كل ما يشغل بالي، في المشاهدة العشرين للمشهد، فيمَ كان يفكر فاروق حينها؟ كيف يستطيع المرء أن يحسم قراراته، ويتم حساباته، في جزء من الثانية؟ والمعادلة واضحة، رجل محاصر بين قطيع من الخنانيص وضباط مدججين بالسلاح، إن سكت يكاد يسلم وإن استبسل انتهى كل شيء، وأولها حياته.
..
لكن القرار كأنما "مؤتمَت" مسبقًا، تلك وقفة عز، وميتة عز، ومضي إلى الله على عجل، في موقف شرف، يحب المؤمن المجاهد أن يبعث عليه وليس بشيء أعلى وأجلّ! استنقذ الشيخ فاروق عدنان رمضان البندقية من المستوطن الإسرائيلي، وقتل وأصاب، حتى أرسل جنديا وضابطا إسرائيليين إلى جهنم في جزء من الثانية!
..
والشيخ؟ الليث الهمام القسورة، الغضنفر الحسام المهند، استشهد في اللحظة ذاتها، ومعه ثلاثة من إخوته وأبناء عمومته، ودار رمضان مفتوحة اليوم على مصراعيها، تستقبل المهنئين والمعزين في آن واحد؛ عزاء فلسطين فيهم، وتهنئة فلسطين بهم.
..
الضفة تتكلم، نابلس تقول كلمتها، وجنين تتحدث من خلف ألف عصابة وكمامة وجنزير على عينيها وفمها، الضفة تغلي كأزيز مرجل، والنار من تحت الرماد أحمى من النار من فوق الحطب، والبواسل يضمون إلى الله، كالشيخ فاروق، عمريّين بين حق وباطل!
" ثناء الشيخ سعيد الحارثي لزوجته"
الثالثة
ثم تزوجت بابنة عمي عائشة بنت عيسى بن صالح وهي المرأة البِرَّة الشفوقة ذات المروءة الفائقة والرعاية الكاملة، مكفوفة البصر إلا أنها أقدر على حفظ الأشياء ومعرفتها من ذوات العيون المفتوحة، إدراكاً إلى حد لا يكاد يوصف، لا تترك عملاً يعمله بنات جنسها إلا تعمله وتفوق عليهن، ومن قوة إدراكها أنها تخيط وتلبس الخيط في الإبرة بلا مساعد، ولا يغيب شيء إلا وهي تظهره من حيث يكون، ولا يستطيع أن يهمس أحد جلسائها إلى الآخر إلا وتحس ذلك وتعاتب عليه، ومثل ذلك كثير، وهي شاعرة، وتحفظ كثيراً من القرآن ومن المسائل الفقهية والشواهد العربية، ولا تزال شريك حياتي حتى كتابة هذه الترجمة، وقد رُزقت منها بست بنات ماتت إحداهن في السنة الثانية من عمرها، وأسقطت سقطاً في خلال ذلك؛ لا ندري هل هو ذكر أو أنثى، ثم ولدت محمداً في سنة ١٤٠٨هـ.
نقلتهُ من كتاب
عبر وذكريات من أدب الرحلات