أي زمن هذا الذي نعيشه؟ زمنٌ تُباع فيه العقائد في سوق السياسة، وتُحاك فيه الفتاوى على مقاس السلطان، لا على مقاس كتابٍ ولا سنّة. زمنٌ صار فيه المنبر سلّمًا إلى الكرسي، لا طريقًا إلى الحق. تتصارع العمائم لا نصرة للدين، بل تزاحمًا على موائد النفوذ، وتُسفكُ الدماء باسم الشريعة، بينما الشريعة نفسها بريئة منهم كبراءة الذئب من دم يوسف.
لقد بلغ البعض من شيوخ السلطان دركًا لا ينزل إليه إلا من خلع عن نفسه أثواب الهيبة والورع. صار الدين عندهم حطبًا في نار السلطة، يلهبون به الجماهير، ويقودون القطيع إلى حيث يريد المتسلط، لا حيث يريد الله. يفتون اليوم بتحليل ما كانوا يحرمونه بالأمس، ويحرمون غدًا ما كانوا يحلّلونه اليوم، وكل ذلك وفق اتجاه الريح ومن يدفع الكرسي للأمام.
ثم تسأل لماذا تأخرنا؟ وكيف تخلفنا عن الأمم التي كانت يومًا تتلمذ على أبواب حضارتنا؟ الجواب أمامنا، يُرى ولا يحتاج إلى شرح: حين صارت العقول تُعطل، والضمائر تُباع، والناس يهرولون خلف عمامة لا تسأل: أهذا عالم أم مُهندس نفوذ؟ حين صارت القداسة تُعطى لمن يرفع الصوت لا لمن يرفع الفكر.
إن الأمة التي يتقدم فيها الخطيب على المفكر، والداعي للقتل على الداعي للحياة، والتابع المطيع على السائل المفكر… أمة لا تسير إلى النور بل تجر نفسها إلى ظلام أطول.
ويبقى سؤال واحد:
هل نملك الشجاعة للتمييز بين الدين ومن يتاجر باسم الدين؟
بين العالم ومن يبيع الفتوى كمن يبيع سلعة رخيصة في سوق الحطام؟
إن نهضتنا لن تبدأ إلا يوم يعود العقل إلى مكانه، ويعود الدين إلى نقائه، وتُكسر يد من يحوّل الإيمان إلى منصة للدم والسلطة.
مفهوم “وليّ الأمر” مأخوذٌ من فكرة “الولاية”، وهي نفسها الفكرة التي نستعملها حين نقول إن على الطفل أو على من لا يقدر على إدارة شؤونه “وليّاً” يرعاه ويقرّر عنه. فهي علاقة من فوق إلى تحت: الناس يطيعون، والحاكم يرعى، وهم في هذا التصوّر “رعيّة” — أي أشبه بمن يُعتنى بهم لا بمن يقرّرون.
أما “المواطنة” فعلاقة على مستوى واحد: المواطنون متساوون، وهم أصل السلطة ومصدرها، وعلاقتهم بالحاكم أشبه بعقدٍ بين طرفين. حقوقهم موجودة قبله وفوقه، تحدّ من صلاحيّاته، والحاكم عندهم موظّفٌ يعمل لحسابهم لا وصيٌّ عليهم.
ولهذا، حين يُقدَّم الرئيس على أنّه “وليّ الأمر” بالمعنى الأول — أي فوق المواطنين، ومصدر للشرعيّة، وطاعته واجبةٌ من حيث المبدأ — فإن هذا الطريق لا يوصل إلى دولة مواطنة، بل إلى دولة رعيّة. لأنّه يحوّل المواطن من صاحب حقٍّ وشريكٍ في القرار إلى شخص مَوْلًى عليه، ويجعل معارضة الحاكم تبدو وكأنّها خروجٌ أو معصية، ويُذيب الحدّ الفاصل بين الدولة و
السياسة هي ثاني أقدم مهنة في التاريخ، وكلما تأملتها وجدتها لا تختلف عن الأولى إلا في رداءة الثمن وطول الوعد. كلتاهما تبيع ما لا تملكه على الحقيقة، وتقبض ثمن ليلة لا تترك سوى صباح بارد ووجه يتنكر لك في الضوء. غير أن صاحبة المهنة الأولى أصدق، فهي تعرف أنها تبيع، ولا تدّعي أنها تنقذ البلاد.
