شعور صعب 💔💔
فقدت الوالدة قبل أيام 😭😭
وأنا لا أكاد أصدّق ما يحدث
عظّم الله الأجر وجبر الكسر
ربنا أفرغ علينا صبرا
اللهم تجاوز عنها وأكرم نزلها
وأدخلها برحمتك في عبادك الصالحين
مرعبة فكرة الفقد للأبد. أن تبقى كل المشاعر بداخلك لشخص لن يعود. أن تظلّ محمّلًا بذكريات عديدة لوجه لن تراه مرة أخرى. أن تتذكّر في عمق ضحكتك تفاصيل ضحكة لن تسمعها أبدًا، وإن تحنّ لحديث لن يحدث ماحييت. إن تخيّل ذلك مخيف، فكيف بعيشه؟ والمخيف أكثر أن تفتقد لعدد أكبر من الراحلين.
الكفُّ مدخلًا، والمقاصدُ غايةً: قراءة مقاصدية في الصوم:
1 ـ الصوم في حقيقته ليس مجرد إمساك عن شهوة الطعام والشراب والجماع، بل هو ـ في النظر الشرعي ـ انتقال بالمكلّف من سلطة الشهوة إلى الانقياد للتكليف، ومن حكم العادة إلى حكم العبادة، ليتهيأ بذلك لتحقيق المقاصد التي جاءت الشريعة لحفظها، فالصوم ينقل المكلف عمليا من اتباع لشهوات إلى تزكية النفس وانضباطها تحت قانون الشرع المطهر.
فترك الشهوات المباحة ليس مقصودًا لذاته:"من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه"، وإنما هو وسيلة لتأسيس هيئة راسخة ثابتة في النفس تُعيد ترتيب قواها، بحيث لا تكون الشهوة هي الحاكمة، بل تكون تابعةً منقادة للشرع، فإن الشريعة جاءت "لإخراج المكلف عن داعية هواه حتى يكون عبدًا لله اختيارًا كما هو عبد له اضطرارًا" كما يقول الشاطبي.
2 ـ فإذا أمسك الصائم عن شهواته المباحة، فقد دخل في مقامٍ تزكوي عال، يختبر فيه قدرته على مخالفة الهوى، ويؤسس في نفسه قاعدة الانقياد، وهي القاعدة التي ينبني عليها حفظ الدين، إذ لا يُحفظ الدين إلا إذا انقاد المكلف لأمر الله ولو خالف شهوته. ومن هنا كان الصوم له أثر بالغ في حفظ الدين؛ لأنه يضرب في أصل العلة التي تفسده، وهي اتباع الهوى. فإذا انكسرت الشهوة في نهار الصوم، ضعفت معها أسباب الانحراف، واستقام القلب على الطاعة، فكان الصوم حارسًا للدين من داخله، لا من خارجه.
3 ـ وحين يضبط الصائم شهوة الطعام والشراب والجماع، فقد حفظ نفسه من الإفراط والتفريط، إذ النفس لا تُهلكها الشهوة فقط، بل يهلكها أيضًا الانغماس في المباحات بلا ضابط. والصوم يعيد للنفس توازنها، ويعلّمها أن الحياة ليست استجابة فورية للرغبات، بل هي انضباطٌ يحقق مصلحة الجسد والروح معًا. وهذا عين حفظ النفس الذي هو من الضروريات الخمس، إذ لا تُحفظ النفس إلا إذا ضُبطت شهواتها، ولا تُضبط الشهوات إلا إذا تعلّم الإنسان أن يقول لهاأحيانا: لا.
4 ـ وإذا انكسرت الشهوة، انفتح باب العقل، لأن الشهوة إذا استبدّت أفسدت النظر، وأعمت القلوب:" وذلك أن مخالفة ما تهوى الأنفس شاق عليها، وصعب خروجها عنه، ولذلك بلغ أهل الهوى في مساعدته مبالغ لا يبلغها غيرهم، وكفى شاهدا على ذلك حال المحبين، وحال من بعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من المشركين وأهل الكتاب، وغيرهم ممن صمم على ما هو عليه، حتى رضوا بإهلاك النفوس والأموال، ولم يرضوا بمخالفة الهوى"(الموافقات).
