@3232Sab اللهم اغفر وارحم خالي الغالي مليك وارزقه جنه الفردوس ، عرفه الجميع بالبشاشة ونشر الفرح والمرح اينما يكون سخيا كريما معطاء يحب الخير للجميع كان محور الحديث في المجالس والأعياد لثقافته العاليه وعندما تجلس معه لا تمل من حديثه فشكرا أستاذ صابر على الإبداع في تجسيد سيرته العطره .
@3232Sab@abomyan رحم الله أبا نجيب وأسكنه فسيح جناته وجزاك الله خير أستاذ صابر على ما كتبت واجدت في مايجول في الخواطر والقلوب
وان رحل بقي ذكره وأثرة ويعلم الله أنني رأيت حديثه عندما التقيه كالبلسم للأرواح لصدقه وعفويته وانه من الذين عالقون في ذاكرتنا لايغيبون من دعاءنا 🙏
@3232Sab رحم الله خالي أبا نجيب الذي لم يكن معلّمًا يؤدي رسالة فحسب بل كان أثرًا من العلم ونموذجًا من الخُلُق وسيرةً طيبةً تستحق الخلود في ذاكرة الأوفياء
امتد عطاؤه التعليمي خارج حدود الوطن حاملًا رسالة العلم ومجسّدًا شرف المعلّم ونبل رسالته فترك في النفوس أثرًا لا تمحوه السنون
هامةٌ عالية وسجايا سامية
تتوارى الأسماء في زحمة الأيام، وتبقى المعاني شاهدة لا تغيب، فإذا اجتمعت في رجل صفات لا تُستعار، وأخلاق لا تُصطنع، صار ذكره كالنقش في الحجر، لا تمحوه صروف الدهر، فليس الفضل أن يُعرف المرء حين يكون بين الناس، بل أن يبقى معروفًا فيهم بعد غيابه، وأن يكون أثره أصدق من حضوره، وذكره أطول من أيامه.
وفي طليعة من حفظت القلوب جميل ذكرهم، يأتي الأستاذ مليك بن حامد بن مليك المحمدي، رحمه الله، رجلًا اجتمع في شخصه صدق القول، وثبات الموقف، ونبل الخصال، فكان له من عزة النفس ما يصون كرامته، ومن طيب المعشر ما يستميل القلوب، ومن صفاء السريرة ما يرسخ مودته في النفوس، حتى غدت مواقفه أبلغ من الثناء، وأخلاقه أصدق من كل وصف.
عرفه الناس حسن السمت، جميل الخلق، صادق اللهجة، ثابت الجنان، لا تبدله الأيام ولا تصرفه الأحوال إذا تقلبت، يعطي الناس أقدارهم ويحفظ لنفسه قدرها، يعرف للكلمة موضعها وللصمت حكمته، فإذا تكلم جاء حديثه واضحًا كالصبح، يجمع بين اعتداد الكريم بنفسه وتواضع العارف بحقوق غيره، فلا تحمله عزة نفسه على الجفاء، ولا تدفعه المودة إلى التفريط في مبادئه.
في ميدان التعليم كان له عطاء يدرك قيمته من يعرف أن المعلم يكتب في النفوس ما تعجز الأوراق عن حفظه، فقد يؤدي الدرس في ساعة وتبقى ثمرته أعوامًا، وقد يقول لتلميذه كلمة فتكون له عند الحيرة مصباحًا، وهكذا كان أبو نجيب يؤدي رسالته، يعلّم بعلمه ويربّي بخلقه، ويمنح طلابه من معاملته ما يحبب إليهم العلم، فإذا طويت الدفاتر وسكتت أجراس المدارس بقي من أثر المعلم ما لا تطويه الأيام.
كان لافت الطلعة، هادئ الحضور، له من حسن الهيئة وجمال السمت ما يجعله معروفًا بين أصحابه، فإذا أقبل استقبله الناس بألفة، وإذا جلس كان لحديثه طابعه الخاص، ولابتسامته أثرها في النفوس، لا يتكلف لفت الأنظار ولا يستعير مكانته من مظاهرها، فبعض الناس يستمدون مكانتهم من مجالسهم، وبعض المجالس تستمد مكانتها ممن يجلس فيها، وتلك منزلة تصنعها الأخلاق قبل أن تصنعها الألقاب.
ولعقاله على رأسه هيئة لا تخطئها العين، عالٍ عند مقدمة الهامة، مائل إلى الخلف ميلًا يسيرًا، في وضع مميز صار من صورته المألوفة، يزيد طلعته تفردًا ويمنحها مسحة من الأصالة، حتى إذا استعاد محبوه صورته حضر ذلك العقال في الذاكرة، كأن بينه وبين صاحبه عهدًا حفظته العيون ولم تنقضه السنون، فكان ميل العقال سمة في المظهر، وعلو الهامة عنوانًا للوقار، وبقي جمال السجية أعمق من جمال الهيئة.
أما صراحته فكانت من أبرز خصاله، يقول ما يراه حقًا بلسان واضح، لا يكسو الكلمة ثوبًا يغير معناها، ولا يجعل للموقف وجهين يختار منهما ما يرضي السامعين، فإن قال صدق، وإن وعد وفى، وإن اتخذ موقفًا ثبت عليه، وكان للكلمة عنده وزن لا يتغير بتغير المجالس، وللوعد عنده عهد لا تنقضه الأيام، فالصدق في طبعه كالجذر في الشجرة، تستمد منه أغصانها قوة الثبات ورسوخ البقاء.
غير أن هذه الصراحة لم تحجب طيب قلبه، فقد كان يعرف للمودة حقها، وللصحبة قدرها، وللمعروف أبوابه، يجمع بين عزة النفس ولين الجانب، وبين وضوح العبارة وحسن المعاملة، فلا يستعير القسوة ليكون قويًا، ولا يتنازل عن قناعته ليكون محبوبًا، ومن جميل طبعه أن المرء يستطيع أن يختلف معه ويبقى له عنده حق الاحترام، فالمودة أوسع من خلاف عابر، والصحبة أعز من أن تذهب بها كلمة.
من جالسه ألفه، ومن صاحبه عرف معدنه، ومن خالطه وجد في حديثه صدقًا وفي معاملته لطفًا، وكان للمجالس معه طعم يبقى بعد انفضاضها، وللصحبة ذكريات لا تذهب بذهاب أصحابها، لا يحتاج إلى استدعاء الثناء، فقد كانت أخلاقه تتحدث عنه، وما أجمل أن يكون للإنسان في القلوب نصيب من المحبة تصنعه معاملته، وأن يبقى له من الذكر الحسن ما تقوله الألسنة حين يغيب عن المجالس، فطيب الأثر يطيل عمر الذكرى بعد الرحيل.
مضت الأيام وبقي لأبي نجيب منها ما يستحق البقاء، طلاب يذكرون معلمهم، وأصحاب يحفظون وده، ومعارف تستعيد صورته ومواقفه، فما كل ما تحفظه الذاكرة أحداث عظيمة، فقد تحفظ ابتسامة أو طريقة سلام أو كلمة طيبة جاءت في وقتها، وربما كانت هذه التفاصيل الصغيرة أوسع في القلب من صفحات طويلة، لأنها تحمل دفء الإنسان كما عرفه محبوه، حتى يصبح استحضارها لقاء من نوع آخر، تحضره الذكرى ويغيب عنه الزمن.
رحم الله أبا نجيب، وغفر له، وأكرم نزله، وجعل علمه النافع نورًا له، وإحسانه رفعة في درجاته، وما غرسه من جميل الخصال في نفوس الأجيال أجرًا موصولًا لا ينقطع، وأفاض عليه من واسع رحمته وعظيم رضوانه، وجزاه عن طلابه ومحبيه خير الجزاء، وجمعه بمن أحب في جنات النعيم.
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صابر_المحمدي
صاحب الابتسامة والترحيب
للابتسامة الصادقة فجرٌ يطلع، فيبدّد من وحشة اللقاء ما تبدّده الشمس من عتمة الطريق، وللترحيب يدٌ تربّت على القلب فتؤنسه؛ قد تقصر لحظة اللقاء ويطول أثرها، ويسكن الصوت ويبقى صداه، وتغيب الملامح ويظل نورها ساريًا في الذاكرة؛ لأن البِشر إذا نبع من صفاء النفس غدا للقلوب ربيعًا، وللأرواح ظلًّا، وللمودة جسرًا تعبر عليه من غير استئذان.
بهذا الخلق الجميل عاش الأستاذ إبراهيم بن حمد بن سلوم المحمدي رحمه الله؛ إذا أقبل سبقته ابتسامته، وإذا رحّب ألبس اللقاء ثوب الألفة، وإذا صافحك أشعرك أن للمصافحة قلبًا ينبض، كان وجهه الطلق نافذةً تطل منها طيبته، وكلماته قطرات ودّ تهطل على النفوس فتزهر بها، حتى غدا حضوره أنسًا، وحديثه لطفًا، حتى غدا حضوره أنسًا، وحديثه لطفًا، وصار اسمه إذا مرّ بالذاكرة أعاد إليها دفءَ اللقاء ونضارةَ الابتسامة.
جمع رحمه الله بين البساطة والوقار، فكان قريبًا ممن حوله من غير تكلّف، مهيبًا من غير غلظة، يألفه من يلقاه وتطمئن إليه النفس؛ يصغي إلى محدثه باهتمام، ويمنحه ما يشعره بقيمة حديثه، ويختار من الكلام ما يفتح أبواب المودة ويغلق منافذ الجفوة، فإذا رأى زلّةً وسعها بحلمه، وإذا بلغه ما يكدّر الصفو غلبت سماحته غضبه؛ لأنه أدرك أن القلوب تُحفظ بالرفق، وأن العفو أكرم من الوقوف عند الهفوات.
من رحمة الله بعباده أن يودع في بعض القلوب رقةً تجعلها أسرع إحساسًا بآلام الناس، وقد كان أبو خليل قريب الدمعة، تهزّه المواقف الإنسانية، ويتألم لما يصيب الآخرين؛ إذا بلغه حزن رقّ له، وإذا رأى ألمًا تأثر به، كأن أوجاع الناس تجد في قلبه صدى، وفي عينيه دمعةً تبوح بما تضيق عنه الكلمات، ولم تكن دمعته ضعفًا، بل كانت برهان قلبٍ لم تقسّه الأيام ولم تغلق الرحمة أبوابه.
