جنازةٌ بحجمِ وطن
في غزة، لم يكن هذا تشييعًا لمئةٍ واثني عشر شهيدًا فحسب...
بل كان تشييعًا لبيتٍ كامل، ولعائلةٍ كاملة، ولأحلامٍ كاملة، ولجزءٍ من روح وطن.
في ذلك المكان، لم يبقَ حجرٌ على حجر.
انهارت طوابقُ المبنى فوق ساكنيه، وتحول البيت إلى قبرٍ جماعي، بينما كانت أصوات الأطفال والنساء ترتفع من تحت الركام، تستغيث بالحياة، وتبحث عن يدٍ تمتد إليها، لكن العالم كان أصمَّ من أن يسمع، وأقسى من أن يتحرك.
هرعت سيارات الإسعاف والدفاع المدني بكل ما تبقى من أمل، وانتظرنا أن تعود وهي تحمل جريحًا، أو طفلًا نجا بمعجزة...
لكنها عادت تحمل الكلمات الأشد قسوة:
"يا دكتور... لم ينجُ أحد."
ما زالت تلك العبارة ترتجف في الذاكرة، وكأنها اختصرت المأساة كلها في ثلاث كلمات.
كيف يمكن أن يختفي بيتٌ بأكمله بمن فيه في لحظة واحدة؟
وكيف يسمع العالم صرخات الأطفال من تحت الأنقاض، ثم يواصل صمته، وكأن شيئًا لم يكن؟
اليوم، لم تكن النعوش مصطفةً في الشوارع فحسب...
بل كانت الإنسانية نفسها مسجاةً عليها.
مئة واثنا عشر شهيدًا من عائلتي الحساينة وأبو شريعة، حملتهم الأكتاف إلى مثواهم الأخير، بينما حمل التاريخ معه شهادةً جديدة على جريمةٍ ستظل وصمةً في جبين الإنسانية.
رحلوا...
لكن دماءهم ستبقى شاهدًا على أمةٍ خذلتهم، وعلى عالمٍ تركهم فريسةً لوحشيةٍ لا تعرف رحمة، وستبقى تروي للأجيال أن أطفالًا ونساءً ورجالًا استغاثوا من تحت الركام، فلم يجدوا إلا الصمت.
رحم الله شهداء عائلتي الحساينة وأبو شريعة، وجعلهم في أعلى عليين، وألهم ذويهم الصبر والسلوان.
سلامٌ على أرواحٍ ارتقت مظلومة، وسلامٌ على وطنٍ ما زال يكتب بدمائه أصدق صفحات التاريخ.
A Funeral the Size of a Nation
In Gaza, this was not merely the funeral of 112 martyrs.
It was the funeral of an entire home, an entire family, countless dreams, and a part of a nation's soul.
Nothing remained standing.
The building collapsed upon its residents, turning their home into a mass grave. Beneath the rubble, the voices of children and women cried out for help, searching for a hand to rescue them. But the world was too deaf to hear and too indifferent to act.
Ambulances and civil defense teams rushed to the scene with the last remaining hope.
We waited for them to return carrying survivors, or perhaps a child saved by a miracle.
Instead, they returned with the most devastating words imaginable:
"Doctor... no one survived."
Those words still echo in memory, capturing the entire tragedy in a single sentence.
How can an entire household disappear in a single moment?
How can the world hear the cries of children trapped beneath the rubble and continue as though nothing happened?
Today, it was not only coffins that filled the streets.
Humanity itself lay in mourning.
One hundred and twelve members of the Al-Hassayneh and Abu Sharia families were carried to their final resting place, while history recorded yet another crime that will forever stain the conscience of humanity.
They are gone.
Yet their blood will remain a lasting testimony to a world that abandoned them, leaving them at the mercy of unimaginable brutality. It will remind future generations that children, women, and men cried out from beneath the rubble, but were met only with silence.
May God grant mercy to the martyrs of the Al-Hassayneh and Abu Sharia families, raise them to the highest ranks of Paradise, and grant patience and strength to those they left behind.
إلى المقاومين… إلى المجاهدين…
( داخل غزة ) ..
إلى من باعوا أرواحهم لله، ولم يبيعوا دينهم ولا كرامتهم.
إلى من صبروا في الخنادق والأنفاق، لا يبتغون منصبًا، ولا يلهثون خلف دنيا، ولا تحركهم حسابات السياسة، وإنما يحملون همَّ الدين والأمة.
إلى الذين طلَّقوا الدنيا، ورضوا أن تكون دماؤهم ثمنًا لعزة أمتهم…
إن خذلكم الناس، وحاصروكم، وقطعوا أذرعكم، وانتزعوا سلاحكم…
فوالله، ما سقطتم من أعين الشرفاء، ولا نزلتم من قلوب الأحرار.
أنتم تيجانٌ على الرؤوس، ووسامُ عزٍّ على صدر التاريخ.
فالأرض قد تدفن الأجساد، لكنها لا تدفن مواقف الرجال، ولا بطولاتهم، ولا أسماءهم.
ويبقى التاريخ شاهدًا أن رجالًا مرّوا من هنا… فرفعوا رؤوس أمتهم، ولو دفعوا أرواحهم ثمنًا لذلك.