والصوم يخفف سلطان الجسد، فيقوى سلطان العقل، فيصفو الفكر، ويتهيأ القلب لتلقي المعاني. ولهذا كان رمضان شهر القرآن، لأن القرآن لا يكمل تلقيه إلا بقلبٍ خالٍ من علائق الشهوة، فكان الصوم تمهيدًا للقرآن، وكان القرآن روحًا للصوم، فاجتمع حفظ العقل وحفظ الدين في عبادة واحدة.
5 ـ وبهذا يظهر أثر الصوم في تربيته على العفة وحفظ النسل؛ إذ يضبط الشهوة الجنسية، ويعلّم الإنسان أن الجماع ليس غاية وجوده، بل هو وظيفة منضبطة بضوابط الشرع. فإذا امتنع الصائم عن الجماع في نهار رمضان، وهو مباح في غيره، فقد تعلّم أن الشهوة ليست حاكمة، وأن النسل لا يُحفظ بإطلاق الشهوة، بل يُحفظ بضبطها.
6 ـ ثم امتد تأثير الصوم إلى حفظ المال من جهتين: يربي على الاقتصاد، ويكسر شهوة الاستهلاك، ويذكّر الغني بالفقير، فينشأ من ذلك معنى الزكاة والصدقة، فيُحفظ المال من جهة الاعتدال، ويُحفظ المجتمع من جهة التكافل. ولهذا كان النبي ﷺ أجود ما يكون في رمضان، لأن الصوم يفتح باب السخاء، والسخاء يحفظ المال من الفساد، كما يحفظ المجتمع من التفكك.
وهكذا يتبين أن ترك الشهوات في الصوم ليس غاية، بل هو مدخل كلي لتحقيق الضروريات الخمس، إذ يجمع الصوم بين حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال في عبادة واحدة، وهذا من أعجب أسرار الشريعة.
7 ـ وإذا انتقلنا من الضروريات إلى الحاجيات، وجدنا الصوم يخفف عن النفس سلطان العادة، ويهيئها لترك ما يشق عليها تركه في غير رمضان، فيسهل عليها ترك المحرمات، ويقوى فيها معنى الصبر، وهو أصل الحاجيات كلها. كما يحقق الصوم حاجات المجتمع في التراحم والتواصل، إذ يجتمع الناس على عبادة واحدة، ويشعر بعضهم ببعض، فيخفّ الضيق الاجتماعي، وتلين القلوب، وتتهيأ النفوس للتعاون، فيحصل دفع لحاجاتهم، وكم أمدت الخيرات الرمضانية المحاويج والفقراء وأهل العوز بحاجاتهم، فارتفع عنهم عناء الفقر وشدته، وهذه أظهر ما تبرز تحقيق مقصد الحاجيات في رمضان.
8 ـ وأما التحسينيات، فإن الصوم يرقّي الذوق الإيماني، ويهذب الأخلاق، ويعلّم الإنسان حسن الخلق والإحسان للخلق، وكفّ الأذى، وضبط اللسان، وترك اللغو، وهذه كلها من مكارم الشريعة وتحسينياته، التي لا تستقيم الحياة بدونها. ولهذا قال النبي ﷺ: "فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب"، فدلّ على أن الصوم ليس امتناعًا جسديًا فقط، بل هو تهذيبٌ أخلاقي.
فضفضة..
قبل يومين كنت في أحد المحلات الكبيرة لبيع الملابس؛ فسمعت حواراً لمدير يوبّخ إحدى الموظّفات بحدّة، وهي تحاول التسويغ وتكثر من قول: (والله ..والله.. والله...) !
ثم نزلتُ إلى الشارع فسمعت حواراً مشابهاً بباب أحد المحلات تقول فيه الفتاة: "انت بتجور عليّ كثير !!"، مع ضعفٍ واضحٍ فيها، وسطوةٍ من صاحب العمل لا يخطئها الشعور !