أما تواضعه فكان يمشي معه حيث سار، سجيةً لا تتبدّل؛ يوقر الكبير، ويرفق بالصغير، ويستقبل القريب والبعيد بالوجه نفسه والقلب نفسه، فلا يشعر أحد في حضرته أنه دون غيره قدرًا، ولا يرى في حديثه ما يوحي بأنه يتقدم بمنصب أو تجربة، فقد كان يمنح الإنسان حقه من الاحترام قبل أن يعرف ما عنده من جاه أو مال؛ لأن ميزانه في المعاملة قيمة المرء لا قيمة ما يملك.
تجاوز كرمه حدود كل مائدة تُمد أو عطاء يُبذل؛ فكان كريمًا في الإصغاء والوقت وحفظ الود، ربما قال كلمةً في موضعها فرفع خاطرًا، أو بسط وجهه لمهموم فخفف عنه، أو حفظ غائبًا بوفاء فصان للعشرة حقها، وهكذا كان عطاؤه ينساب هادئًا كماء صافٍ، لا يثير حوله جلبة، غير أن أثره يبلغ الأعماق ويترك في النفوس امتنانًا لا تذروه الأيام.
في الأبواء، بين أهله ومعارفه، مضت أيامه مرتبطًا بالمكان ارتباط الجذر بأرضه، يشارك أهله أفراحهم وأحزانهم، ويحفظ للقرابة حقها، وللصداقة عهدها، وللجيرة حرمتها؛ لم تكن صلته بهم حديث مناسبات، بل وفاءً تكشفه الأيام، وسؤالًا يصل في وقته، ومودةً لا تغيّرها المسافات ولا تشغل عنها الحياة، لذلك بقي اسمه في ذاكرة عارفيه مقرونًا بالصفاء وحسن الصلة وجميل الوفاء.
كان أبو خليل حاضر البديهة، سريع الخاطر، يلتقط المعنى من طرفه ويبلغ بجوابه صميمه؛ فإذا سُئل أشفى، وإذا أجاب كفى، يكسو المعنى الواضح عبارةً حسنة، ويضع الكلمة في موضعها، حتى ليخيّل إلى سامعه أن الجواب كان ينتظر السؤال، وقد جمع في ردوده بين سرعة الفهم وحسن البيان، فلا يطيل حيث يكفي الإيجاز، ويقرّب المعنى إلى قلب من يسأله.
تولّى إدارة بريد محافظة رابغ أعوامًا طويلة، غير أن المنصب لم يضف إلى قدره عند الناس بقدر ما أظهر ما فيه من أمانة واتزان؛ دخل الإدارة بأخلاقه وخرج منها بها، فلم تحجزه المسؤولية عن الناس، ولم تبدّل مكتسباتها سجيته، وبقي الرجل في موقعه كما عرفه أهله خارجه؛ باسم الوجه، قريب الجانب، يؤدي واجبه في هدوء، لا ينتظر ثناءً ولا يطلب التفاتًا.
جاء الأجل الذي كتبه الله على كل حي، فكانت المدينة المنورة خاتمة مطافه، وفي رحابها انتقل إلى رحمة الله، ثم ووري جسده في بقيع الغرقد؛ خاتمة يشرق منها حسن الرجاء، وتفتح في قلوب محبيه أبواب الدعاء، نحسبه من أهل الخير ولا نزكي على الله أحدًا، ونسأل الله أن يكرم نزله، ويؤنس وحشته، وينير قبره، ويجعل ما بثه في القلوب من مودة وما أدخله عليها من سرور في موازين حسناته.
رحل أبو خليل، وبقيت سيرته وديعةً في ذاكرة عارفيه؛ كلما مر اسمه أشرقت في الخاطر ملامحه، وعاد إلى النفس شيء من لطفه، فقد صنع من بشاشته صدقة، ومن تواضعه رفعة، ومن رحمته ظلًّا، ومن طيب معاملته عمرًا آخر لا تطويه السنون، رحم الله أبا خليل رحمة الأبرار، وأسبغ عليه شآبيب المغفرة والرضوان، وأسكنه فسيح الجنان، وجمعه بمن يحب في دار كرامته.
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صابر_المحمدي
من يعمل خير لا يعلّم به
إن الرحيل لا يأخذ الإنسان كله؛ فقد تغيب الملامح، ويسكن الصوت، ويخلو المجلس من صاحبه، ويبقى من جميل السيرة ما لا تقوى الأيام على محوه، ذكرٌ تألفه القلوب، ومواقف تستعيد بها الذاكرة أصحابها، وأثرٌ يجدّد في النفوس شيئًا من حضورهم كلما مرّت أسماؤهم على الألسنة.
للأبواء من رجالها أسماءٌ إذا مرّت في حديث أهلها لم تأتِ وحدها؛ جاءت معها صورٌ من أيام مضت، وملامح ألفتها العيون، وأحاديث أنست بها المجالس، وخصالٌ بقي عبيرها في القلوب، حتى يصبح الذكر الطيب صلةً خفية بين من رحل والمكان الذي عاش فيه.
تحتفظ ذاكرة الأبواء للشيخ علي حسن بن يوسف أبو جلي المحمدي رحمه الله بصورةٍ لم يبهتها الرحيل؛ لطفٌ في الحديث، وسهولةٌ في المعشر، وتواضعٌ لا تصنّع فيه، وابتسامةٌ ألفها من عرفه، حتى بقي ذكره مقرونًا بصورة رجل عاش بين أهله على سجيته، قريبًا منهم، عزيزًا في مودتهم.
أما حكايته مع الكرم، فلها باب أجمل ما يفتحه قول كان يجري على لسانه، ثم كشفت الأيام بعد رحيله كم كان يشبه صاحبه:
"من يعمل خير لا يعلّم به"
لم تكن عبارة يقولها أبو حسين ثم تمضي، بل كانت خُلُقًا عاشه؛ فالكرم عنده كان أوسع من مال يُبذل، كان كرم نفس قبل أن يكون كرم يد، يعرف للحاجة حرمتها، ولصاحبها كرامته، ويبذل ما يستطيع بقلب سمح، طالبًا ما عند الله، لا يجعل للعطاء قيمة في نفسه إلا بمقدار ما يحققه من خير.
لعل الحكمة الدارجة: "يا ليت لي عند الكرام دَين" تجد معناها في أمثال أبي حسين؛ فالكرام يحفظون الود، ويرعون الصحبة، ويذكرون الجميل، وكان في طبعه ميل إلى الوقوف مع الناس ومشاركتهم أحوالهم، يرى المروءة فعلًا قبل أن تكون قولًا، ويرى للصلة والمودة حقوقًا لا ينبغي أن تغيرها الأيام.
كان الخير عنده واسع الأبواب؛ مواساة في حزن، ووقوفًا مع صاحب حاجة، ووفاءً لصديق، وبذلًا لما يستطيع ابتغاء الأجر، يفعل ذلك بنفس سمحة لا تمنّ بما أعطت، ولا تنتظر ثناءً على ما صنعت، فقد كان يرى للناس حقوقًا تؤديها المودة، وللمعروف قيمة تزداد حين يصاحبه لطف يحفظ للإنسان قدره.
كان تواضعه يراه من عرفه في قربه من الناس، ولين حديثه، وسهولة مجلسه، لم تكن مكانته بين أهله تمنعه من أن يكون قريبًا منهم، يألف ويؤلف، ويستقبل من يلقاه بنفس طيبة، حتى كانت البساطة المحببة جزءًا من شخصيته، وكان حسن لقائه بالناس لونًا آخر من ألوان كرمه؛ فالإنسان قد يكرم بماله، وقد يكرم كذلك بكلمة طيبة ووجه يؤنس من يلقاه.
لابتسامته في ذاكرة من عرفه حضور لا يحتاج إلى مبالغة؛ كانت تليق بطبعه الهادئ ولطف معشره، وتمنح لقاءه شيئًا من الأنس، حتى إذا اجتمعت إلى تواضعه وسماحته اكتملت صورة الرجل الذي يجد الناس في قربه راحة، وفي حديثه لطفًا، وفي صحبته مودة.
كان وفيًّا للصحبة، حافظًا للمودة، يعرف للناس أقدارهم، ولا تمحو الأيام عنده جميلًا سبق، ولا تغير الأحوال ما استقر من ود؛ فالوفاء عنده لم يكن كلمة تقال في ساعة الصفاء، بل خُلُقًا يبقى مع الأيام، وحفظًا للصحبة، ورعاية لما بين الناس من ود.
رحل أبو حسين رحمه الله، وبقي في ذاكرة الأبواء ما ألفه أهله وأصحابه منه؛ لطف الحديث، وسهولة المجلس، والتواضع، وكرم النفس، والوفاء، ومواقف من الخير مضت أيامها وبقي أثرها، عاش قريبًا من أهله، يشاركهم أحوال الحياة بقلب سمح، فحفظت له القلوب مودته، وبقي ذكره الطيب كلما جرى في المجالس حمل معه شيئًا من جميل سيرته.
تبقى كلمته “من يعمل خير لا يعلّم به” مفتاحًا جميلًا لجانب من سيرته؛ قالها على سجيته، وعاش معناها في مواقفه، فبقيت بعده شاهدة على نفس رأت الخير عملًا يُبتغى به ما عند الله، لا حديثًا يُطلب به ما عند الناس.
رحم الله أبا حسين رحمة واسعة، وغفر له وأكرم نزله ووسّع مدخله، وجزاه عن كرمه ووفائه ومروءته، وعن كل خير قدّمه، وكل خاطر جبره، وكل معروف بذله ابتغاء وجه الله خير الجزاء، وجعل جميل عمله في ميزان حسناته، ونورًا له ورفعةً في درجاته، وأسكنه فسيح جناته.
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صابر_المحمدي
رجلٌ وسِعَ الناسَ قلبُه
ليس لكل محبةٍ في قلوب الناس تفسير؛ فمن الرجال من تألفه القلوب من أول لقاء، ثم تزيده الأيام فيها مكانةً كلما كشفت موقفًا من مواقفه أو خصلةً من خصاله، حتى يصبح الثناء عليهم حديثًا يجري على الألسنة بعفوية، في المجالس والمناسبات، في الأبواء وخارجها، لا يصنعه تكلّف ولا تستدعيه مجاملة.