كلتاهما تقوم على الإغواء قبل العقد. تتزيّن الواحدة بما ليس منها، تضع على وجهها قناعاً وعلى لسانها عسلاً، وتقول لك ما تشتهي أن تسمعه لا ما هو كائن. ثم تمدّ يدها في العتمة، وتلتقط ما تركتَه فيها من ثقة وكرامة وصوت، وتمضي إلى الزبون التالي قبل أن يجفّ مدادك على ورقة البيعة.
والفرق أن بائعة الهوى تفترش جسدها وحده، أما السياسي فيفترش وطناً بأكمله؛ يساوم على أنهاره وحدوده وقمح فقرائه، ويسمي ذلك سيادة. تلك تبيع نفسها فتؤذي نفسها، وهذا يبيع غيره فيؤذي أمة، ثم يخرج علينا في المساء خطيباً عن الشرف والثوابت، وقد عاد لتوّه من الفراش الذي قايض فيه عليها.
في المهنتين خطاب واحد: الوفاء حتى الموت ما دامت الجلسة قائمة. وفي المهنتين قانون واحد: لا ذاكرة لما قيل في العتمة. تستيقظ صباحاً فلا تجد العاشق ولا الوعد ولا الزعيم، تجد فقط حساباً عليك أن تدفعه، وندماً لا يُجدي، ودرساً ستنساه عند أول إغواء جديد.
ومع ذلك، تجد الناس يحتقرون الأولى ويهتفون للثاني. يلعنون من باعت نفسها ليوم، ويحملون على الأكتاف من باع بلادهم لجيل. كأن في النفس البشرية ميلاً غريباً إلى تقديس من يخدعها بالجملة، واحتقار من يصارحها بالتفصيل. وهنا، لا في غيره، يكمن انتصار المهنة الثانية على أختها الأقدم: أنها أقنعت ضحاياها أن يصفّقوا.
الخليج، الهدف الصامت
حين تنقشع غبار هذه الحرب، لن يكون السؤال الأهم لماذا بدأت، بل ماذا تركت خلفها. فالحروب الكبرى نادرا ما تُقاس بذرائعها المعلنة، وإنما بالبنية التي تعيد تشكيلها في صمت بعد أن تخفت المدافع. والذريعة النووية، على وجاهتها الظاهرة، تظل اللغة العلنية التي شُرعنت بها المواجهة وحُشد بها الحلفاء، بينما المكسب الأعمق والأطول أثرا هو إزاحة الفاعل الإقليمي الوحيد الذي كان قادرا على منازعة الهيمنة الأمريكية على مياه الخليج ومضيق هرمز. ومن هنا تبدأ الفرضية التي تستحق أن تُختبر لا أن تُصدَّق: ماذا لو كان الخليج ومنابع الطاقة هما الهدف الخفي من وراء كل هذا الضجيج؟
لكن صياغة الفرضية بصدق تقتضي تنقيتها من سذاجتها القديمة. لم تعد أمريكا اليوم الدولة التي تحارب من أجل برميل نفط تستهلكه، فهي مصدّر صاف للطاقة، وقد سقطت معادلة الدم مقابل النفط التي حكمت قراءات حربي الخليج في 1991 و2003. ما بقي حيا من الفرضية هو نسختها الأذكى: ليست السيطرة على النفط ذاته، بل التحكم في تدفقه. ومن يملك صنبور هرمز لا يضع يده على طاقة الخليج وحدها، بل على شريان حياة خصمه الأكبر في الشرق. فالصين هي الأشد اعتمادا على عبور هذا المضيق، إذ يمر عبره جزء حاسم من وارداتها النفطية القادمة من الخليج وإيران معا. وحين تُمسك واشنطن بمفتاح هرمز تكون قد امتلكت ورقة ضغط استراتيجية على بكين دون أن تطلق رصاصة واحدة في بحر الصين الجنوبي. هكذا يتحول الخليج من جائزة إلى رقعة شطرنج، وتصبح الحرب على إيران حلقة مبكرة في صراع أوسع لم يُعلن بعد، صراع تُختبر فيه قدرة كل طرف على قطع أنفاس الآخر عند نقاط الاختناق البحرية الكبرى.
