اللهم صلّ وسلِّم وبارك على نبينا محمد؛ صلاةً تبلغ من التعظيم ما يوافي بجلال من أرسلته رحمةً للعالمين، وحكمةً للسائرين، وبلاغًا مبينًا للخلق أجمعين. وعلى آله الأطهار وصحبه الأخيار، ما تهادى في الوجود رفعةُ ذكرِه، وانعقدت على محبّته أفئدة المؤمنين.
أتأسّر بكلّ ما يتجاوز صورته الظاهرة؛ بالوجوه التي تختزل داخل تقاسيمها طواف معانٍ مأهولة من الوجدانيّات. حتى تصدق عليها عبارة بسّام حجّار: «أظنّ أنّه كان وجهًا واحدًا، لحشدٍ من الأحاسيس».
بجسارة الضحكة وهي تشقُّ وجه الأسى؛ تستفيض ملذّات المحبّة، ليغدو الحضور سببًا في توثيق الألفة ومضاعفة الأُنس. وفي الانعطافات العاطفيّة ما يكشف للمرء سعة ما يختزنه الحُبّ من إمكاناتٍ خفيّة. ويا لطيب من أُوتي حظوة هذا الزهو الرقيق.
لطالما واجهت هامشيّة العالم بما يشبه صنيع عدنان الصائغ: ”هكذا اعتدتُ أن أشرعَ نوافذَ رئتي—لرياحِ الدهشةِ التي تأتيني من كُلِّ شيء“ فالنجاة من خفوت الأشياء لا تكون إلا بالإبقاء على قابليّةِ الاندهاش، دائمًا.
للأغاني تصوير عذب للفيوض العاطفيّة واستباحة المستحيل بالهوى؛ لا يُفكّر العاشق بمنطق الإمكان، فيمتهِن المعجزات تحت وطأة إفراطه الوجدانيّ، ويقول: ”لو طلبتِ الشمس منّي في سواد الليل أجيبها.“
للّيل سعةٌ وهناءة، بيد أنه إذا طال رقّت حواشي النفس، وانفسح لها بُعدٌ تنداح منه الأفكار والخلجات –من عفو الخاطر– على اختلاف وجوهِها؛ كأن للكلمة إيناسًا لا يصفو إلا بصياغتها في العتمة. وذلك ضرب من تصاريف الدرويش إذ يقول: ”لُغتي مثل لؤلؤة؛ كلّما عسعس الليل ضاءت.“
بتجريد عشوائيّ لمفكّراتي، وقفت على طيّ صفحة قديمة دوّنت فيها شطرًا عذبًا لأحمد بخيت: «تنهّد، بقصاصةٍ في الحُبِّ يبدأ متحفُ» وبين ثنايا الهوامش لقيتني معنونة إحداها بشذرة: ”الرسائل تماهِ الوقوف على التنهيدات“ وباتت الحميميّة –في أقصى انكشافها– خليقًا فصيحًا بين النزف والاندمال.
ليس الشأن في الكلام أن يُفضي صفحًا بمدلوله إلى تمامه، ولا أن يُستغلق؛ وإنما موضع الفضل أن يكون للنفس عملٌ في استيفاء المعنى. ومن هذا الوجه قيل: «وأعظمُ الشِّعرِ ما أحسَستَ أن به—شيئًا يضيءُ ولكن أنتَ جاهِلُهُ».
الحياة ساعة تأمّلٍ رقيقة تتوارى في هيئةِ أيّام، تتبدّى إذا انحسر ثِقلُ شواغِلها. قال أبو تمّام: «دنيا مَعاشٌ للوَرى حتّى إذا / حلَّ الربيعُ فإنّما هي مَنظَرُ».