تخيلوا لو نال كل "ميت" في غزة حقه في تكريم جسده -دعك من حقوق الأحياء- كم عقدٍ كانت ستقيم غزة الجنائز دون انقطاع ليوم واحد، وكم مرة كانت لتقطع مسافة تعادل قطر الكرة الأرضية؟
رغم الخطاب الإعلامي الذي يتحدث بتفاؤل عن انتهاء الحرب في قطاع غزة ،فإن الميدان يروي قصة مختلفة؛ فالقصف والاستهدافات لا تزال مستمرة، والوضع الإنساني بالغ الصعوبة، فيما يواصل المدنيون دفع الثمن الأكبر.
غزة هذه الليلة ..
قصفٌ لا يتوقف، ودمار يمتد في كل اتجاه.
غارات عنيفة تستهدف المنازل والأحياء السكنية في مناطق متفرقة من قطاع غزة، فيما تتواصل عمليات القصف وسط أصوات الانفجارات التي لا تهدأ.
ليلة جديدة تُضاف إلى سجل الحرب .. وليل غزة ما زال مثقلًا بالنار والركام.
كل ما يشغل بالي، في المشاهدة العشرين للمشهد، فيمَ كان يفكر فاروق حينها؟ كيف يستطيع المرء أن يحسم قراراته، ويتم حساباته، في جزء من الثانية؟ والمعادلة واضحة، رجل محاصر بين قطيع من الخنانيص وضباط مدججين بالسلاح، إن سكت يكاد يسلم وإن استبسل انتهى كل شيء، وأولها حياته.
..
لكن القرار كأنما "مؤتمَت" مسبقًا، تلك وقفة عز، وميتة عز، ومضي إلى الله على عجل، في موقف شرف، يحب المؤمن المجاهد أن يبعث عليه وليس بشيء أعلى وأجلّ! استنقذ الشيخ فاروق عدنان رمضان البندقية من المستوطن الإسرائيلي، وقتل وأصاب، حتى أرسل جنديا وضابطا إسرائيليين إلى جهنم في جزء من الثانية!
..
والشيخ؟ الليث الهمام القسورة، الغضنفر الحسام المهند، استشهد في اللحظة ذاتها، ومعه ثلاثة من إخوته وأبناء عمومته، ودار رمضان مفتوحة اليوم على مصراعيها، تستقبل المهنئين والمعزين في آن واحد؛ عزاء فلسطين فيهم، وتهنئة فلسطين بهم.
..
الضفة تتكلم، نابلس تقول كلمتها، وجنين تتحدث من خلف ألف عصابة وكمامة وجنزير على عينيها وفمها، الضفة تغلي كأزيز مرجل، والنار من تحت الرماد أحمى من النار من فوق الحطب، والبواسل يضمون إلى الله، كالشيخ فاروق، عمريّين بين حق وباطل!
الشهيد فاروق عدنان رمضان الذي سحب سلاح أحد المستوطنين الإرهابيين الذي كان يعربد ويطلق النار في قرية التل غرب نابلس، قبل أن يرتقي شهيداً في يوم الجمعة ويقتل ويجرح مستوطنين دفاعاً عن نفسه وأرضه
والله لو رأيتم حال أهل الخيام في غزة الآن، وقد تحولت خيامهم البالية إلى أفران تذيب جلود أطفالهم، لما صدقتم أن بشراً يستطيع أن يتحمل كل هذه الأهوال ويبقى على قيد الحياة ولا يموت !!
اخجلوا من سطحية همومكم أمام ما يراه أهل غزة من عظيم البلاء، ولا تجعلوا تكرار مشاهد مآسيهم على الشاشات والمنصات، تُميت في قلوبكم الإحساس، فمن لا يهتم لأمر المسلمين فليس منهم !!
كم هي مؤلمة!
حينما يقول لك غزاوي: أنتم خصومنا أمام الله!
كلمة عظيمة تهزّ الوجدان لو كان في القلب والروح حياة وإيمان!
فعليا ماذا قدّمنا لغزة ؟!
هل نصرناها كما يجب ؟!
والله إننا مُقصّرون جدا
نسأل الله أن يعفو عنا ويتداركنا برحمته
تقصف جنازة شهيد على مرأى ومسمع العالم، فيرتقي ثمانية شهداء، ولا تزال الإبادة مستمرة
عالمٌ إمّعة، يكتفي بالمشاهدة وإصدار بيانات لا توقف مجزرة ولا تحمي طفلًا.
"من قال: لا إله إلا الله، وحدَه لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كُلِّ شَيءٍ قدير، في يَومٍ مِئةَ مرة؛ كانت له عدل عشر رقاب، وكُتِبَت له مئة حسنة، ومُحيَت عنه مِئةُ سيئة، وكانت له حِرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلَّا أحد عمل أكثر مِن ذلك"
إبراهيم إصليح، مشرف على مغاسل الموتى بجمعية "قيراطان الخيرية":
- ❞مخزون الأكفان في غزة لا يكفي لأكثر من أسبوع.❝
- ❞قد نضطر إلى تكفين الموتى ببطانيات إذا استمرت الأزمة.❝
- ❞نفاد الأكفان يهدد كرامة دفن الموتى، ونناشد إدخالها إلى غزة.❝