هكذا عرف الناس العم محمد بن حامد بن مليك المحمدي رحمه الله؛ رجلًا على سجيته، قريبًا من النفوس، يأبى الحيف، ويكره الفرقة، ويحفظ للصحبة حقها، كريم النفس، بشوش الوجه، بقيت روحه فتيةً مع تعاقب السنين، فكان قريبًا من الكبير والصغير، وكانت مواقفه أصدق حديثٍ عن سيرته.
كان العدل عند أبي فهد خُلُقًا راسخًا، لا شعارًا يُرفع ولا كلمةً تُردَّد؛ فإذا رأى ضعيفًا ناله حيف، لم تمنعه قوة القوي من الوقوف معه، ولم تحمله العصبية على الميل عن الحق، بل كان ينحاز إلى المظلوم، ويزن الأمور بميزان الإنصاف، كأن نفسه قد جُبلت على أن ترى للضعيف حقًّا في النصرة، وللمظلوم حقًّا في أن يجد إلى جواره من يقول كلمة الحق، وهذه خصلة عرفها فيه من خالطه وشهد مواقفه.
كان اجتماع القلوب أحبَّ إليه من انتصار أحدٍ في خصومة؛ يكره الفرقة، ويضيق بما يباعد بين الناس، فإذا رأى خلافًا تمنّى زواله، وإذا وجد سبيلًا إلى التقريب بين النفوس سلكه، لا طلبًا لثناء ولا رغبةً في ظهور؛ فقد كان يدرك بفطرته أن كلمةً طيبةً في وقتها ربما أغلقت بابًا من الجفاء، وأن بقاء المودة خيرٌ من خصومة يخرج منها أحد الطرفين منتصرًا وتخرج منها القلوب متباعدة، فكان يميل إلى ما يجمع ولا يفرّق.
للصحبة عند أبي فهد قدرٌ لا يهون، وللخوي حقٌّ لا يضيعه؛ فإذا صحب رجلًا حفظ صحبته وصان مكانته، ولم يرضَ أن يلحقه حيفٌ أو يُنتقص من حقه، وكان وفيًّا لمن عرف، ثابتًا معه في المواقف التي تظهر فيها معادن الرجال، فالوفاء عنده لم يكن كلمةً تُقال في ساعة الصفاء، وإنما موقفٌ يُعرف عند الحاجة، ولهذا عرفه أصحابه رجلًا يحفظ الود، ويرعى العهد، ولا تتبدل مودته بتبدل الأحوال.
كان في أبي فهد شيءٌ جميل يزيده قربًا من النفوس؛ تقدمت به السن، ولكن روحه أبت أن تشيخ؛ فقد ظل محتفظًا بتلك النفس الشابة المرحة التي عُرف بها، يؤنس المجلس بعفويته، ويستقبل الناس ببشاشته، ويمازح هذا ويلاطف ذاك، فيجتمع فيه وقار الكبير وروح الشاب، ولم تكن السن حاجزًا بينه وبين الصغار، ولم يكن الوقار عنده عبوسًا أو انقباضًا، بل وقارًا تزينه البشاشة، وهيبةً يلطّفها حسن المعشر، حتى يألفه من يجالسه مهما تفاوتت الأعمار.
أما كرمه، فكان سخاء نفسٍ أكثر منه حديثًا عن سعة اليد؛ عاش مستور الحال، غير أن نفسه لم تعرف البخل، يعطي مما يجد، ويكرم بما يستطيع، ويستقبل ضيفه بوجهٍ طلق، فلا يجعل قلة الموجود عذرًا في إغلاق باب المروءة، وكأن الغنى عنده لم يكن في كثرة ما يملك الإنسان، وإنما في قلة ما يستكثره على الآخرين؛ فالكرم حين يكون طبعًا لا ينتظر وفرةً، ولا يحسب العطاء بما يبقى في اليد، وإنما بما يبقى منه في نفس صاحبه من رضا وسماحة.
اتسعت محبة أبي فهد بين أهل الديرة، وامتدت إلى من عرفه خارجها؛ لم تكن وليدة موقفٍ عابر ولا مجاملة مجلس، وإنما صنعتها الأيام على مهل، موقفًا بعد موقف وعشرةً بعد عشرة، حتى صار حضوره مما يؤنس المجالس، ولقاؤه مما يسر النفوس، واسمه مما يستدعي الثناء من غير تكلّف؛ فقد عاش كما هو، فتكفلت سيرته بأن تصنع له مكانته.
اليوم، حين يُذكر أبو فهد، لا يحتاج من عرفه إلى استدعاء كثيرٍ من الحكايات؛ فالسيرة الطيبة تختصر الطريق إلى أصحابها، ومواقف الرجل أصدق من كل وصفٍ يمكن أن يُقال فيه، والسنوات مهما امتدت لا تمحو من الذاكرة وجهًا ارتبط بحسن العشرة وطيب المعشر، وتلك منزلة تصنعها أيام طويلة من المعاملة الصادقة، حتى يصبح الثناء على صاحبها حديثًا يجيء من تلقاء نفسه.
ما أشدَّ الفقد حين يكون الراحل ممن ألفتهم المجالس والمناسبات الاجتماعية، حتى صار حضورهم جزءًا من أُنسها؛ تمر المناسبة التي كان أبو فهد من وجوهها المألوفة، وتنعقد المجالس التي عرفت روحه وبشاشته، فتستيقظ الذاكرة من غير موعد، ويجيء اسمه مصحوبًا بصورة الرجل كما عرفه الناس؛ بسيطًا، سمحًا، قريبًا من القلب، وعندها ندرك أن بعض الرجال يكتبون أسماءهم في مكانٍ لا تصل إليه يد النسيان، قلوب الناس.
رحم الله أبا فهد، العم محمد بن حامد بن مليك المحمدي، رحمةً واسعة، وأكرم نزله، وجعل جميل ما قدّم وحسن ما عُرف به في ميزان حسناته، وجزاه عن سيرته الطيبة وأثره الحسن خير الجزاء.
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صابر_المحمدي
رحل معلمنا… وبقي أثره
بعض أخبار الرحيل لا تمر على القلب كما تمر سائر الأخبار، بل تدخل إليه مثقلةً بسنوات العمر كلها، توقظ ما نام من الذكريات، وتفتح أبوابًا حسبنا أن الزمن قد أغلقها، حتى إذا بالوجوه القديمة تعود، وبالأصوات البعيدة تقترب، وبأيام الطفولة تنهض من مرقدها دفعةً واحدة، ثم يقف الإنسان أمام اسم عزيز انتقل من قائمة الأحياء إلى سجل الراحلين، فيشعر أن الرحيل لم يأخذ منه إنسانًا عزيزًا فحسب، بل أيقظ في قلبه عمرًا كاملًا من الذكريات التي حسب أنها نامت إلى الأبد.
هكذا وقع في نفسي نبأ رحيل معلمنا ختمي بن مرعي المحمدي رحمه الله، فما إن بلغني الخبر حتى عادت بي الذاكرة عشرات السنين إلى الوراء، إلى مدرسة ابن القيم الابتدائية بالأبواء، وإلى تلك الأيام التي كنا فيها صغارًا نجلس أمام معلمنا، لا نحسب للعمر حسابًا، ولا ندري أن أيامًا نعيشها ببساطتها ستصبح بعد كل هذه السنين من أعز ما بقي لنا في الذاكرة.
كان الأستاذ ختمي رحمه الله معلمنا في الصف الرابع الابتدائي، فدرسنا على يديه التربية الإسلامية، ثم تجدد لقاؤنا به في الصف الخامس معلمًا للغة العربية، فكان بصبر المعلم وأناة المربي يقرب إلينا ما استغلق علينا، ويتابعنا بعناية، ويأخذ بأيدينا في طريق العلم والتعلم.
لم نكن نعرف يومئذ قيمة تلك الأيام، فالصغير يستعجل غده، فإذا جاء الغد وكبر أخذ يفتش عن أمسه ويتمنى لو عاد إليه ساعة، كنا نجلس إلى معلمنا نتعلم الحرف والكلمة والمعنى، وما خطر لنا أن يأتي يوم نجمع فيه الحروف التي علمنا إياها لنكتب بها كلمات وداعه، ثم نكتشف أن اللغة التي اتسعت لنا يومًا للدرس والتعبير قد ضاقت اليوم عن وصف ما تركه الرحيل في نفوسنا.
مضى ذلك العام بما حمله لنا من علم وذكريات، وانتقلنا إلى الصف السادس، وانتقل الأستاذ ختمي إلى ميدان آخر من ميادين التربية، فباشر عمله وكيلًا لمدرسة الأبواء المتوسطة والثانوية، وكان انتقاله من الفصل إلى الإدارة انتقالًا في المكان لا في الرسالة، فقد حمل معه هدوء المعلم وحكمة المربي وحسن التعامل، وظل قريبًا من الطلاب، يعرف للحزم موضعه وللين موضعه، حتى أمضى سنوات طويلة في التعليم والتربية والإدارة، ثم طلب التقاعد بعد رحلة من العطاء.
مضت السنون، وخرجنا من المدرسة إلى الحياة، وسلك كل واحد منا طريقه، وتغيرت الوجوه والأماكن، وأصبح أطفال الأمس رجالًا، لكن صورة المعلم بقيت في مكانها، فالمعلمون الذين عرفتهم طفولتنا لا يكبرون في الذاكرة كما نكبر، نظل نراهم بالصورة الأولى والصوت الأول والهيبة الأولى، فإذا ذُكرت أسماؤهم عاد إلينا شيء من أعمارنا معهم.
مضت بالأستاذ ختمي الأيام، ثم أصابه عارض صحي ظل يعاني منه حتى بلغ الأجل منتهاه وانتقل إلى رحمة الله، وحين جاء خبر رحيله انفتحت في الذاكرة أبواب تلك الأيام البعيدة، فعاد الفصل، وعادت المقاعد، وعادت السبورة، وعدنا نحن أولئك الصغار الذين كانوا يجلسون أمام معلمهم، كأن عشرات السنين قد انطوت في لحظة واحدة.