وهذا الاستضعاف للأنثى في العمل = عامٌّ إلى حدٍّ مدهش في القطاع الخاص، وله عدّة أسباب أهمّها من وجهة نظري -بعد كونها أنثى رقيقةً خلقةً وتكويناً-:
- أنّ الكثير من الفتيات يتشبّثن بالعمل تشبّث الغريق بطوق النجاة، بغضِّ النظر عن ظروفه القاسية؛ وآثاره المُفسِدة، فالعمل بالنسبة لفتيات هذا الجيل؛ ليس مجرّد مصدر دخل؛ بل محاولةٌ لإثبات الذات، في زمنٍ شُوّهت فيه الفطرة، واختلّت المعايير، حتّى ظنّت المسكينة أنّ إثبات ذاتها لا يكون إلا بخروجها من بيتها إلى المدرسة فالجامعة فسوق العمل !
وإن سألتني عن مشهدٍ آخر يذبحني من الوريد إلى الوريد، فهو مشهد فتيات "الريسيبشن" ،"والمكاتب"، "والخدمات" = في القطاع الخاص من مؤسسات ومستشفيات ومطاعم والطيران وغيرها، اللاتي يمتزن بقدرةٍ على الابتسام الفعّال 24 ساعة في اليوم، بلا كللٍ أو ملل، مع لسانٍ يقطر عسلاً لإرضاء الزبائن، وترحيبٍ واستقبال حار؛ بالرغم مما قد يواجهنه من مواقف فيها إساءة لذواتهنّ، وتجاهلٍ تام لتقلباتهنّ الهرمونية والفسيولوجية الفطريّة، التي يعرفها الرجال جيداً في البيوت، وتختفي في سوق العمل فجأة !!
عداك عن قضيّة الأجور الأقل عادةً التي تتقاضاها الأنثى مقارنةً بالشاب، وتعمّد الكثير من ضعاف النفوس من أرباب الأعمال استقطابَ الموظفات الجميلات لجذب الزبائن، وأخجل أن أذكر التحرّش اللفظي الذي تُجبر المرأة على سماعه في بعض القطاعات من بعض الرجال عديمي الشرف والدّين !!
إن لم تكن هذه المشاهد احتقاراً للمرأة، وتسليعاً لها واستغلالاً سافراً لأنوثتها، فماذا تكون ؟!
ووالله إنّ أكبر ضحيّةٍ لهذه المشاهد المؤلمة = هي الفتاة العفيفة نفسها، المسكينة المخدوعة بشعارات الحضارة الغربية الجائرة، التي ما برحت تقنعُها أن الشهادة سلاحها الذي تحارب به أسرتها، وأنّ العمل هو مصدر قوّتها وموجد قيمتها !!
أعلمُ أنّ هناك من يحتجن فعلاً إلى العمل، وأعلم أن هناك قطاعاتٍ تحتاج فعلاً للنساء؛ ولكني أزعم أنّ حجم هذا الاحتياج لا يتعدّى 10% مما هو موجودٌ حالياً في أحسن الظروف!
وهذا الذي نراه في أرض الواقع من إحلال المرأة محل الرجل في طلب العمل والكسب = محض تغوّل فشت بسببه البطالة بين الشباب المسلم، وعجز شبابنا عن فتح بيت وزواج آمن، فاختلّ ميزان المجتمع كلّه، وظهر فيه الفساد العريض !!
وختاماً أقول: " المجتمع السويّ = هو الذي يشقى فيه الرجل، وتَنعم فيه المرأة " ..
والسلام..
بقلم الطبيب الجراح | محمد يسام الدردور ..
طُرفة وفائدة
يُحكَى أن أخاً سودانيّاً كالعسل المُصَفَّى عيّنوه موظفاً في قرية (الأبيار) قُرب المدينة المنورة، ثم نقلوه إلى (أبيار الماشي)، وبعد أسابيع نقلوه إلى (أبيار علي)، ثم جعلوه في فرع (بير مبيريك).
ضَجِرَ الزول من كثرة تنقلاته، فقابل مديرَهُ منفعِلاً، وقال له:
عليك الله يا زول، أنا موظف أو (دلو) تنقلونني من بير إلى بير؟
😄
قال قدموس: أول شروط القَدْمَسَة أن تُحِبَّ السودانَ وأهلَه.
🫶
فائدة لغوية:
إطلاق الإخوة السودانين اسم (زول) على الرَّجُل فصيح مليح؛ ففي لسان العرب:
الزَّوْل: الشجاع، والجمع أَزْوَال، والمرأة زَوْلَة.
