*يترك أثرًا طيّبًا أينما ذهب*
في صباحٍ شتويّ من صباحات مسقط الجميلة، استيقظتُ وأنا أساوم نفسي:
أأذهب إلى العمل، أم أمنح جسدي هدنةً طال انتظارها؟
أشهرٌ مضت وأنا أتنقّل بين العمل والدراسة والسفر، حتى تراكم التعب في داخلي دون أن أشعر. عندها قرّرت أن يكون لهذا اليوم طعمٌ مختلف.
نهضتُ كعادتي؛ فأنا لا أستحسن النوم الطويل في الصباح، وتجهّزت كما لو أنني ماضٍ إلى عملي. حملت حقيبتي؛ تلك التي أؤمن بأنها لا تحمل أشياء، بل ملاذًا، ومتعةً، ومعرفة. قدت سيارتي بلا وجهة، أبحث عن مكانٍ جديد، عن فكرة، عن صدفةٍ جميلة.
وفي الطريق، مرّ بخاطري اسم مكتبةٍ سمعتُ عنها قبل سنوات، ولم تُتح لي زيارتها يومًا. قلت في نفسي: لعلّ اليوم هو موعدها.
وصلت.
مكتبةٌ صغيرة بين أحياء قريةٍ هادئة، لكنها عامرة. جدرانها مكسوّة بالكتب، ورفوفها تشبه نوافذ مفتوحة على عوالم لا تُحصى.
استقبلني عمر؛ شابٌّ تشعّ من وجهه الألفة، وتسبق ابتسامته كلماته، فأحسست أنني لم أدخل مكانًا غريبًا. أخبرني أن المكتبة فكرة والده إبراهيم؛ حلمٌ قديم نما بصبر، حتى صار اليوم مأوى للقرّاء وملتقىً للمعرفة.
سألته بدهشة:
من يأتي إلى مكتبةٍ تختبئ بين البيوت، بعيدًا عن ضجيج المدينة؟
ابتسم بثقة وقال:
انتظر… سترى.
لم تمضِ دقائق حتى دخل رجلٌ تسبقه هيبته الهادئة، وتبهرُك إنسانيته قبل ملامحه. قرأتُ في وجهه أعوامًا من التجربة، وحكمةً لا تحتاج إلى استعراض. جلسنا وتبادلنا الحديث، وكان لكلماته وزنٌ مختلف وهدوءٌ عميق، جعلني أشعر أنني أمام قامةٍ لا تُشبه العابرين.
سألته، وقد غلبني الفضول:
من تكون يا عم؟
ابتسم وقال:
اسمي حمد.
تحدّث ببساطة عن أسرته وقريته، ثم بادرني بالسؤال عني. حدّثني عن نفسي قبل أن أُعرّفه بها، وسرد تفاصيل شعرت معها أنه يعرفني منذ زمن. عندها تيقّنت أن هذا الرجل ليس كأيّ رجل، فتملّكني الفضول أكثر.
سألته عن عمله، فسرد تاريخه ببساطةٍ مدهشة: سفيرًا لعُمان في السعودية، ثم في الأردن، ووكيلًا لوزارة الثقافة، وحاليًا عضوًا مكرّمًا في مجلس عُمان… قالها وكأنه يحكي قصة غيره. هناك فقط أدركت أن العظمة الحقيقية لا ترفع صوتها، وأن التواضع ليس خُلُقًا زائدًا، بل جوهرًا أصيلًا.
دار بيني وبين الشيخ حمد حديثٌ لم يكن عابرًا، بل أشبه بدرسٍ يُلقى بهدوء، بلا سبورة ولا أوراق. كان يتحدّث، وأنا أستمع؛ لا لأنني لا أملك ما أقول، بل لأن بعض الكلمات خُلقت لتُصغى، لا لتُقاطع.
حدّثني عن الإنسان قبل المنصب، وعن القيمة قبل اللقب، وعن الوطن حين يسكن في الضمير لا في الخطابات. كان يروي تجربته الجميلة مجرّدةً من الزينة، ليترك جوهرها ثمينًا يشعّ نوره.
كنت أسمع، وأدرك أن الحكمة لا تُقال بصوتٍ عالٍ، بل تُهمَس لمن يريد أن يفهم. حدّثني عن العمر، وعن الوقت، وكيف يمرّ سريعًا إن لم نملأه بما يستحق. وعن الناس… كيف يظنون النجاح سلّمًا سهل الصعود، وهو في حقيقته طريقٌ طويل من الصبر والصدق والإخلاص.
مرّ الوقت سريعًا، وكأن الساعة خجلت من قطع هذا الحديث. استأذن الشيخ حمد لارتباطه بموعدٍ آخر، واتفقنا على لقاءٍ قريب، وتبادلنا الأرقام، وافترقنا على وعدٍ غير مكتوب.
خرجتُ من تلك المكتبة وأنا أشعر أنني لم ألتقِ رجلًا فحسب، بل التقيت معنى؛
معنى الإنسان حين يسبق اسمه،
والقيمة حين تتقدّم على اللقب،
والأثر حين يُصنع بهدوءٍ دون ضجيج.