لقد كبرنا نحن تلاميذه، ومضت بنا السنون، وتفرقت بنا دروب الحياة، حتى غدونا رجالًا يحمل كل واحد منا هموم عمره وحكايات أيامه، غير أن في قلب كلٍّ منا طفلًا أبقته الذكرى على حاله، لم تكبّره السنون، ما زال يعرف طريقه إلى ذلك الفصل، ويذكر مقعده، ويرى السبورة أمامه، ويسمع صوت معلمه كأن السنين لم تمضِ، ثم يفيق من دفء الذكرى على حقيقة موجعة، أن ذلك المعلم الذي يراه حيًا في ذاكرته قد غاب عن الدنيا.
أي حزن أشد على القلب من أن يأتي يوم يرثي فيه التلميذ معلمه؟ بالأمس كنا نجلس أمامه في مقاعد الدراسة، نصغي إلى شرحه، ونكتب ما يمليه علينا، واليوم نجمع الحروف التي علمنا إياها لنكتب اسمه مقرونًا بالرحمة، بالأمس كانت أعيننا الصغيرة ترتفع إليه أمام السبورة، واليوم ترتفع أكفنا إلى السماء نسأل الله له المغفرة والرحمة، كأن عشرات السنين التي تفصل بين ذلك المقعد وهذه الكلمات لم تكن إلا حصة قصيرة انتهت، فكبر التلاميذ، وغاب المعلم، وبقي الدرس.
رحمك الله يا أبا مرعي، ورحم الله خطوات مشت في ممرات المدرسة أعوامًا، ويدًا كتبت على السبورة فمُحي ما كتبت وبقي أثر ما علّمت في العقول، وصوتًا طالما سمعناه يشرح ويعلّم ويقوّم، وقلبًا حمل أمانة التربية والتعليم حتى أدى رسالته.
لقد غاب المعلم، وكبر التلاميذ، وطُويت صفحة من أيامنا الجميلة، لكن في ذاكرتنا فصلًا لن يشيخ، وسبورةً لن تغيب، ومعلمًا سيبقى واقفًا هناك ما بقي في العمر بقية.
اللهم اغفر لمعلمنا ختمي بن مرعي المحمدي وارحمه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، وأنر قبره، وآنس وحشته، واجزه عن طلابه خير الجزاء، واجعل ما بثه من علم وما غرسه من خير في موازين حسناته.
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صابر_المحمدي
حين يكون المعلّم مدرسةً
للعلم رجالٌ يتركون أثرهم في العقول قبل الدفاتر، وفي الأخلاق قبل الشهادات، فإذا جرى ذكرهم لم نستحضر أسماءهم وحدها، بل عادت معهم سنواتٌ كاملة من العمر؛ بما فيها من براءة البدايات، وشوق التعلّم، ووجوه الزملاء، وهيبة المعلّم، والذكريات التي لا يبهت لونها مهما تعاقبت السنون. ومن أولئك الذين ارتبطت أسماؤهم في نفوس أبناء الأبواء بالعلم والتربية الأستاذ الفاضل حمدي بن حمادي بن سلوم المحمدي رحمه الله، الذي أمضى سنواتٍ من عمره معلِّمًا في مدرسة ابن القيم الابتدائية بالأبواء، وانفضّت تلك الصفوف منذ أعوام، وما زال كثيرٌ من طلابها يذكرون معلّمهم بكل محبة وامتنان.
إذا وقف في فصله بدأ حديثه في هدوء، ثم أخذ يقرّب المعنى إلى طلابه بأسلوبٍ واضح، فلا يضيق بسؤال، ولا يمل من إعادة البيان، حتى تتكشف الفكرة في الأذهان، فإذا تناول التاريخ ربط الأحداث بأسبابها ونتائجها، وإذا شرح الجغرافيا وصل بين الخرائط وواقعها، وربط أسماء البلدان والجبال والبحار بما يعين على فهمها واستقرارها في الذاكرة، حتى يخرج الطالب من الدرس وقد ازداد فهمًا، لا حفظًا فحسب.
أما العربية، فقد كانت رفيقة حديثه ودروسه، وقد تولّى تدريسها زمنًا، فازدادت صلته بها رسوخًا، يحفظ من الشعر ما يروق لفظًا ومعنى، ويستشهد به في موضعه، ويقف عند الإعراب وقفة المتمكن، ويضبط الألفاظ ضبطًا دقيقًا، ولم يكن يقف بطلابه عند حدود المقرر؛ بل كان يفتح لهم أبوابًا أخرى، فيذكر كتابًا نافعًا، أو شاعرًا مجيدًا، أو حادثةً تاريخية، فيخرج الطالب من حصته وقد حمل سؤالًا جديدًا، أو رغبةً في كتاب، أو شوقًا إلى معرفةٍ تمتد إلى ما وراء صفحات المقرر.
وكان له مع القرآن صحبةٌ لا تنقطع؛ لا يكاد يترك ورده اليومي من كتاب الله. وكانت إذاعة القرآن الكريم رفيقة يومه، يأنس بتلاوتها، ويجد في آياتها سكينةً تملأ قلبه، حتى غدت جزءًا من عاداته التي عرفه بها من خالطه، ولم يكن ذلك مما يتحدث به، وإنما سلوكٌ هادئ لازم حياته، فانعكس على سمته، وهدوء طبعه، ولين جانبه، وحسن معاملته للناس.
ولم يكن أثره في طلابه ثمرة شرحه وحده؛ فقد كانت أخلاقه تسير إلى جانب علمه. ربّى بهدوئه قبل حديثه، وبابتسامته قبل نصيحته، وبحسن معاملته قبل توجيهه. عرفه طلابه هادئ الطبع، حسن المعاملة، عادلًا في تعامله، قريبًا من النفوس، يوجّه برفق، ويغرس القيم بسلوكه قبل كلماته، فكانت أخلاقه درسًا لا يقل أثرًا عن الدروس التي ألقاها.
وخارج أسوار المدرسة، عُرف أبو حسني وفيًّا في صداقته، حافظًا للود، جميل العشرة، متواضعًا قريبًا من الناس. عرف للصحبة حقها، وللمودة قدرها، وكانت الزيارة عنده لغةً من لغات الوفاء؛ يصل بها من يحب، ويؤنس بها من يزور، ويجدد بها عهود المودة. فلا تكلف في مجلسه، ولا تصنع في حديثه، وإنما وجهٌ بشوش، وكلمةٌ رقيقة، وتواضعٌ يرفع صاحبه في القلوب قبل المجالس.
لهذا لم يكن حضوره في ذاكرة طلابه وأصحابه مرتبطًا بحصةٍ دراسية، أو مجلسٍ عابر، بل بصورة إنسانٍ أحبوه لخلقه كما أحبوه لعلمه. فإذا اجتمع بعضهم، أو دار الحديث عن مدرسة ابن القيم الابتدائية بالأبواء، عاد اسمه حاضرًا بينهم، وكأن المجلس لا يكتمل حتى يكون له فيه ذكر؛ يبتسمون وهم يستعيدون أيامًا جمعتهم به، ويتحدثون عن هدوئه، ولطف عبارته، وحسن استقباله لطلابه، ثم يمضي الحديث، ويبقى اسمه آخر ما يغادر المجلس. ومهما تباعدت الأيام، وتعاقبت السنون، بقيت صورته في القلوب على صفائها الأول؛ فلم تستطع السنون أن تبهت ذكره، ولا أن تنزع من النفوس تلك المودة الصادقة التي غرسها بحسن خلقه، ولطف معاملته، وتواضعه الذي عُرف به.
وأجمل ما يتركه الإنسان بعده ذكرٌ يبتسم له الناس كلما ذُكر، ويدعون له كلما مر اسمه على ألسنتهم. ظل الأستاذ حمدي حاضرًا في الدعوات، وفي الأحاديث، وفي الذكريات الجميلة التي يأنس بها من عرفوه، حتى غدا ذكره بابًا يُفتح على زمنٍ يحن إليه أصحابه كلما أقبل الحديث عن أيام الدراسة.
رحم الله أستاذنا الجليل أبا حسني رحمةً واسعة، وأكرم نزله، ووسّع مدخله، وجعل ما علّمه من علم، وما ربّى عليه من أخلاق، وما غرسه من قيم، وما حفظه من ود، في موازين حسناته.
اللهم أفض عليه من واسع رحمتك، واجعل القرآن العظيم شفيعًا له، واجعل ما تركه في نفوس طلابه ومحبيه نورًا يجري له أجره، وارفع درجته في عليين، واجمعه بالنبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وأكرم نزله في جنات النعيم، إنك ولي ذلك والقادر عليه.
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صابر_المحمدي
المربّي المصلح
في الناس صفحاتٌ تُروى، إذ تتكفّل آثارُ أصحابها بالتعريف بهم، وتنطق أعمالُهم بما كانوا عليه. ومن تلك الصفحات ما يستحق أن يُستعاد؛ لما فيه من معاني الصدق، وحسن السمت، ولطف المعاملة. وهذه صفحةٌ لرجلٍ عاش بين الناس قريبًا منهم، نافعًا لهم، تُرى آثارُه في من عرفه، وتبقى ذكراه فيمن خالطه.
هو الأستاذ مصلح بن محمدصالح بن عمير المحمدي رحمه الله، رجلٌ استقامت له الملامح، وحسُن به الذكر، وعُرف بين الناس بما ظهر من سمته، وثبت من أثره. عاش سهلَ الخلق، طيّبَ المعشر، قريبًا من القلوب، لا يتكلّف وُدًّا، ولا يتصنّع خُلُقًا، بل جُبل على اللين، ونشأ على الصفاء.
نشأ على الكفاح، يجمع بين التعلّم والعمل، ويأخذ نفسه بالجدّ والصبر، حتى استقام له طريقه، فدخل ميدان التعليم معلّمًا متقنًا، ثم تولّى الإدارة، فقام بها قيامَ المربّي الناصح، لا مجرّد الموظف المؤدّي. وكانت بدايةُ تعيينه معلّمًا في غران، ثم انتقل إلى البخترية، ثم استقرّ به المقام في مستورة، فباشر فيها عمله، وأقام على رسالته، حتى ختم خدمته بالتقاعد، بعد سنواتٍ ملأها عطاءً وتربيةً وأثرًا. وكان يرى التعليم رسالةً تُؤدّى، لا وظيفةً تُقضى، فكان يُقدّم تهذيب النفوس على إلقاء الدروس، ويجعل من الأدب أساسًا يُبنى عليه العلم، فينشأ الطالب على خُلقٍ قبل معرفة، وعلى سمتٍ قبل مهارة.