رِفْد الزواج قطيعةٌ وإحراج
الرِّفْد، أو المَعُونَة، أو العَانِيّة، أو النُّقْطَة، عُرْفٌ اجتماعي عند بعض العوائل والقبائل والشعوب، ويقدمها الأقارب والأصدقاء إلى الزوج في هيئة مبلغ مالي، أو أنعام (خروف، جمل، بقرة)، أو عطاء نفيس كتذاكر شهر العسل، أو إقامة فندقية ممتدة، ونحو ذلك.
والرِّفْد عُرْف اجتماعي جميل يخفف عن كاهل الزوج بعض الأعباء، ويُوَطِّد للمحبة، وما إلى ذلك من محاسن، وغايته تَنسجِم مع روح الشريعة التي تدعو للتعاون والتكافل.
ومع ما في الرِّفْد من محاسن فيه عيبٌ يُكَدِّرُه، وهو عيبٌ في الناس لا في الرِّفْد، وذلك أنهم جعلوا الرِّفْدَ يقوم على مبدأ المُعَاوَضَة، فكما أعطيكَ في زواجك تعطيني في زواجي، وكما أعطي أبناءكَ في زواجاتهم تعطي أبنائي، وهذا كله حَسَن، لكن الذي يحدث بعد ذلك ليس بالحَسَن، وإليكم بعض الحالات المتكررة التي بسببها قد تسوء النفوس، وتَنْشَأ القطيعة، وخاصة بين أولئك الذين يُدَقِّقُون، وما أكثرَهم، وهذه أمثلة:
١. يَحدُث أن يَرْفِدَك أحدهم يوم زواجك بمبلغ من المال، ثم يتزوج وتعجز عن إعطائه شيئاً، أو تَنْسَى أن تَرْفِدَه في زحام ضغوطك وشواغلك، ولك أن تتصور مقدار الغبن الذي سيشعر به، أو سوء الظنون التي ستطاردك.
٢. يَحدُث أن يَرْفِدَك أحدهم في زواجك بجَمَل، ثم يتزوج وتَرْفِدُه بخروف، فيقيس رِفْدَهُ برِفْدِك، ويجد أنك بَخَسْتَه.
٣. يَحدُث أن يَرفِد أحدُهم ابنك الوحيد يوم زواجه، وهو له عشرة أبناء سيتزوجون، فإن رَفَدْتَ واحداً منهم دون البقية أغضبتَ التسعة، وإن رَفَدْتَهُمْ كلَّهم صار عليك إيقاف خدمات.
٤. يَحدُث أن يكون الرِّفْد إلزاماً لدى بعضهم، وفي هذا مشقة على محدود الدخل، وقد يقترض أحدهم لأجل ذلك، أو يُهمِل حاجات أسرته ليَرْفِدَ فُلاناً وعِلّاناً، وإن لم يفعل نَبَذَهُ قَوْمُه، وحينئذ يُقَدِّم رِفْدَه من غير طِيب نفس، وهذا لا يجوز لقول النبي ﷺ: «لا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلّا بِطِيبٍ مِنْ نَفْسِهِ».
السؤال المطروح:
ماذا لو تركنا هذا العرف الجميل؛ نظراً لأن له بعض العواقب غير الجميلة التي تسبب حزازات نحن في غنى عنها، وما أجمل أن نستعيض عن الرِّفْد بتقديم الدعم لأجل الله لا لأجل المُعَاوَضَة، فإن عاد إلينا العطاءُ في مناسبة مماثلة فالحمد لله، وإن لم يَعُدْ فلا ملام، فالناس متفاوتون في الهِمَم والكَرَم والإمكانات، والأهم ألا يَخْسَر بعضُنا بعضاً لأجل حَفْنَة نُقُود، أو جُثَّةِ قَعُود.
هل تؤيدون اقتراحي، أم لديكم اقتراحات أخرى نتغلب بها على الإحراج والحزازات؟
قدموس
سبقت شِقوتي؛ وُلِدتُ مثقفًا.
