"إيَّاك وما في صُدور العباد ونواياهم؛ لا تقتحم هذا الحِمى الذي لا يعلم خَفاياه إلا الله، واحذر أن تُعجبك نفسك فتتوهَّم أنك أعلمُ بما في قلوب الناس، أو تتسرَّع في الحُكم على نواياهم وسرائرهم؛ واشتغل بإصلاح قلبك، ودَع سرائر العباد لربِّ العباد فهو وحده العليم بما تُخفي الصدور."
تستحقّ التقدير والاحترام، تلك الشخصيّة الثابتة في مبادئها، العزيزة بقِيَمها، التي لا تتلوّن وفقًا للأهواء، ولا تميل مع هبوب الرياح، ولا تتغيّر أخلاقها مع تغيُّر الأحوال، التي تحمل إحساس المسؤولية والصِدق والأمانة في أعماقها، وتستحضر الله في كافّة تصرفاتها.
"تهذّبك السنون حتى يقلَّ فيك الكلام، ويهدأ فيك الاندفاع، وتستغني عن أشياء كنت تظنُّها من ضرورات الحياة، ثم تلقى نفسك بعد أعوام، فلا تكاد تعرفها؛ أهدأُ قلبًا، وأبصرُ طريقًا، وأقلُّ اكتراثًا بالناس وما يقولون!"
كُرماء النفس يُحسنون التغافُل، أحيانًا يرون الزَلّة عيانًا لكن يتظاهرون بعدم رؤيتها حفظًا لماء وَجه صاحبها، يتجاوزون عن الصغائر رُقيّاً، ويتنازلون في المواضع التي لا ضرر فيها مرونةً، ويختارون الخسارة في المعارك التي لا انتصار فيها رِفعةً، وفي نهاية الأمر يربحون.
يكيد الإنسان لغيره بقدر ما فيه من علل داخلية، فمن امتلأ قلبه سلامًا، ضاق فيه موضع الأذى، ومن أنهكه النقص، أمضى عمره يطعن في الآخرين، كثير من الإساءة ليست وصفًا لمن وجهت إليه، بقدر ما هي مرآة لما يسكن صاحبها من خراب.
" النفس العزيزة يعزّ عليها أن ترِد موردًا دنيئًا، تمقت الخوض في الصغائر، تأنف عن الأمر ترفُّعًا حين تلمح فيه ما لا تقبله الشِيَم الكريمة، تتغاضى لا غفلةً إنما تساميًا، وحين تُعرِض عن شيء تمتثل قول الشاعر:
"إذا انصرفت نفسي عن الشيء مرّةً
فلستُ إليهِ آخر الدهر مُقبِلاً"
الإنسان الذي يُقدِّر نفسه ويحترمها، ويدرك أنها هِبَة سماوية جليلة مُكرّمة من الوهّاب، لا يرضى عليها الذُلّ والهوان، ولا يرضى أن يسير بها في طُرق لا تليق بها، بل يختار لها من المسارات أطيبها، ومن الخيارات أكرَمها، وبقدر ما يُكرمها تُكرمه وتجود عليه بأحسن الثمار.
تطيب الحياة للطيّبين، أولئك الذين يزرعون بذور السلام والمحبّة في حقول الحياة، وينشرون الأمل في القلوب، ويبعثون النور في الدروب، ويعبرون كنسمة عذبة باردة، ذلك أنهم يحصدون ثمار ما زرعوا؛ سلامًا يملأ قلوبهم، وهناءً يغمر نفوسهم، وسرورًا يُرافقهم أينما حلّوا.
الطيّبون يحملون سِمات نفوسهم الطيّبة، لهم وجوهٌ تفيض بالسماحة والنور، وتبعث على البِشر والانشراح، وكأنّما ملامحهم مِرآة أعماقهم الصافية، ولهم ألسِنَةٌ تغرف من ماء قلوبهم النقيّة، فلا تسمع منهم إلّا الخير، فسُبحان الذي جعَل الوجوه والألسُن على النفوسِ دليلاً.
المُوفّق في هذه الحياة هو مَن يعبر عبورًا كريمًا، لا يؤذي نفسًا، ولا يكسر قلبًا، ولا يُبكِي عينًا، ولا يجرح روحًا، ولا يغتل حُلمًا، ولا يُطفِئ بسمة؛ فهو يدرك أن الحياة لا تستحق، وأن الزمن سيمضي وخير ما يظفر به الإنسان في هذه الحياة: أثرًا طيّبًا وذِكرًا حَسنًا.
سِمَة الحِلم تدلّ على وفرة العقل، وهي مزيجٌ أخلاقيّ من الأناة، والهدوء، وسعَة البال؛ تُلبِس صاحبها ثياب الرزانة والرصانة، بعيدًا عن الطَيْش والسَّفَه، لا يتهوّر دون تفكير، بل يتأنّى قبل المسير، ويتفكّر في دومًا في المصير، ومَن يُؤتاها فقد أُوتِيَ خيرًا عظيمًا.
ربّ البدايات الجديدة، والأعوام المديدة، عامٌ هجريّ يُصافحنا ونحنُ على قَيْد كرمك ورحمتك ولُطفك، نسألك أن تجعل خطواتنا فيه محفوفة بالخير والتوفيق، وأقدارنا فيه طيّبة مُباركة، ولحظاتنا فيه مليئة بالهناء والرِضا والطمأنينة، وأن تجعل السلام يغمرنا فأنت مصدر السلام، ومنبعه.