فنان يعكس في أعماله روح القاهرة وهويتها المتحولة، وكأن لوحاته تحاول مقاومة ذوبان ملامحها في زحام التغيرات. يحب الأزرق، ليس كخيار لوني فحسب، بل كحالة وجدانية تفيض من روحه كما فاض النيل من داخله فتدفقت زرقته في لوحاته كنبض لا يهدأ. في أعماله، تبدو الأشكال مفصولة عن الخلفية، تماما كما تنفصل بعض أحياء القاهرة عن نسيجها العريق، وكأنها تعيش في فجوة بين الماضي والحاضر. يرسم بأسلوب يبرز التناقضات، كما لو أن ألوانه تحكي قصة مدينة تسير بين الذاكرة والنسيان. تمتزج ضربات الفرشاة مع طبقات اللون بانسيابية مدروسة، حيث يستخدم خامات متعددة تمنح سطح اللوحة ملمسا خاصا، يوحي بالحركة حتى في أكثر الأجزاء سكونا. تتجلى مهارته في التحكم بالإضاءة والظل، ليخلق عمقا بصريا يجعل المشاهد يتنقل بين الطبقات كأنه يستكشف مدينة تختبئ داخل قماش اللوحة.
الرسام زورن لم يكن يحتاج لأكثر من أربعة ألوان ليخلق مشهدا نابضا بالحياة. كل لون منها يعيد ترتيب الكون: حرارة ،نور، ظل، ووجود.
وكذلك كان بسّام حجار، فقد امتلك قاموسا صغيرا من المفردات، يمكن دسّه في جيب القميص الأمامي. ومع ذلك، كتب به كل هذا العالم الحزين، كل تلك الخسارات الحميمة، والدهشة التي لا تنقطع.
* لوحة اندرس زورن ، صورة ذاتية مع عارضة (1896)
لدى الفنان المصري علاء حجازي قدرة على التقاط الملامح الإنسانية عبر الظلال، والنظرات، والإيماءات التي تنبض بالحياة. ورغم إتقانه لعدة أدوات وأساليب، يبقى اختياره للألوان المائية في البورتريه دليلا على ميله للغة فنية صعبة، رقيقة، وسريعة الزوال.
فهو فن لا يمنح فرصا للتراجع. بمجرد أن تلامس الفرشاة الورق، تبدأ المعركة مع الزمن والجفاف. على الفنان أن يُفكر ويتصرف بسرعة، لكن بثقة ونعومة. وهذا ما يميز حجازي.
ألوانه لا تنسكب بعشوائية، بل تنضبط بتوازن بين الشفافية والسيطرة. يترك بعض الحواف مفتوحة، كأن البورتريه ما زال يتنفس، ليمنح المشاهد فرصة للانخراط والتأمل