كان من الممكن أن أولد ابن تاجر عطارة، فأتقن وزن الحلبة بالكيلو، وأحسب المكسب على حبّة البركة، وأكتشف أن الدنيا كلها تُقاس بميزانين لا ثالث لهما: الربح والخسارة. كان من الممكن أن أكون ابن سياسي ديموقراطي، أتمرّن منذ نعومة أظافري على فنون الخطاب النبيل، وأتقن تدوير الزوايا وتلميع الفشل، وأجمع في خطابي الواحد بين وعود الفجر وخيبات المساء، ثم أنام في سلام على رصيد من التصفيق. كان من الممكن أن أكون ابن مقاول، وأتعلم منذ الصغر أن "الأساسات" لا تُرى، فلا مانع من الغش فيها، ما دامت الواجهة مثالية، والسقف يتريث بالانهيار حتى يُنسى من بناه.
لكنني، ويا حسرة القلب، وُلدت مثقفًا.
فما المثقف؟ هو ذاك الكائن البائس الذي يتحرك في الحياة على استحياء، رأسه مثقل بالمكتبات، وجيبه مليء بالفراغ، لا يجيد سوى الكلام، ولا يُطلب منه سوى الصمت، يعرف كل شيء عن سقوط الأندلس، ولا يملك ثمن رحلة ثقافية إلى البلد المجاور، يكتب عن قيمة الإنسان، ولا يجد من يعيره كرامة "إعادة النشر"، يعيش مؤمنًا بأن الكلمة قد تُغيّر العالم، بينما يتغير هو كل يوم أمام العجز بمعناه المادي، ويزداد قبحًا كلما ازداد وعيًا.
المثقفون لا يُورّثون، ولا يُصاهرون، ولا يُستشارون في أمر جلل، إنهم صوت في الريح، لا يسمعه إلا من يحمل ذات اللعنة، تجدهم يتزاوجون فيما بينهم، لا حبًا، بل لأن العالم قد أجمع على نبذهم، فلا خيار لهم إلا التسلية بأفكار بعضهم البعض، وحين يرزق أحدهم بولد، يهمس في سره: "اللهم اجعله لاعب كرة، أو على الأقل، صاحب مطعم بخاري"، لكن الطامة أن الولد نفسه يُبدي منذ صغره ميلاً إلى الكتب، فيُغمض الأب عينيه ويقول: "سقيت من لعنتي يا بني، ولم يكن لنا عزاء سواك".
المثقف يحيا كأنه في عزاء دائم، لا يضحك دون سبب ثقافي، ولا يبكي إلا حين يقرأ شيئًا لا يفهمه، لا يعرف كيف يطلب زيادة في أجره، لكنه قادر على شرح نظرية فائض القيمة عند ماركس وهو في منتصف أكله، لا يجيد اقتحام القلوب، لكنه يتقن تحليل أسطورة إيروس في الميثولوجيا الإغريقية، ويثبت صحة وجود قيس ليلى في الثقافة العربية الخالدة، تسأله عن الطعام، فيجيبك بمقطع من رواية، تسأله عن الزواج، فيستشهد بكلمات ابن سبعين، تسأله عن الواقع، فيحدثك عن سجن عباس العقاد... تسأله عن الراتب، فيصمت! فصاحب المكتبة أعلم.
تخيل أن تعيش عمرك كاملًا وأنت تعرف أن سقراط مات مسمومًا لأنه أزعج المدينة بأسئلته، وأن المعري قضى عمره يلعن الناس والدهر والقدر، وأن المتنبي طعنته أبياته قبل أن تطعنه السيوف، وأن ابن اللبانة أوفى الأوفياء يزور خليله الأديب الشاعر في المنفى، ثم تأتي وتعتقد، ولو للحظة، أن مصيرك سيكون مختلفًا؟ لا، بل ستموت مثلهم يا مسكين، على قارعة الحياة، محاطًا بالكتب، منسيًا كفقرة في كتاب لم يُقرأ... رحم الله الدكاترة زكي مبارك.
المثقفون لا يُخلَّدون، بل يُؤرشفون. يدخلون خزائن الغبار، يُذكرون في الندوات لا في الأغاني، وتُكتب عنهم الدراسات لا الأغلفة، ويُبكى عليهم لأسباب نحوية لا عاطفية. نحن مخلدون! ربما، ولكن في أرفف المكتبات، وإن حالفك الحظ بعد ذلك في "ويكيبيديا".
