حين يختارك الله لسجدة يلمّ بها شتاتك في جوف الليل، فقد اختصك بالنداء من بين الأنام، واصطفاك لتكون جليسه والناس نيام، وما أيقظك إلا ليغمرك بفيض عطائه ويجبر قلبك برحمته، فأطل السجود وبث همك حتى تبلل الدموع مصلاك، ويستقر اليقين في حنايا صدرك؛ فرب سجدة صدقت، قلبت موازين الكون لأجلك !
« للهِ درّ الابتلاءات، الاختبارات، الحاجات، والأوقات التي يظهر فيها جليًّا عجز الانسان مع ضعفه، لله درّها، كم قادتنا إلى الله، وأحيت معاني العبودية في أرواحنا وقلوبنا، كم ساقتنا إلى الله وأشعرتنا بلطفه ورحمته وكرمه وعظمته، كم أغاثت قلوبنا بطمأنينة الجبر و أُنس القرب والمعيّة! »
(رحماتٌ في طيّ التأخير).
من أعظم الآفات التي تنخر في طمأنينة الإنسان، وتفسد عليه بهجة يومه؛ آفة المقارنة الزمنية، وهي شعور ينتاب الإنسان حين يرقب قطارات الآخرين تتحرك سريعة، بينما يقف قطاره على رصيف الانتظار، فيداخله الأسى، وربما تسلل إليه وهم الحرمان.
والحقيقة التي تغيب في هذه اللحظة؛ أن رزق الله المكتوب لا يخطئ طريقه إليك، وتأخره عنك في زمن؛ لا يعني حرمانك منه في زمن آخر، كما أن العطايا في غيب الله لا تُقاس بالسبق وإنما بالخيرية، فرُبّ رزقٍ واحدٍ متأخر يكون خيرًا من ألف رزقٍ متقدم، في نوعه، وبركته، وتوقيته، وتلك السنوات التي تحسبها ضائعة من عمرك لم تكن إلا صُنعًا وتهيئة لهذا العطاء العظيم.
وكم من أمورٍ تأخَّرت فكان تأخيرُها سببًا لنيلها؟! وأخرى فَتحت على العبد من أبواب الخير ما لا يتهيأ له مع التقديم، فلا يزال يجني ثماره ما بقي في الدنيا؟! ولو قُدِّمَ له ما يتمنى (في بادئ أمره) لحرم هذا الخير، ولربما لحقه من المكروه أمرٌ يَذهبُ بفرح حصول المحبوب، فكان في التأخير صيانة له ورحمة، وتعظيمًا لنعمة الله عليه.
ومُزاولٍ تعجيلَ أمرٍ لو أتى
عـجِلاً إِليه لساءَه تعجيلُهُ!
ثم إن حكمة الله في التقديم والتأخير، والمنع والعطاء؛ أعظم من أن يحاكمها عقل قاصر، فليس للعبد إلا الرضا والتسليم، ولله رحماتٌ خفيّة -في طيِّ التأخير- لو كُشفت = لطار القلبُ بها فرحًا، ولكن الله يبتلي عباده لينظر كيف يعلمون، فهو الذي يخلق ما يشاء ويختار.
قال ابن القيم: (ومن تأمَّل أقدار الرب، وجريانها في الخلق، علم أنها واقعةٌ في أليق الأوقات بها)، والله أعلم.
حين يرى الله وجع انتظارك ونيّتك تفيض بالخير لغيرك، يطوي لأجلك مسافات الفرج، ويسكب جميل الأقدار والقلوب في دربك لتضمّدك دون أن تنطق، ويذيب خفيّ غصاتك بيقين ينسيك مرارة السنين؛ فسلامة صدرك هي بوابتك لدهشة لا تنتهي، وهو وعدٌ من الله إذ يقول: "إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا".
أدعو الله ألاّ أفقد مسَرَّاتي الصغيرة التي تُجدّد في داخلِي الرغبةَ بالاستمرار، ألاّ أفقِد رتابة روحي في فوضوية الأيام، ألاّ أُضيعَ الطريق ولا أخسر الرفيق، ألاّ أكون عثرةً في درب أحد، ألاّ تتساوى في عيني جميعُ الأشياء، أن لا يموت فيّ الجزء الذي يُقاوِم
أكثر منظر أحبه في الدنيا، منظر اللي اغتنى بعد قل، وارتاح بعد تعب، واستقام بعد ميل، ونهض بعد سقوط، أحب أن أرى أثر رحمة الله وجبره وهدايته وكرمه لعباده، اسأل الله أن يبدّل حالنا لأفضل حال، ويدهشنا بعطائه، وسيل كرمه.
*اللهم إن ضاقت بنا السبل، فافتح لنا أبواب رحمتك، وإن اشتد علينا الكرب، فاجعل لنا من كل همٍّ فرجًا، ومن كل ضيقٍ مخرجًا، وارزقنا سعةً وطمأنينة لا تزول، إنك على كل شيء قدير."
ربما لا يلمح أحد تلك الغصة العالقة في حنجرتك، ولا الحزن المتشعب في أودية صدرك، وعزاؤك الوحيد أن الله يراك؛ فهو الشاهد على ما لم تبُح به، وهو الأقرب إليك من نبضك وهمسك، امسح على قلبك وقل: "أوليس الله بأعلم بما في صدور العالمين"، فبضوء هذا اليقين يذوب ما أثقلك، ويغسل بالسكينة قلبك.
هذا البلاء الذي تمر به الآن سوف ينتهي بإذن الله
فلا تقلق ولا تحزن ولا تجزع
لا تعتقد أن هذا البلاء سيدوم للأبد
لكل بلاء مدة يعلمها الله ثم يزول
فاصبر واحتسب الأجر
وعليك بكثرة الدعاء وخصوصاً في السجود
وأحسن ظنك بالله وعلق قلبك بالله ولا تفقد الأمل
وسوف يأتيك الفرج بإذن الله.
﴿ وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين ﴾ قال ابن تيمية رحمه الله: " قول القائل لمن يعظمه ويرغب إليه: أنا جائع، أنا مريض؛ حسن أدب في السؤال ". فمن أدب الإلحاح في الدعاء . قل عند مناجاتك : يا ربِّ، أنا مهموم، أنا حزين، أنا فقير، أنا خائف، أنا مديون، أنا حائر، أنا غريب.. فأنت أعلم بحالي وأرحم بضعفي، وأقرب إليّ من كُل أحد ". د:بلقاسم