ومع ذلك، فإن أكثر ما يضعف صورة المؤامرة المُحكمة هو الفوضى نفسها. من يخطط للاستيلاء على شريان طاقة مستقر لا يبدأ بتفجيره. وإغلاق هرمز الذي رفع أسعار النفط ودفع التضخم الأمريكي إلى ما فوق أربعة بالمئة كان فعلا إيرانيا ارتجاليا دفاعيا، ورقة أخيرة بيد طرف منهك لا بندا في سيناريو مكتوب سلفا. وهنا يتبدى التمييز الذي أراه جوهر المسألة كلها: الفرق بين النية الخفية والوظيفة البنيوية. أن يكون الخليج هو الهدف المقصود في ذهن من أطلق الحرب شيء، وأن يكون أهم ما تجنيه الحرب موضوعيا شيء آخر تماما. والأرجح أنه لا خريطة واحدة رسمها عقل واحد، بل تقاطع مصالح التقت عند نقطة واحدة: قلق إسرائيلي أمني حقيقي، وضعف إيراني فتح نافذة الفرصة، وحسابات نووية فعلية، ومن خلف هذا كله المكسب الجيوستراتيجي الذي يستفيد منه الجميع دون أن يكون بالضرورة الشرارة المعلنة.
وفي هذا التقاطع يكمن قدر العالم العربي الصامت. فدول الخليج تخرج من هذه الحرب أكثر أمنا بالمعنى العسكري وأكثر تبعية بالمعنى السياسي، وهذه مفارقة لا تُحل بسهولة. إذ يتحول الترميم وإعادة الإعمار وصفقات السلاح إلى أدوات ربط دائم بالحامي الأمريكي، حتى أن الحديث عن استخدام أصول إيرانية لإصلاح أضرار دول الخليج يكشف كيف يُعاد توزيع الأدوار بلا حياء: طرف يُجبر على دفع ثمن هزيمته لترميم من احتمى بالمنتصر. الأمان الذي تناله هذه الدول ليس مجانيا، إنه أمان مرهون، يُشترى بتعميق التبعية لا بالخروج منها، ويُجدَّد عقده كلما لاح في الأفق تهديد جديد يصنعه الحامي نفسه أو يضخّمه.
ولهذا، فإن الخلاصة الأكثر دقة ليست أن الخليج كان الهدف الخفي، بل أنه الطرف الذي يُعاد تشكيل موقعه بهدوء أكبر من ضجيج الجبهة الإيرانية. الطاقة والخليج ليسا الدافع المُصرّح به، لكنهما المحصلة التي تعيد تثبيت بنية الهيمنة، وهذه المحصلة تتحقق سواء قُصدت ابتداء أو فُرضت كأمر واقع. وفي السياسة، كما في التاريخ، لا فرق كبير بين ما يُراد وما يُفرض ما دامت النتيجة واحدة: خليج أكثر اطمئنانا وأقل استقلالا، ومنطقة تُعاد هندسة مصيرها بينما تنشغل عيون العالم بدخان طهران. أما السؤال الذي ينبغي أن يقلق أهل المنطقة، فليس من انتصر على إيران، بل من سيملك مفتاح هرمز حين يصمت الرصاص، ولمن سيُقدَّم الخليج فاتورة أمنٍ لم يطلبه.
في العبودية الطوعية لا يُكسر الإنسان من خارجه، بل من داخله. فالجلاد الذكي لا يكتفي بأن يُخضِع الأجساد، إنما يستدرج الأرواح كي تبرّر خضوعها وتزيّنه، حتى يصير القيد حليةً والقهر قدَرًا والصمت حكمة. وأخطر ما تنتجه هذه الحالة ليس الخائف الذي يسكت، بل المؤيِد الذي ينطق: من يقف على حافة المأساة فيرفع الضحية إلى مقام القداسة بلسانه، ثم يمد يده مصافحًا للجلاد بقلبه.
هذه المفارقة تتجسّد في صورة بعينها: امرأةٌ ترثي الشهيد بدمعٍ بليغ، تُعدّد فضائله وتُمجّد انكساره وتجعل من جرحه أيقونةً تُعلَّق على الجدران، ثم تلتفت في الجملة ذاتها لتُثني على القاتل، تلتمس له الأعذار، وتُسبغ على بطشه حكمةً خفيّة ومصلحةً عليا لا يدركها العامّة. تبكي الدمَ المسفوك وتصفّق لليد التي سفكته، فتجمع في وجدانٍ واحد ما لا يجتمع: تقديسَ الفريسة وتبجيلَ المفترِس.
