ودمعي ينحدر على خدي لا أذعنُ من شيء وقد تغيّرت طباعي؛ فصرتُ قاسيًا مع نفسي، صعب الخلق، جافيَ الطبع، شديد اللجاجة، سيّئ الطبيعة. والمرء مرآةُ نفسه، و﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾، فيعهدُ نفسه على حالٍ غير التي كانت، ويسأله كأنّه مكاشفٌ له: هل غيّركَ بعدي مُغيِّر؟
وقد ضاقت عليّ نفسي، وضاقت الأرض بما رحُبت، ولم أجد متنفّسًا أُبثّه ما نُفِث في صدري من همّ، وأطبقَ جوانحي من ضيق، فتركتُ لأقدامي أن تأخذني إلى حيث شاءت، وما أمسكني عن الشرود إلا ذاك الطائر فوق الأعمدة، وكأنه يتذرّى ممّا شجاه أو ضاق به.
وما دارت به الأرض ولا اتّسعه مكان إلا ليتّكئ
قريبًا مني، كأنّه عارفٌ بما بيني وبينه من وشيجة ووجعٍ يشبهُه، واستحييتُ من سفاهة ما شعرتُ، وتركتُ آمالي تعلّل نفسها بالأمانِي، وأطرقتُ إطراقَ الكئيبِ، صامتًا، متفكّرًا مَلِيًّا.
وما يزيدُ الهمّ وقعًا، والألم حدّة، أن لا مأوى للقلب، ولا حضنَ يأوي إليه حين تضيقُ عليه الدنيا؛ حضنٌ يشدّ من أزره إذا وَهَن، ويؤنسه إذا طالت وحدته، ويُطفئ عنه لهيبَ الضيق.
وهكذا المؤمنُ حين يبتليهِ الله، يَنكسرُ في خلوتِه، ويتجلَّدُ في علَنِه، فلا تراهُ العيونُ إلا وقورًا صابرًا، كأنَّما كُسِيَ من الوقارِ حُلَّةً، ومن الصبرِ تاجًا.
إنَّ المصائبَ -يا صاحبي- كالرياحِ العاتية، تَقصِفُ ضعيف الشجر وتُعرِّيه من ورقه للناظرين، وما تأثَّل من الشجر وصلُب ما تنال منه الرياح إلا أن ينحني انحناء الراكع في كبريائه، ثم ترجع منتصبةً شامخة انتصاب القائم من ركوعه.
آمنت أن البقاء في الأرض منافٍ للاستقرار، فطفتُ البلاد جيئةً وذهابًا دون غُرَّة بداية ولا حدَّ لوصول، وأن ركابي ستظل مرتحلة نائية بحثًا عن مكان يحمل معنى راحة آوي إليه أعتدتُ أن تكون الغربة متّصلة بذاكرة متشعبة لا تحمل أزمنة ولا أمكنة، وأنّ الأرض جميعها -باختلاف موقعها- وطنٌ آخر
مدُّ اليد في معونة المسلمين من أوثق عرى الدِّين، وبها تتحقَّق أُخوَّتهم وتُستجلب معونة ربِّ العالمين، قال النَّبيُّ ﷺ: "المؤمن أخو المؤمن، يكفُّ عليه ضيعته، ويحوطه من ورائه"، وقال: "والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه"، فأعينوا إخوانكم، وابذلوا لهم ما تقدرون عليه.