وكان رحمه الله سهل اللقاء، بشوش المحيّا، إن تكلّم أقبلت عليه الأسماع ثقةً وطمأنينة، لما يجدونه في حديثه من صدقٍ وهدوء، ومن تجربةٍ تُهذّب العبارة، وتُقوّم المعنى.
إذا جالسته وجدت في كلامه فائدةً لا تُثقل، وحكمةً لا تُتكلّف، كأنها خرجت من قلبٍ جرّب، لا من لسانٍ تكلّف. وكان إذا حدّثك استرسلت معه، لا تُحسّ بطول، ولا تجد في حديثه ملالًا؛ يسوق القصص في مواضعها، ويُقرّب المعاني بأسلوبه، حتى يخرج السامع وقد أصاب فائدةً، واستحسن عبارةً، واطمأنّ قلبًا.
ولم يكن المسجد عنه ببعيد، بل كان من أوائل مواضعه، يؤمّ الناس حينًا، ويُعنى بشعائره عنايةَ المحبّ الموقّر؛ حتى ليبادر إلى الأذان أحيانًا، فيسبق إليه، لا تكلّفًا ولا طلبًا لظهور، ولكنها نفسٌ تألف الطاعة وتأنس بها.
وكان يجعل ما في يده وسيلةً للنفع، لا حظًّا يُستأثر به، فيُعين المحتاج، ويجد في البذل راحةً، وفي العطاء سعة، وكان في حبّه للخير يؤثر غيره على نفسه. وكان قلبه رحبًا، يتّسع للناس جميعًا، يُحب لهم الخير، ويحزن لحزنهم كأنه حزنه، فيواسي هذا، ويقضي حاجة ذاك، ويعفو عمّن أساء، فلا يُعرف عنه شدّةٌ في غير موضعها، ولا غلظةٌ تُنفر، بل لينٌ يُؤلّف، وحِلمٌ يُصلح.
وكان يرى الدنيا على حقيقتها، عابرةً لا مُقامة، فيأخذ منها ما يُقيمه، ويترك ما يُثقله، وربّى أبناءه على هذا المعنى، فذكّرهم بحسن الاستعداد، وغرس فيهم تعظيم الصلاة، وحسن التعلّق بالله. وكان يصل الرحم، ويزور المريض، ويعطف على الضعيف، حتى إذا اشتدّ عليه المرض، لم يفارقه ذكر الصلاة، ولم يغب عنه تعظيمها، وقلبه معلّقٌ بالصلاة ما بقي فيه نَفَس.
فلما قضى الله أمره، حزن عليه من عرفه، وذكره من عرفه، وبكى عليه أهلُ مستورة ودعوا له، وشاركهم في الدعاء من العمالة الوافدة، إذ لم ينسوا إحسانه، فدعوا له وأثنوا على سيرته. وقد صُلّي عليه في المسجد الحرام، فكان في ذلك شرفُ مقامٍ، وحسنُ ختام.
مضى رحمه الله، وبقي أثره؛ غاب شخصه، وبقي ذكره، وانقضى عمره، واستمرّ نفعه. فتلك صورةُ مربٍّ مصلح، يُتعلّم منها أن التربية خُلُقٌ قبل أن تكون علمًا، وعملٌ يُرى قبل أن يُقال.
رحم الله أبا أمين، وجعل ما قدّم في ميزان حسناته، وأبقى له في القلوب ذكرًا طيبًا، وفي الأعمال أثرًا كريمًا.
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صابر_المحمدي
صمت وحكمة
في الناس رجالٌ لا تُعرّفهم العناوين، بل تُعرّفهم القلوب حين تذكرهم؛ يمرّون هادئين كما تمرّ النسمة على صفحة الماء، لا تُحدِث شقًّا، ولكنها تترك في صفائه أثرًا لا يُنسى.
هؤلاء لا يرفعون أصواتهم ليُرى حضورهم، ولا يستعيرون من الصخب ما يلفت الأنظار؛ لأنهم يعرفون أن الحضور الحقيقي ينبع من الداخل، حيث تسكن النيّة الصادقة، لا من الخارج حيث ترتفع الأصوات وتسقط.
وهكذا كان الشاعر عطية الله بن سالم أبو طلب المحمدي — رحمه الله —؛ هدوءٌ يمشي إلى القلوب قبل أن تراه العيون، وحضورٌ يُعرَف بالأثر لا بالصوت.
كان صمته دفئًا، لا برودًا؛
وهدوؤه أنسًا، لا انسحابًا.
إذا جلس، شعر الجالسون أن الحديث نفسه صار ألطف،
وأن المجلس اكتسب وقارًا لا يُرى، ولكن يُحَسّ كما تُحَسّ السكينة حين تزور القلب فجأة.
نشأ شاعرًا قبل أن يكتب الشعر؛ فالشعر في أصله رحمةٌ بالناس، ووفاءٌ لا ينتظر الشكر، وبصيرةٌ ترى الجمال في البساطة كما تراه في البهاء.
كان يزن العلاقات بميزان لا يخطئ، ميزان القلوب التي تتذكّر المعروف، وتحفظ العِشرة، وتعرف أن الإنسان لا يُقاس بما يأخذ، بل بما يعطي.
وكان من خُلُقه أن يَرقّ لما يتصدّع بين القلوب.
إذا سمع بخلاف، جاءه على أطراف الرفق؛ لا يُكثر العتاب، ولا يرفع الصوت،
بل يفتح للكلمة بابها، ويترك للسكينة أن تُكمل ما بدأته الحكمة.
كم من نارٍ خفيّةٍ خمدت
حين جلس إلى أطراف الخلاف، فسمع قبل أن يتكلّم، وجمع القلوب قبل أن يجمع الكلمات، وكم من قلوبٍ متباعدةٍ تقاربت
لأنه عرف موضع الجرح، فأصاب موضع الدواء، حتى بدا أن اللقاء لم يكن ينتظر كلمةً رفيقة فحسب، بل رجلًا يُحسن الإصغاء، ويعرف متى يقول، ومتى يكون الصمت أبلغ من القول.
الصمت عند هؤلاء حكمة وبلاغ؛
يبلغ القلوب من غير صوت،
ويُقيم المعنى حيث تعجز الكلمات.
وهكذا كان أبو الحسن، خفيف الحضور على الناس،
عميق الأثر في نفوسهم؛ لا يملأ المكان بصوته، ولكنه يترك في القلوب مقامًا لا يُنسى.
يمشي في الحياة على مهل،
كأن الطريق يتعلّم من خطواته الصبر.
وأما شعره، فلم يكن زينة مجالس، ولا صدى فراغ؛ بل همسًا يجيء من الداخل، فتُصغي له النفوس.
هو شاعر الكسرة التي تبحث عنها الروح لتطمئن، وشاعر العرضة التي تجعل الكلمة قوةً أخلاقية، تنهض النفوس،
وتبقى على جلالها بلا صخب.
وكان بعيد النظر؛ يرى العواقب قبل أن تتشكّل، ويعرف أن الحكمة لا تُورث بالعمر وحده، بل بالصبر على التجارب.
لذلك كانت كلمته تشبه نصيحة أبٍ يحب؛ تدلّ، ولا تدفع، وتقنع، ولا تُكره.
ثم جاء الغياب…
ذلك الضيف الذي لا يستأذن،
غير أنه — حين يزور بعض الناس — لا يُطفئ حضورهم، بل يوقظه في الذاكرة.
رحل أبو الحسن وهو صائم،
فبدت الخاتمة امتدادًا للبداية، طهارةٌ في السريرة، وسكينةٌ في الطريق إلى الله.
ولم يطوِ الغياب الذكرى؛ بل كشفها، كما يُكشف الغطاء عن كنزٍ قديم.
كان حضوره يمشي في الأشياء بهدوء، حتى بدا — مع الزمن — أن الهدوء نفسه شريعةٌ تهتدي بها القلوب.
لم يكن أثره كلماتٍ تُروى،
بل خُلُقًا — إذا ذُكر اسمه —
وقف الناس في قلوبهم احترامًا.
وبقي الشعر شهادةً لا تحتاج إلى تصديق.
رحمه الله رحمةً تُحيط بما قدّم، وتبلُغ ما لم نعلم من خبيئة عمله.
لقد عاش — كما تعيش الحكمة — قليلَ القول، عميقَ الدلالة،
وترك وراءه نورًا لا ينطفئ بمن غاب، لأنه من نور ما عند الله.
اللهم اغفر لأبي الحسن وارحمه، واجعل قبره روضةً من رياض جنتك، وارفع درجته في عليين، واجعل أثره الطيب شفيعًا له،
وأنزل على قلوب أهله وأحبته
سكينةً وطمأنينة —
إنك سميع قريب مجيب.
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صابر_المحمدي
مع خالص الشكر للأخ الاعلامي المتميز صابر المحمدي ،وهو من ابناء الابواء الأوفياء ، وقد كتب عن عدد من رجالات الابواء فأحيا ذكرهم وذكّر بهم الأجيال الحالية ، مع اطيب تمنياتي له بالنجاح والتوفيق .
سيرةٌ يصوغها العطاء
في حياة الأمم رجالٌ لا يشبهون الفصولَ التي تأتي وتمضي؛ بل يشبهون الجبال التي تُرى حيثما التفتّ، ويُستدلّ بها على الطريق وإن غابت الشواهد. هؤلاء لا يطلبون الذكر، لأن الذكر يأتيهم، ولا يسألون المجد، لأن المجد يعرف عنوانهم. يولد أحدهم كغيره من الناس، ثم تمضي الأيام، فإذا به ميزانٌ للمعاني، يعلّم الناس ما هو العطاء، وما هو الوفاء، وما معنى أن يعيش الإنسان للإنسان.
وإذا رجعنا إلى التاريخ الصادق — لا الذي يُكتب بالحبر، بل الذي يُكتب بالأثر — وجدنا أن الأمم لا تنهض بالمتكلمين، بل بالعاملين؛ ولا تعتزّ بمن يرفعون الشعارات، بل بمن يرفعون الحياة نفسها درجات. وهناك يبرزُ اسمٌ لم يطلب الصدارة، ولكن أفعاله دفعت به إليها، حتى صار ذكره جزءًا من ذاكرة المكان.