تعلّمت أن بعض اللقاءات لا تغيّر يومك،
بل تغيّر نظرتك للحياة،
وتذكّرك أن أعظم ما يمكن أن نتركه خلفنا
ليس سيرةً تُروى،
بل قلوبًا امتلأت خيرًا لأننا مررنا بها.
كم نحتاج إلى أمثال الشيخ حمد،
وكم نحن بحاجةٍ أن نقتدي به.
فلنكن ذاك الإنسان…
الذي يُخفّف ولا يُثقل،
ويُطمئن ولا يُربك،
ويترك أثرًا طيبًا أينما ذهب.
فما يبقى منّا في النهاية
ليس ما حملناه من ألقاب،
بل ما زرعته أفعالنا في قلوب الناس.
مسقط
31 ديسمبر 2025م
خالد الوردي
بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره ننعي وفاة صديقنا وشيخنا العزيز الأعز خميس بن راشد العدوي.
الذي وافته المنية مساء اليوم أثر سكتة قلبية.
سائلين المولى العلي القدير ان يتغمد الفقيد بواسع رحمته ويدخله فسيح جناته ويلهمنا ويلهم أهله الصبر والسلوان.
إنا لله وإنا إليه راجعون
أسلوب تعامله مع الناس عامة «فـهـو قليل الأدب»، أو قد تكون أنت كشخص غريب في بلد أجنبي تشعر بالحساسية والضعف أكثر من غيرك ولذا فقد تفسر كل تلك المواقف كعنصرية موجهه ضدك وهي لا تتعدى كونها غلاظة.
أما بالنسبة لماذا أعتقد أنه من الصعب الحكم إن كنت قد تعرضت بالفعل للعنصرية أم لا فهو لأن العنصرية قد تكون «مقنّعة» أحيانا. وفي هذه المواقف لا تستطيع أن تجزم إن كان الشخص الذي هاجمك حاقداً على بني جنسك ولا يريد رؤيتك في بلاده «فهو عنصري»، أم يكون مجرد شخص عادي يفتقر للأدب وذاك هو
لم أكن بذاك الوعي الذي يسمح لي بتجاوز مظهرهم لأرى جوهر إنسانيتهم بعيداً عن الشكل والدين واللباس واللغة. كنت أنتظر اللحظة التي أرى فيها من يشبهني لأتخذها صديقة وتلك اللحظة لم تأتِ. أبدا!
نظرتي السطحية للأصدقاء ساهمت هي الأخرى بانعزالي. كنتُ أنظر للمظهر الخارجي لزملائي في الصف فأراهم جميعا مختلفون عني أنا العربية المسلمة المحجبة. عيون ملونة وأخرى ضيقة صغيرة. شعور شقراء وحمراء وصفراء. ملابس كاشفة وأخرى قائمة.لغات غريبة وكلمات غير مفهومة.لا شيء يشبهني! على الإطلاق!
الحكاية أننا حددنا موعدا مع سمسار صيني لمعاينة «قبو» ملحق بفيلا منفصلة. نعم قبو! فقد وصـل بنـا اليـأس للعثور على سكن مناسب أن نبحث عن استئجار قبو، نحن القادمون من البيت العُماني الفسيح ذي الصالات الواسعة، والحوش الرحب، والمطبخ الذي يتسع لمراجل الضيافة.
وسرّني منظر الطلبة المستلقين للقراءة فوق البساط العشبي الممتد بين أبنية الجامعة، وعشقت منظر نافورة المياه الدائرية التي تتوسط الحرم، ومشهد الطلبة المتحلقين حولها إما للاسترخاء أو للمذاكرة أو لالتقاط الصور. وأحببتُ منظر الشمس من بعيد وهي تجاهد لتخترق كثافة الأشجار الموجودة
لم يقطع سيل وساوسي السوداوية إلا صوت مضيفة الطيران المشوش الذي لم أفهم منه كلمة سوى أن الطائرة حطت بسلام! كالملدوغ نهب واقفين بعد جرعة الأدرينالين الهائلة التي ضخها صوت المضيفة في شرايينا. نلملمُ أغراضنا بسرعة، ونزاحم الركاب مذرعين بالطفلين لنخرج سريعا من ضيق الطائرة التي لم نعد
ما زال يُنظر لشهادة الماجستير في مجتمعنا على أنها «ديكور» لا طائل منه –وخاصة للنساء الموظفات والأمهات على وجه التحديد– وعلى النقيض من ذلك يُنظر للدكتوراه على أنها مَفْخرة ليس للفرد فقط بل لقبيلته أيضاً، متناسيين في ذلك أن الدكتوراه لا تتأتى بدون ماجستير في غالب الأحيان!
نعم كنت أتخوف من المجهول القادم. أتخوف من أن أضطر للسفر وحدي بلا عائلتي، وأتخوف من تشتت الأطفال مع دراستي، ومن تحمل أعباء مادية طويلة المدى نتيجة هذا القرار، وأكثر من هذا وذاك كنت أتخوف من الفشل! وعند كل هذه المخاوف كنت أدعو سرًا –من وراء قلبي أحيانًا– ألا أحصل على القبول!