الخلوات تكشف حقيقة العبد
وإذا خلوت بريبةٍ في ظلمةٍ
والنَّفس داعية إلى العصيانِ
فاستحيي من نظرِ الإله وقل لها
إنَّ الذي خلق الظَّلام يراني!
قال الله تعالى(يسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَىٰ مِنَ الْقَوْلِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾.
هذه الآية من أعظم الآيات في بيان مراقبة الله تعالى للعبد في السر والعلن، وأن خفاء العمل عن الناس لا يعني خفاءه عن الله سبحانه.
ومعنى الآية
السياق في قومٍ خانوا وأرادوا أن يستتروا من الناس، فكانوا يتداولون الأمر ليلًا ويبيّتون ما لا يرضاه الله، ظانين أن خفاء فعلهم عن أعين الناس ينفعهم.
فقال الله تعالى:
﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾.
أي: يحرصون على الاختفاء من الناس؛ حياءً منهم أو خوفًا من انكشاف أمرهم، لكنهم لا يستطيعون الاختفاء من الله، فإن الله لا تخفى عليه خافية.
وقوله: ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ أي بعلمه وإحاطته، كما قال سبحانه:
﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ…﴾ [المجادلة: 7].
وقوله: ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَىٰ مِنَ الْقَوْلِ﴾ فيه تصوير لحالهم: يتدبرون الأمر سرًّا، ويجتمعون ليلًا، ويخططون لما يسخط الله، وهم يظنون أنهم في مأمن لأن الناس لا يرونهم.
ثم ختم الآية بقوله:
﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾.
وهذه أبلغ في التخويف؛ فالله محيط بأعمالهم وأقوالهم ونياتهم وأسرارهم، لا يخرج شيء منها عن علمه.
ودلالتها على أعمال الخلوات
الآية وإن كان سببها في واقعة معينة، فإن العبرة بعموم اللفظ، وهي من أوضح ما يُستدل به على وجوب استحضار مراقبة الله في الخلوات.
فالعبد قد يكون بين الناس صالح الظاهر، محافظًا على كلامه وتصرفاته؛ لأنه يعلم أن الناس ينظرون إليه، لكن المعيار الحقيقي يظهر عندما يغيب الناس.
ولهذا ينبغي للمؤمن أن يسأل نفسه:
ماذا أفعل إذا أُغلقت عليّ الأبواب؟
ماذا أشاهد إذا كنت وحدي؟
ماذا أقول إذا لم يسمعني أحد؟
ما الذي أكتبه في هاتفي إذا لم يطلع عليه أحد؟
هل أخشى الله كما أخشى اطلاع الناس عليّ؟
فمن استحيا من الناس ولم يستحِ من الله، فقد اختل عنده أصل عظيم من أصول المراقبة.
والخلوات تكشف حقيقة العبد
ليس المقصود أن الإنسان لا يذنب في السر؛ فالإنسان ضعيف، وقد يقع في الذنب ثم يندم ويتوب.
لكن الخطر أن يصبح للعبد حياة سرية مخالفة لحياته الظاهرة، وأن يكون تركه للمعصية أمام الناس خوفًا منهم، لا خوفًا من الله.
ولهذا قال النبي ﷺ في السبعة الذين يظلهم الله في ظله:
«ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله».
فهذا موقف خلوة حقيقي؛ لا يراه الناس، والقدرة على المعصية موجودة، لكن الذي منعه هو مراقبة الله.
ومما ينبغي للمسلم أن يستحضره
ينبغي للمسلم أن يعيش دائمًا مع هذه الحقيقة:
أنا وإن غاب عني الناس، فلست غائبًا عن الله
. وإذا خلوت بريبةٍ في ظلمةٍ
والنَّفس داعية إلى العصيانِ
فاستحيي من نظرِ الإله وقل لها
إنَّ الذي خلق الظَّلام يراني!
وإذا خلوت فلا تقل: لا يراني أحد، بل قل كما قال الله تعالى:
﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَىٰ﴾ [العلق: 14].
وإذا هممت بمعصية فاستحضر:
الله يراني، الله يسمعني، الله يعلم ما في قلبي، وسيحاسبني على عملي.
وهذا هو معنى المراقبة: أن يستشعر العبد اطلاع الله عليه في جميع أحواله، فيثمر ذلك خوفًا من الله، وتعظيمًا له، وحياءً منه، وإخلاصًا له.
ومن أجمل ما يقال في هذا الباب: صلاح الخلوات من أعظم علامات صدق العبد؛ لأن العبد في الخلوة لا يرجو مدح الناس ولا يخاف ذمهم، وإنما الذي يحركه هو إيمانه بالله.
ولهذا كان السلف يعنون بأعمال السر عناية عظيمة؛ لأن العمل الذي لا يطلع عليه إلا الله أقرب إلى الإخلاص، وأبعد عن الرياء.
فالآية تعلم المؤمن ألا يجعل معيار استقامته: هل يراني الناس؟ وإنما يجعل المعيار: هل يرضى الله عني؟
وهذه مرتبة عظيمة من الإحسان الذي قال فيه النبي ﷺ: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك»
كم مضى من الوقت وأنت تُقلِّبُ ناظريك في وسائل التَّواصل؟ وما الذي استفدته منها؟، سؤالان ينبغي أن تُكرِّرهما على نفسك مرَّةً بعد مرَّةٍ؛ لتُحْكِمَ عِقالها، وتُقيِّدَ انطلاقها، وتحفظَ قوَّتها، وتصونَ نقاوتها، فافطن لهذا، ولا تجعله كلامًا عابرًا لا تعملُ به.