🟥مدى جواز فسخ عقد الشركة المدنية وفق أحكام نظام المعاملات المدنيّة:
عقد الشركة من العقود المسماة الواردة في نظام المعاملات المدنيّة، فقد ينصرف الى الذهن انطباق القواعد العامة الواردة في النظام بشأن صور زوال العقد على هذا العقد، ومن أهمّها الفسخ القضائي لإخلال المُتعاقد بالتزاماته.
وهذا المبدأ-من حيث الأصل- صحيحاً وفق ما نصت عليه المادة (30) من نظام المعاملات المدنيّة، ونصّها: (تطبق الأحكام الواردة في هذا الفصل على العقود المسماة وغير المسماة، وذلك دون إخلال بالأحكام الواردة في النصوص النظامية التي تنظم عقودًا ذات طبيعة خاصة)
إلّا أن العجز الوارد في الفقرة قيّد تطبيق القواعد العامة بما لا يخل في النصوص التي تنظّم عقوداً ذات طبيعة خاصّة، والمُقرّر أن عقد الشركة على نحو ما ورد تعريفه في المادّة (529) من ذات النظام ونصّها: ( تعرّف الشركة بأنها عقد يسهم بمقتضاه شريكان أو أكثر بحصة من مال أو عمل في مشروع لاقتسام الربح أو الخسارة) له طبيعة خاصّة تختلف عن عقود المعاوضات التي تقتصر التزاماتها في مواجهة طرفيّ التعاقد، ولا سيما فيما يتعلق بإنهائه وآثار انتهائه وتصفيته بعد اختلاط أموال الشركاء؛ فالأثر الذي يقتضيه الفسخ القضائي من إعادة الطرفين للحالة التي كانها عليها قبل إبرام التعاقد لا يتصوّر إعماله بشكلٍ سليم على عقود الشراكة دون المساس بخصوصيّته وبما يحفظ حق المتعاملين مع الشركة.
ومن ضمن التساؤلات التي لا يعالجها أثر الفسخ القضائي لعقود الشراكة:
1-كيف يمكن رد رأس المال بعد اختلاطه بأموال الشراكة؟
2-ما مصير الأصول التي تم شراؤها من أموال مختلطة؟
3-ما مصير الديون التي نشأت باسم الشراكة؟
4- كيف تعالج الأرباح والخسائر التي تحققت أثناء قيامها؟
وعليه؛ فيتعذّر إعمال آثار الفسخ القضائي على نحوٍ يُعالج المسائل المذكورة أعلاه وبما يحفظ الخصوصيّة التي يتمّتع بها هذا العقد، كما إن إعمال الفسخ القضائي يتنافى مع مقتضى عقد الشركة، كما يتنافى مع مقصد المُنظّم من إفراد الطرق المُقرّرة للشريك في التحلّل من آثار هذا العقد لإخلال الطرف الآخر بالتزاماته.
إلّا أن حق الشريك في الخروج من عقد الشركة بما يضمن مُعالجة كافّة الآثار التي تنشأ في اختلاط الأموال يظهر في الطرق التي أفردها المُنظّم في باب انتهاء عقد الشراكة، والتي لم يكن من بينها الفسخ القضائي، وهذه الطرق هي:
1-انسحابه من الشركة في حال كانت المدة غير معينة وفق ما نصّت عليه المادّة (545/1) من نظام المعاملات المدنيّة: وهذا الانسحاب يعالج رغبة الشريك في الخروج من الشركة.
2-طلب إخراجه من الشركة في حال كانت الشركة مُحدّدة المُدّة وفق ما نصّت عليه المادّة (545/2) من نظام المعاملات المدنيّة: وهُنا المحكمة تبسط رقابتها في مشروعيّة طلب الشريك إخراجه من الشركة بناءً على ما يُقدّم لها من وقائع متعلقة بإخلال المُتعاقد الآخر بالتزاماته، وهذا الطريق يُعالج الوقائع التي ينشب فيها الخلاف بين الشركاء بما يحفظ حقوق الشريك الذي يطلب التحلّل من آثار العقد.
والطرق المُقرّرة أعلاه تعالج رغبة الشريك في الخروج من الشركة مع احتفاظه بتقدير حصّته وفق ما هو مُتّفق عليه في العقد، أو وفق الآليّة المُقرّرة في النظام على نحو ما نصّت عليه المادّة (548) وعلى نحوٍ يُعالج الآثار النظاميّة التي نشأت بعد اختلاط الأموال.
الخلاصة: يتضح مما تقدم أن عقد الشركة المدنية وإن كان من العقود المسماة التي تسري عليها القواعد العامة للعقود، إلّا إنّه يتمتع بخصوصية تقتضي مراعاة الأحكام الخاصة التي نظم بها نظام المعاملات المدنية انتهاء الشركة وخروج الشريك وتصفيتها، بما يتعذّر معه الجمع بين سلامة تطبيق آثار الفسخ القضائي ومُعالجة الآثار التي تنشأ بعد اختلاط أموال الشراكة وفق ما تقدّم.