وهنا تقف الأبواء — في هذا اليوم المبارك — لتقرأ من صفحات وفائها، لقد مرّ بها رجلٌ، فلم يترك خلفه كلامًا يُحفظ، بل ترك واقعًا يُرى؛ ذلك هو السيد عوض بن أحمد النهاري — رحمه الله — الذي علّم الناس أن الخير إذا اقترن بالعقل صار عمرانًا، وأن الرحمة إذا سكنت قلب التاجر صارت عدلًا، وأن الصمت حين يصحب العمل يتحوّل إلى لغة يفهمها الجميع.
كان من أوائل من فتحوا باب العمران الحديث في الأبواء؛ لا كمن يضع حجرًا فوق حجر، بل كمن يقيم مع الحجر عقلًا، ومع السقف طمأنينة. يقرأ الحاجة قبل أن تُقال، ويُدرك الخلل قبل أن يقع، ويقدّم مصلحة الناس واجبًا ينهض به دون منّة.
ورجلُ الأعمال هذا — وإن اتسع رزقه — لم يجعل بينه وبين الناس حجابًا؛ يُنظر المعسر، ويُمهل المحتاج، ويجعل من الإمهال مروءةً قبل أن يكون معاملة. كم من أسرةٍ ثبتت حين أوشكت أن تتداعى، وكم من شابٍّ نهض حين كادت الأعذار تُسقطه، وكان خلف ذلك قلبٌ عرف أن المال خادمُ الإنسان لا سيّدُه.
ثم تجاوز عطاؤه باب الرزق إلى بناء الإنسان نفسه؛ وظّف، وعلّم، وصقل، وغرس فيمن حوله أن القوة لا تُفصل عن الأمانة، وأن الحزم لا يُناقض الرحمة، وأن الهيبة تُكتسب بالفعل لا بالصوت. وهكذا خرج من تحت يده رجالٌ يعرفون أن الجدّ ليس خشونة، وأن المسؤولية ليست قسوة.
أحبّ الأبواء، فأحبّته الأبواء. لم تُغره الفرص البعيدة، لأن البقاء عنده كان قربًا من الواجب، لا قصورًا في الحظ. وكان الناس يشهدون بذكائه وتجربته، دون أن يُطفئ ذلك إنسانيته أو يقطع خيط الخير من يده.
وقبل أن تُنشأ المؤسسات الخيرية، كان اسمه — وحده — مؤسسةً تمتد إلى القلوب؛ يسدّ حاجة المحتاج، ويرمّم الطريق, ويبني المسجد، ويكتب في صمتٍ صفحةً جديدة من صفحات البر. فالخير عنده لم يكن موسمًا، بل طريقَ عمرٍ كامل.
أما مجلسه فكان بابًا مفتوحًا على الدوام؛ من دخله وجد بشاشةَ الوجه، وسخاءَ اليد، وسكينةَ الجلسة، يجلس الضيف وصاحب الدين وصاحب الحاجة، فيخرج كلٌّ منهم وفي قلبه نصيب من الطمأنينة.
ختم عمره عملًا للناس؛ هيّأ تسوير المقبرة التي كانت مثواه، وأشرف على المسجد الذي خرج منه إلى ربّه. ثم طُويت صحيفته في آخر ساعةٍ من يوم الجمعة؛ فبقي الأثر شاهدًا، وبقي الدعاء ممتدًّا بعد الرحيل.
اللهم اغفر له، وارحمه، واعفُ عنه، وأكرم نزله، ووسِّع مدخله، واجعل قبره روضةً من رياض الجنة، واجمع له بين رحمتك ومغفرتك ورضوانك.
اللهم اجعل ما قدّم من خيرٍ في موازين حسناته، وارفع درجته في عليّين، واجعل أثره صدقةً جاريةً لا تنقطع.
اللهم اجعل لنا وله نصيبًا من عفوك، ولا تحرمنا أجر الدعاء، ولا تفتنّا بعده، واغفر لنا وله ولسائر المسلمين.
إنك سميع قريب مجيب الدعوات.
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صابر_المحمدي
حين يكون الخير تجارةً مع الله
في الناس رجالٌ لا تُعرّفهم الألقاب، ولا تصنعهم المناصب، وإنما تصنعهم القلوب حين تصدق، وتخلّدهم الأفعال حين تصمت الأسماء. يمرّ أحدهم هادئًا كالغيث الخفي، لا يُرى وهو ينزل، ولكن تُرى الأرض بعده حيّةً نديّة، ويُعرف قدره حين يوقظ ما حسبه الناس قد مات.
والشيخ عطية بن مرشود أبو كيلة المحمدي – رحمه الله – كان من هذا الصنف النادر؛ يمشي متواضعًا، خفيف الخطى، ثقيل الأثر، صامت اللسان، ناطق العمل. لم يرَ الحياة ميدانَ ظهور، بل ميدانَ أمانة، ولم يحصِ أيامه بما أخذ، بل بما أعطى.
كانت الأبواء في قلبه رسالة، وفي أهلها وديعة، وفي مرضاهم أمانة، وفي صغارهم بذور غد. فسعى إليهم سعي الأب الحاني، لا المتفضّل المتعالي، وبنى الإنسان قبل المكان، وغرس الإيمان قبل العمران.
أسهم في حلقات تحفيظ القرآن، يراها حصونًا تُبنى في القلوب قبل الجدران، وفرح بالطفل يحمل المصحف كما يفرح الزارع بأول سنبلة. وكان للدعوة نصيب كبير من همّه، فحرص على إحضار الدعاة، ليجعل من الأبواء منبرًا للنور، لا لموعظة تُسمع وتُنسى، بل لعقيدة تُغرس وتُثمر.
وسعى لمركز صحي وطريق ومدارس، لأنه رأى في الصحة رحمة، وفي الطريق حياة، وفي العلم شمسًا لا تغيب.
وفي الخلاف كان طبيبًا للجرح، يضمّده بالحكمة، ويشدّه بالعدل، ويسكبه بالصبر، حتى تهدأ النفوس وتلتقي القلوب. وساهم في عتق الرقاب وإعفائها من القصاص، يرى في العفو فجرًا بعد ليل، وفي الصفح قوةً أعلى من كل سيف.
وكانت زياراته للمرضى نهر رحمة، يدخل عليهم بقلب الشريك في الألم، يحمل دعاءً يسبق الدواء، وحضورًا يذكّرهم أن السماء أقرب مما يظنون.
ثم انتقل إلى مكة المكرمة، فعاش فيها خمسة عشر عامًا في جوار البيت العتيق، وكأن الله أراد أن تكون راحته في ظل القبلة التي طالما توجّه إليها قلبه قبل وجهه.
لم يترك قصورًا ولا صخبًا، لكنه ترك قرآنًا حيًّا في الصدور، وعقيدةً صافية في القلوب، وأثرًا يمشي على الطرقات، وسيرةً تقول: إن العظمة لا تُنال بالعلو، بل بالتواضع، ولا بالظهور، بل بالصدق، ولا بكثرة القول، بل بصفاء العمل.
هكذا يمضي الرجال الكبار،
يمشون في الدنيا هادئين،
ويستقرّون في القلوب خالدين.
رحمه الله رحمةً واسعة، وجعل أعماله نورًا في ميزان حسناته.
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صابر_المحمدي
حكيمٌ يمازح، ورفيقٌ لا يُمَلّ
ليس كلُّ صوتٍ يُسمَع، ولا كلُّ كلمةٍ تُقال، ولا كلُّ حضورٍ يُرى؛ فثمّة رجالٌ إذا دخلوا المعنى دخل معهم، وإذا جلسوا إلى المجلس جلس الاتّزان، وإذا مضوا بقي الأثر شاهدًا لا يحتاج إلى بيان.
هؤلاء لا تُعرِّفهم الألقاب، ولا ترفعهم المقارنات، وإنما يدلّ عليهم ما يخلّفونه في القلوب من طمأنينة، وفي العقول من ميزان، وفي المجالس من سكينة. ومن هؤلاء الشيخ أحمد بن سالم أبو طلب المحمدي، رحمه الله؛ حضورُه معنى، وذكرُه استقرار، لا مجرّد اسمٍ يتردّد.
حكيمٌ يمازح، ورفيقٌ لا يُمَلّ؛ وليس كلُّ من عُرف استحقّ الذِّكر، ولا كلُّ من كَثُر حديثه دام أثره، ولكنّ الرجال يُوزنون بما يتركونه بعدهم، لا بما يُقال عنهم في حضورهم.
كان رحمه فصلًا من كتاب الرجال، كُتب بالصدق قبل الحروف، وبالسيرة قبل العبارة. لم يزدَه القول حُسنًا، ولم يُنقِصه الصمت قدرًا، لأن معناه كان قائمًا بنفسه.
كان أبو حمدي حكيمًا على سجيّته.
لا يتصنّع للحكمة مجلسًا، ولا يتخذ لها هيئة. إذا تكلّم أصاب موضع الكلام، وإذا سكت دلّ سكوتُه على عقلٍ يعمل في صمت. لا تُعجِلُه الأمور، ولا تستفزّه الظواهر، يعرف من الناس طباعهم قبل أقوالهم، ومن المواقف مآلاتها قبل وقوعها. وفيه فطنةٌ لا تعرف الالتواء، وبصيرةٌ لا تحتاج إلى مراوغة؛ يرى الأمر كما هو، لا كما يُراد له أن يُرى، ويعرف متى يكون القول حقًّا، ومتى يكون السكوت أمانة.
وكان مجلسه مجلس معنى، لا مجلس ضجيج؛ يُمازح فلا يبتذل، ويضحك فلا يستخفّ، ويقصّ الحديث قصَّ الحكيم، يضع اللفظة حيث ينبغي، ويرفعها حيث يجب، ويكفّها حيث يحسن الكفّ. من جالسه خرج وهو يشعر أنّ الوقت لم يُهدر، وأنّ الكلام أدّى وظيفته، وأنّ الألفة جاءت من غير افتعال.
عرفه أهلُ الأبواء، وعرفه سواهم، معرفةَ المعاشرة لا الوصف، والقرب لا الادّعاء. لم يحتج إلى أن يُعرّف بنفسه، لأن حضوره كان تعريفًا، ولم يحتج إلى أن يُشاد به، لأن أثره كان كافيًا في الدلالة عليه. قريبٌ من الصغير بلا تصنّع، مألوفٌ عند الكبير بلا تكلّف، لا يحجب نفسه بهيبةٍ مصطنعة، ولا يبتذل وقاره بمخالطةٍ فارغة.