وهنا تكمن عبقرية الاستعباد الناعم: أنه لا يطلب منك أن تكره الضحية، بل أن تحبّها حبًّا عقيمًا، حبًّا يستهلك العاطفة في البكاء ويستنزف الغضب في الرثاء، حتى لا يبقى منه فائضٌ يتحوّل إلى فعل. فالمظلومية حين تُفرَغ من مطلب العدل تصير أفيونًا، تُريح الضمير من عبء المساءلة، وتمنح صاحبها لذّة الشعور بالنبل دون كلفة الموقف. تبكي كي لا تُحاسِب، وتُمجّد الميت كي لا تواجه القاتل وهو حيّ.
اغتصاب العقول في سوريا حقق هدفه الأكبر: جعل الضحايا يشاركون في تدمير بعضهم البعض، وتحويل المجتمع من قوة قادرة على التغيير والبناء، إلى كتل بشرية تبحث فقط عن رغيف الغد، وقد نسيت أنها كانت يوماً تحلم بأبعد منه.”
والفكرة نفسها — أن أعمق ما يفعله القمع ليس القتل بل إعادة تشكيل الضحية لتقمع نفسها وتقمع أخاها — فكرة لها امتداد طويل، من حنّة أرنت إلى أدب الاستبداد العربي.
نحنا ناس فقرا ….. حتى ذنوبنا على قد حالنا
يعني اذا بدي احكيلك عن ذنوبي فهي :
السهر والليل ، وام كلثوم والدخان
ورسائل لسا ما وديتهم للنار وصور لهلا ما نزلو من الحيطان
حنين ….وذكريات …وحلم مافيه صوت
انتظار … وموعد …وتذكرة بلا عنوان
وجهي الي بيعطي عند المطار الوان
قلبي الي ما عرف يحقد لمن سجنوه شال اخر سيجارة وعطاها للسجان
هي هي ذنوبي ،، بس يمكن اكبر ذنب فيهم هو رفضي لفكرة النسيان.
يأتي الراكب دائمًا واثقًا من خطاه. لا يستأذن، ولا يسأل، ولا يلتفت. يضع رَحله ويشدّ حزامه ويمضي حيث يريد، وعلى الظهر المنحني أن يصمت ويمشي. هذه هي المعادلة التي أتقنها كثير من الحكام في بلادنا العربية، ومن المؤسف أن كثيرًا من الشعوب أتقنت الطرف الآخر منها.
لكن السؤال الحقيقي ليس في الراكب — فالظالم موجود في كل زمان ومكان، وليس للعرب فيه حكر دون سائر الأمم. السؤال في الشعب الذي يرى القيد على معصمه فيظنّه سوارًا، ويرى السوط يعلو فيسمّيه تأديبًا، ويرى الرَّحل على ظهره جيلًا بعد جيل حتى ينسى أنه كان يومًا يقف منتصبًا.
ثلاثة أشياء صنعت هذا الانكسار: الخوف، والدين المزوَّر، والقبيلة. أما الخوف فمعذور في بدايته، لكنه إذا امتدّ عقودًا تحوّل إلى طبيعة يتوارثها الأبناء دون أن يعرفوا أصلها. وأما الدين الذي جعل من الطاعة فريضة ومن الاعتراض فتنة، فليس هو الدين الحقيقي، بل رواية مزوّرة عنه يُحسنها كل طاغية يريد أن يُلبس سلطته ثوبًا مقدّسًا. وأما القبيلة فتلك الرابطة التي تحمي أحيانًا وتسجن أحيانًا أكثر، تهمس لك: اسكت، فالفضيحة تعود علينا جميعًا. فتسكت، لا اقتناعًا بل خشية أن تسقط وحدك.
خُلق الإنسان ليقف، لا ليُركب. وكل ظهر انحنى طويلًا نسي كيف يستقيم — لكن النسيان ليس القدر. السؤال لم يعد: هل نحن قادرون على الاعتراض؟ السؤال صار: حتى متى نقنع أنفسنا بأن ثمن الصمت أرخص من ثمن الوقوف؟