هناك، بالمقابل، أفكار تفتقد كل مقومات الحقيقة: تبدو خرافيّة، أو قديمة، أو مهترئة، أو مفكّكة، أو بغير هندام، لكنها، وبكل بساطة، حقيقيّة تماما، و"تشتغل!"، فقدت كل شيء لكنها لم تفقد حقيقتها.
خيالنا عن الحقيقة، وشكلها، وطبيعتها: يحرمنا من حقائق كثيرة جدا في هذا الكون.
هناك أفكار كثيرة تمتلك كل مقوِّمات الحقيقة: الإقناع، والاتساق، وبناء الحجة، والبيان، والبرهان، ولكنها، وبكل بساطة، ليست حقيقيّة. لا ينقصها شيء أبدا، سوى الحقيقة.
لاحظت عدَّة سياراتٍ على ذلك النّمط المريب في شارع تلك المنطقة النائية..فانزويت إلى جهة الجبل، وخبأت رأسي تحت هذا الامتداد الصّخري..عند هذه النّبتة تحديدًا. كنت ألمح الجبل بشيء من النشوة العارمة وأنا أقول: "يا مؤمن يا مهيمن يا عزيز يا جبار يا متكبر"، إلى أن وصل صديقي إلى مكاني.
كنتُ مرة في منطقةٍ نائيةٍ، لخلوة أردت القيام بها بين الجبال وأشجار الأرض ونجوم الليل، فبينما أمشي إلى وجهتي إذ تقدّمتني سيارة، نزل منها رجل معه في السيارة عدة رجال، كانوا يريدون تخديري بالمادّة المُخدِّرة في الماء الذي مدّوه لي..لاختطافي أو استلاب عقلي.
بعد دقيقتين من الحوار، قلت للرجل على البديهة: "شوف، بيني وبينك الله"، فوضع يده على صدره، حتى كأنما بُدِّل قلبًا غير قلبه، واستحالت عينه إلى شيء من الخوف والهيبة، أو الحيرة..وتركني وذهب. أشهد أن الأرض كلها لله.
دائرة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم هي دائرة خزائن الجود الإلهيّ، ودائرة السّعادة العظمى، ودائرة الجبر الأكبر، كنت مرّة أصلي على رسول الله، فعنّ لي فقد والدي، وقد مر عليه أكثر من عقد من الزمان، فشعرت في تلك اللحظة، ولأول مرة في حياتي، بجبر حقيقيّ، وكامل، وتامّ.
إلى أرباب كل علم وصناعة: اكتبوا خيالاتكم عن "المستقبل العربيّ" في الذكاء الاصطناعي والفضاء واللغة والفنّ والتقنية، ثغرة البحث العربي ثغرة مخياليّة، مئات الأبحاث تذهب إلى مدى "الخيال العالميّ" لأنها لا تجد عتبة بداية في "الخيال المحلّي"، تحررّوا من قصص العالم، واعرفُوا قصّتكم!
هذا تراث الإسراءِ والمعراج، وألف ليلةٍ وليلةٍ، وحيُّ بن يقظان، وعبَّاس بن فرناس، وما لا يحصى، بل هذا هو التراث الذي عدَّ أهل عِرفانه الخيال رتبةً حقيقيّةً من مراتب الوجود!..