ولم يكن حضوره في الخصومات حضورَ شاهدٍ محايد فحسب، بل حضورَ مصلحٍ عاقل؛ يدخل بين القلوب قبل أن يدخل بين الكلمات، ويبدأ بجمع النفوس قبل جمع المواقف. كان يُصغي طويلًا، ويتكلّم قليلًا، ويضع الكلمة حيث تُطفئ لا حيث تُشعل، ويعرف أنّ الإصلاح ليس غلبة رأي، بل تهدئة صدور، وردّ الأمور إلى نصابها. كم من خصومةٍ خفّت حدّتها بكلمةٍ منه، وكم من قطيعةٍ لانَت حين حضر، لأنه كان يرى في الصلح قيمة، وفي التراحم مخرجًا، وفي العدل سبيلًا لا التفاف فيه.
وعاش أبو حمدي معنىً، ومضى أثرًا ثابتًا في الحياة، لا يحتاج إلى كلامٍ كثير. كان حضوره وزنًا، وذكره استقرارًا، وسيرته دلالةً صامتة لا تطلب شرحًا. وإذا كان الرحيل يمرّ على الناس مرورًا عابرًا، فإن غيابه ترك في المجالس سكونًا مفهومًا، وفي القلوب فراغًا ناطقًا. لم يكن اسمه مما يُردَّد، بل مما يُستحضَر، ولم تكن حكمته قولًا يُستعاد، بل خُلُقًا يُرى. رحل، وبقي المعنى قائمًا، وبقي الأثر شاهدًا، وبقي الذكر هادئًا كما كان صاحبه.
اللهم ارحمه رحمةً واسعة، واجزه عن جهوده في الإصلاح، وعن كلماته التي أطفأت نار الخصومة، وجعلت القلوب أقرب إلى السكينة. اللهم اجعل ما أصلح به بين الناس في ميزان حسناته، وارفع درجته في الصالحين، واجعل قبره روضةً من رياض الجنة، وألحقه بعبادك الذين مشوا في الدنيا ساعين بالخير، ومضوا وقد تركوا أثرًا طيبًا لا يزول.
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صابر_المحمدي
في كلِّ جمعةٍ…
تنهضُ من صمتِ الأبواءِ نَفْحةُ حنينٍ خفيّة، تمسُّ القلوبَ مسَّ الريحِ لسطحِ الماء؛ رفقًا ورهافةً وشفافية. كأنّ الذاكرةَ تفتحُ نافذتَها لنا، وتُطلُّ منها أرواحٌ أحببناها يومًا، ورحلَتْ عن الدنيا وهي تترك في حياتنا ضوءًا لا ينطفئ، ودفئًا لا يبرد.
ونستقبلُ الجمعةَ كما يستقبلُ المشتاقُ بشارةً طال انتظارها؛
نقرأ فيها أسماءَ رجالٍ كانوا أمس معنا، واليومَ في رحمةِ الله،
لكنّ محبتَهم ما زالت تتدلّى من سقفِ القلب كسعفةٍ رطبةٍ لم يجفَّ ماؤها.
نذكرهم، فيرقُّ الخاطرُ كما يرقُّ الرملُ حين تلامسه قطرةُ مطر،
وتلينُ الروحُ كما تلينُ الأغصانُ في أول الربيع.
كأنّ ذكراهم خيطُ ضوءٍ يشقُّ ليلَ القلب،أو كأنّهم لؤلؤٌ استقرّ في صدفةِ الذكرى لا تبللُّه الأيام ولا تذروه الرياح.
رجالٌ…
مضَوا عن هذه الحياة، لكنّ أثرَهم بقي بيننا باسقًا كالنخلِ الذي يُحسنُ أهله العنايةَ به،
لا يضعفُ أصلُه،ولا تقلُّ بركتُه،
وتمرُهُ الجميل شاهدٌ على نقاءِ الجذور، وكرمِ النفوس، وصدقِ العطاء.
وحين تهطلُ أمطارُ الذكرى،
تفيضُ سيرتُهم في وجداننا كما يفيضُ السيلُ في موسم المطر؛
ينحسرُ الماءُ بعد حين، لكنّ آثارهُ تبقى منقوشةً على الأرض،
تمامًا كما يبقى أثرُهم منقوشًا في القلب…
لا يُمحى، ولا يُنسى.
وفي كلِّ جمعة، ترتفعُ لهم دعوتُنا،رقيقةً كنسيمٍ خرج من بين شقوقِ الفجر،وصادقةً كدمعةٍ اختنقت في العين حياءً من الله…
اللهمّ وسّعْ مضاجعَهم نورًا،
وارفعْ درجاتِهم سرورًا،
واجعلْ قبورَهم روضاتٍ تهفو إليها الملائكة كما تهفو الطيورُ إلى منازلها.
اللهم اجعلْ لهم من رحمتِك مطرًا، ومن غفرانِك بحارًا، ومن نعيمِكَ ما لا يفنى ولا يزول.
هكذا نمضي…
كلُّ جمعةٍ بابُ حنين،
وكلُّ ذِكرى دعاءٌ نرفعه لهم، وعهدُ وفاءٍ لا ينقطع؛
نرجو به رحمةَ الله، ونُجدِّده بالذِّكر الحسن،
وكلُّ دعاءٍ جسرٌ يصلُ ما بيننا وبينهم،
فنحنُ لا نذكرُهم لنحزن،
بل لنُبقيهم أحياءً فينا،
كالألماس الذي لا يبهتُ مهما مرّت عليه السنين.
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صابر_المحمدي
وقارٌ شامخ وحميّةٌ لا تلين
في وادي الأبواء، ذلك الوادي الذي يزهو بين جباله كالعقد المضيء بين الجيد، وتتنفّس سهوله عبق التاريخ، وتُسمِع نخيله العابرين أناشيد الكرم، وُلد رجالٌ ما كانوا أشخاصًا فحسب، بل كانوا معالم منسوجة في وجدان المكان. ومن بينهم يسطع اسم الشيخ أحمد بن محمد أبو حرب المحمدي؛ رجلٌ لو نطق الجبلُ لقال: هذا شقيقي في الثبات، ولو سُئل السحاب عن الكرم لأشار إليه.
كان مهابةً تُلقي في النفوس سكونًا لا يُفسَّر، ووقارًا يُحسّ قبل أن يُرى، فإذا أطلّ على المجالس سكنت الألسن، وإذا جلس فيها استقامت الموازين. لم يكن يعرف الهزل، لأن الحياة عنده أرفع من أن تُستهان، ومع ذلك كان في صرامته أنس، وفي شدّته رحمة، وفي صمته بيان لا يقوى عليه كلام. هو الرجل الذي تشعر أن الله قد أودع فيه معاني الرجولة كلها: الكرم في يده، والهيبة في قسماته، والحميّة في قلبه، والصدق في لسانه.
لقد كان ـ رحمه الله ـ صورةً للجدّ الذي لا يعرف الهزل، ومثالًا للقوة التي لا تنحرف عن جادة الحق. تراه شامخًا كجبلٍ لا تهزّه الرياح، ورصينًا كصخرةٍ لا تنال منها العواصف. ومع ذلك، فإن في قسماته عذوبةً تخالط الصرامة، وفي نبراته دفئًا يجاور الحزم؛ فإذا جالسته وجدتَ نفسك أمام لوحةٍ نادرة: نصفها وقارٌ يأسر، ونصفها مودةٌ تُطمئن.
كان بيته في الأبواء كالنخلة الباسقة؛ جذورها في الأرض وثمارها للناس. يفتح بابه للضيف كما تفتح السماء أبواب الغيث. لم يكن الكرم عنده عادةً تُستعار، بل كان طبيعةً مغروسة في دمه، كالنهر يجري من غير توقف، وكالضياء يفيض من غير انقطاع. من قصده ضيفًا وجد رحابة المكان، ومن قصده مستنجدًا وجد حميّةً تُسعفه قبل أن يُفصح عن حاجته.
أما شخصيته، فكانت قلعةً من العزم. إذا ذُكر الحق كان في مقدمة الذّاكرين، وإذا استنصره قوم لبّى بلا توانٍ ولا انتظار. وكان السدَّ الذي تُرتكز عليه الكلمة، والصوتَ الذي إذا ارتفع أسكت الجدل وأغلق أبواب المراوغة. لم تكن حميّته نزقًا ولا اندفاعًا، بل كانت عدلًا ينصف المظلوم ويردع الظالم، وشرفًا يصون الكرامة فلا يُدنّسها طمعٌ ولا يُذلّها خوف.
ولك أن تتأمل صورته في المجالس: مهابته تسبق صوته، وفعله يسبق منطقه. وإذا تكلم، كان حديثه كالسيف: قاطعًا، ناصعًا، لا عوج فيه. وإذا صمت، كان صمته كالبحر: عميقًا، مهيبًا، يشعرك أن وراءه من الحكمة ما يفيض ولا يُستقصى.
رحل أبو ضيف الله عن الدنيا، لكن الأبواء لم تودّعه إلا لتحتفظ بذكراه. فذكراه تمشي في طرقاتها كما يمشي النسيم في الوادي، وتبقى في مجالسها كما تبقى النجوم في ليل الصحراء. لقد غاب جسده، لكنه ترك أثرًا باقٍ في القلوب، وسيرةً تروى جيلاً بعد جيل، لتشهد أن في الأبواء رجالًا إذا ذُكروا، ذُكر معهم المجد والكرم والحميّة والوفاء.
رحمه الله رحمةً واسعة، وأسكنه جناتٍ تجري من تحتها الأنهار، وجعل ما قدّمه من معروفٍ وضيافةٍ ونصرةٍ في ميزان حسناته، وجزاه عن أهله وقريته خير الجزاء.
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صابر_المحمدي
ابتسامةٌ لا تغيب
في حياةِ بعضِ الناسِ لحظاتٌ تتلألأ في ظلال الزمن، وتبقى—رغم تعاقب الأيام—شموعًا لا تنطفئ، ورجالٌ إذا غابوا تركوا في القلوب رَجْفَةَ حنينٍ لا تُسكِتها السنون. فإذا مرّ اسمُ أحدِهم على الخاطر، أزهرت الروحُ بعد ذبول، وهدأ الوجدان بعد اضطراب، كأن نسمةَ لطفٍ مرّت على قلبٍ أثقلته حمولةُ الأيام.
ومن أولئك الذين لا يُذكَرون إلا وتنهض السكينةُ من مهادها، ويشرق في القلب ضوءٌ من وداعته، الشيخُ حمدان بن عبدالمحسن بن سلوم المحمدي – رحمه الله – الرجلُ الذي عاش بين قومه ابتسامةً تُضِيءُ ولا تَخبو، ووقعًا يَهدأ ولا يَغيب.
وإذا مضى الطيّبون، لم يمضِ منهم إلا الجسد، أمّا أرواحهم فتبقى منائر عالية على أطراف القلوب؛ تهدي الذاكرةَ كلما ضلّت، وتنهض بالوجدان كلما خبت فيه جذوةُ الذكرى. أولئك الذين عُرفوا بـ سِكينةِ المودّة و لطفِ المعشر؛ فإذا فارقوا الدنيا بقي عبقُ سيرتهم يمشي بين الناس مشيَ النسيمِ على الزهر، كأنهم ما غابوا قط، بل ما زالت ظلالهم ترافق الأماكن وأسماؤهم تتردّد على أفواه المحبين.
ومن بينهم يتجلّى اسمُ الشيخ حمدان بن عبدالمحسن بن سلوم المحمدي – رحمه الله – الرجلُ الذي حمل ابتسامةً نقِيّةً كصفاءِ الغدير، وهدوءًا يُشبه وقارَ الجبل، ومهابةً يزيدها الزمن رسوخًا وثباتًا.
وفي الأبواء، في حيِّ الفارع تحديدًا، عُرفت له مجالس هادئة، وملامح وادعة، وسيرةٌ تتردّد على الألسنة إلى اليوم؛ فذاك الحيُّ كان شاهدًا على خطواته، وعلى مروءته، وعلى تلك الوداعة التي جعلته قريبًا من القلوب جميعًا.
لم تكن ابتسامته عارضًا من عوارض اللحظات، بل كانت سمتًا أصيلًا، أورثه لأبنائه كما يورث الرجلُ أعزّ ما يملك من فضائل. كانت تضيء الوجه، وتشرح الصدر، وتشيع في من حوله طمأنينةً تشبه طمأنينة الفجر حين يبسط ضوءه الأول، وأورث أبناءه خُلقًا كريمًا، وتواضعًا رفيعًا، ومكانةً راسخةً في قلوب الناس لا تنالها الأيام.
وكان أبو أحمد -رحمه الله- صاحب موهبةٍ شعريةٍ تسبق زمانها، وفطرةٍ بيانيةٍ يندر أن تجتمع في رجل؛ يلتقط المعنى من خفائه، ويستخرج الكلمة من معدنها المصون، ثم يصوغها بسبكٍ محكمٍ صاغتْهُ قريحةُ شاعرٍ مجرّبٍ ولبُّ حكيمٍ مُلهَم. فإذا تكلّم بالشعر أو البيان، اندفعت عبارته رقراقةً، خرجت من قلب الكلام، وانسكبت من معين الحكمة صفاءً وقوةً ونورًا.
لا تزيغ له لفظة، ولا تزلّ له عبارة؛ يصيب مرمى البلاغة كما يصيب أمهرُ الرماةِ هدفَه، ويضع المعنى في أدقّ مواضعه، كأنه يرى ما لا يُرى، ويلمَح في الشعر ما تخفى على غيره أسرارُه وإشاراتُه. وكانت قريحته إذا اشتعلت أضاءت، وإذا هدأت سكنت على وقار، تعرف متى تُفصح، ومتى تُمسك، ومتى يكون الصمت أبلغ من الكلام، كأنها تمشي على هدى بصيرة لا تخطئ مواضع الجمال ولا مواقيت الحكمة.
وإذا جالسته، رأيتَ فيه الناصح الأمين، والكبير الشفوق؛ أخًا للكبير بحكمته، وأبًا للصغير برحمته. مجلسه واحةُ مودّة، ويده لا تُقصر عن الخير، ولسانه لا ينطق إلا بما يجبر الخاطر ويرفع منسوب الطيب في الأرواح. فإذا غاب سأل عنه الناس شوقًا، وإذا حضر غمر المكان بوقاره الهادئ وأدبه الرفيع.
قليلُ الكلام، عميقُ المعنى؛ يصمت فيزداد وقارًا، ويتكلم فتأتي كلماته كالجواهر، لا تخرج إلا في موضعها، ولا تقع إلا موقع البرد في القلب. وكان محبًّا للصلاة مواظبًا عليها، يجد فيها قوته وسكينته، حتى في مرضه الذي أثقل الجسد ما كان يترك فرضًا، يلقاه بصبر المؤمن وعزيمة العابد.
غاب عن هذه الدنيا، وبقي اسمه حيًّا في وجدان من أحبوه، وبقيت أخلاقه تجري في أبنائه من بعده؛ رحم الله من مضى منهم، وحفظ من بقي، وجعلهم امتدادًا لذلك النور الذي غرسه فيهم رحمه الله.
اللهم ارحم الشيخ حمدان بن عبدالمحسن بن سلوم المحمدي رحمةً واسعة، واسكنه فسيح جناتك، وجازه خير الجزاء؛ فقد كان عَلَمًا في الأخلاق، وسراجًا في الوفاء، وذكرى طيبة لا يُطفئها الزمن.
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صابر_المحمدي
نهر المروءة الجاري
بعضُ الرجالِ إذا رحلوا، لم يخلِّفوا فراغًا فحسب، بل تركوا وراءهم أنهارًا من المعروف تجري في دروب الناس، ورائحةً من الطيب لا تبهت، وأثرًا من العطاء لا يزول.
هؤلاء هم الذين لا يمرّون بالحياة كظلٍّ على جدار، بل كفجرٍ يُنير، وكغيثٍ يُثمر، وكنخلةٍ تُعطي حتى آخر رمقٍ من الجود.
ومن أولئك الأفذاذ الشيخ محمد سعد بن محمد سعيد بن سعيّد المحمدي – رحمه الله –؛ رجلٌ جمع الله له بين سموّ الهمة ونقاء السريرة، كالغيثِ إذا هطل عمّ، وإذا انقطع بقي أثره في الأرض بركةً وندى.
ورثَ عن آبائه الحكمةَ والرزانة، فكان رزينَ العقل، عميقَ النظر، رحيبَ الصدر، يرى في الخيرِ رسالةً، وفي العطاءِ عبادة.
بدأ حياته سائقًا لشاحنة الفدرن في شركة "بكتر"، ينقل الوقود العادي من جدة إلى نجران وتبوك، يعبر الفيافي والقفار، يطوي المسافاتِ الطويلةَ بصبر المؤمن ورضا الساعي، يقابل وعثاء الطريق بابتسامةٍ تشهدُ أن القلوبَ الراضية لا تتعب وإن أنهكها السفر.
وما إن فتح الله له أبواب الرزق، حتى أقبل الكرمُ يسكن بين أضلاعه، فاتخذ من العطاءِ مذهبًا ومن البذلِ عادةً.
يفيضُ على جيرانه والأيتام والأرامل والمحتاجين، لا يفرّق بين قريبٍ وبعيد، ولا بين من طرق بابه ومن لم يعرف طريقه، فقد كان هو الذي يسعى إلى الحاجة قبل أن تسعى إليه، يسبق النَّدى في كرمه، ويغلبُ الريحَ في مسارعته إلى الخير.
إذا علم بموتِ عائلٍ لأسرةٍ، بسطَ رعايته عليهم كجناحٍ من رحمة، وإن بلغه مرضُ محتاجٍ، أطفأ بنفقاته لهيبَ الكرب في صدره، وأعاد إلى روحه شيئًا من برد الطمأنينة.
لم يكن يردّ من قصده في كفالةٍ حضوريّةٍ أو غُرميّة، بل يمدّ يده بالضمان كما يمدّها بالسقيا للعطشان.
دفع دياتٍ في حوادثٍ مرورية، وأعانَ معسرين كُثُرًا على إتمام زواجهم، وبنى بيوتًا للفقراء، وجعل من ماله طريقًا إلى الجنة.
ثم ارتقى بعطائه إلى ميادين البر العام، فأقام سفرَ الإفطار للصائمين في المسجد الحرام والمسجد النبوي، ومدّ موائد الخير في محافظة رابغ وما جاورها، وسقى الحجيج وأطعمهم في المشاعر المقدسة، واستجاب لنداء الدولة في الكوارث والمجاعات، فكان معينًا في مواطن الشدة، وبلسمًا لجراح المحتاجين.
ولم ينسَ عمارةَ بيوتِ الله، فشيّد قرابةَ تسعةَ عشرَ مسجدًا، سُلِّم أكثرُها إلى وزارةِ الشؤونِ الإسلاميةِ والأوقافِ والدعوةِ والإرشاد، لتبقى مناراتٍ للهدى، ومصابيحَ رحمةٍ لا تنطفئ، وأوصى بخمسةٍ منها تُصرفُ عليها نفقاتُ الصدقةِ الجاريةِ التي أوصى بها، إذ جعل ثُلثَ مالهِ وقفًا خالدًا يُنفقُ في وجوهِ البرِّ والخير.
فيا لها من يدٍ بنت مساجد في الأرض، لتُشيَّدَ لها قصورٌ في السماء!
وكان – رحمه الله – مرجعًا للناس في إصلاح ذات البين، حتى إن قاضي محافظة رابغ كان يُحيل إليه بعض القضايا لحلِّها صُلحًا، لما عُرف عنه من حكمةٍ وسداد رأي، فكان إذا تحدّث أطفأ الخصومة بحلمه، وأقام المودّة بعد الشقاق، وأعاد للقلوب صفاءها بعد كدرها.
لقد رحل الشيخ محمد سعد المحمدي، لكن ذكراه لم ترحل؛ ما زالت في المجتمع حيّةً كنسيم السحر، تعبق بالوفاء، وتُروى بها القلوب كلّما ذُكر اسمه.
إنها سيرةٌ تفيض بالعبرة، وأيامٌ تمتلئ بالبركة، وأعمالٌ تصعد في صحائف النور.
رحمه الله رحمةً واسعة، وأكرم نزله، وأسكنه فسيح جناته، وجزى ذريته خير الجزاء على حفظهم إرثه ووفائهم لعطر ذكراه.
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صابر_المحمدي