وها أنا، بكل ما فيّ من لعنة، أكتب لك هذه الكلمات، لا طمعًا في ثناء، ولا رجاءً في خلاص، بل لأن لعنة الثقافة تسري في دمي، وتحثني على الكتابة كما يكتب المحكوم عليه ليثبت أنه كان حيًّا ذات فكرة. ستقرأني، ثم تمضي، وسأظل أنا هنا، على ذات المقعد، أدوّن مزيدًا من الإدانات لحياة لم تخترني، ولم أطلبها، ولكنها اختارتني لأكون... مثقفًا.
ولكن يا لها من سعادة.
لن أُورّث لولدي مال التاجر، ولا نفوذ السياسي، ولا دهاء المقاول، ولا عقارات للورثة، بل سأُورّثه ديوان المتنبي، وأغاني أبي الفرج، وعقدًا لا يشبه عقد "خالصة" ولكنه عقد ابن عبدربه الفريد، وتاسوعات أفلوطين. سأترك له مكتبة لا تفتح الأبواب، بل العقول، وسأورّثه الغنيمة الكبرى همّ البحث ووجع السؤال.
قدموس والشقراء اللعينة
قبل أشهر كنتُ في دولة أوربية مع صديق لي، وأردنا الانتقال من مدينة إلى مدينة بعيدة، فذهبنا إلى موقف سيارات الأجرة، وكان صديقي ذا دِين ووقار، وأنا شاعر زائغ العين في مقتبَل العُمر، فلمحتُ سيارة أجرة تقودها فتاة شابة شقراء ذهبية الشَّعْر، وردية الثغر، فقلتُ في نفسي: هي والله من نقطع معها الطريق، وننسى بها وعثاء السفر.
قلتُ لصديقي: دعنا نكسب مثوبة، ونركب معها، فيَظهر لي أنها أم أيتام تنفق عليهم، ولعلنا بركوبنا معها نعصمها من الانحراف، وذل الحاجة، وهي والله أولى من هؤلاء السائقين الرجال كالِحِي الوجوه قبحهم الله الذين ينفقون كسبهم على الخمر والميسر والأزلام ولحم الخنزير.
اعترض أول الأمر، وقلتُ له: لا تقطع رزقَها؛ فقد ساقنا الله إليها، وما عهدتُكَ قاطع أرزاق يا عبدَالرزّاق.
أطاعني على مَضَض، وركبنا معها، وتوكلنا على الله، وتلونا دعاء السفر، ولَهِجَ صديقي بقراءة أوراد المساء، وانتهزتُ الفرصة لأتجاذب مع الشقراء أطراف الأحاديث، وأسألها أسئلة أعرف إجاباتها، وغايتي أن آخذ وأعطي، وأُؤَلِّف قلبها للإسلام، وأتأمل في حسنها بديعَ خلق الله، لأزداد إيماناً بعظمته سبحانه.
كان الجو عليلا، والنوافذ مُشْرَعَة نصف إشراع، ونحن على أطراف المدينة، فلما استوينا على الطريق السريع، واشتَدّ انسدالُ الليل، تسلَّلَتْ إلينا البرودة، فأغلقَت الشقراءُ النوافذ، ومضت في الطريق تسألني وأجيب، وأسألها وتجيب، وصاحبي ما زال يقرأ أوراده، ويسبح ويستغفر، ويتمنى لو اتخذ صديقاً غيري.
في هذه الأثناء شممتُ رائحة كأنها رائحة جيفة، وظننتُ أول الأمر أن تحت مقاعدنا هرة نافقة، أو لحوماً تالفة نسيها راكب ثَمِل في زمن قديم، وصرتُ إن فتحت النافذة لَفَحَني الهواء البارد، وإن أغلقتُها خنقني الهواء الفاسد، وما زلت بين قشعريرة واختناق أحاول اكتشاف مصدر الرائحة الخبيثة، حتى سمعتُ صوت فرقعة من جهة الشقراء، وأنا بين تصديق وتكذيب، وتكرر الأمر مرارا، فاقتربتُ منها لأقطع الشك باليقين، وسألتُها عن المسافة المتبقية ووجهها قريب من وجهي، فلما تكلمت انبعث من فمها عذاب، وكأن فيه مرحاضاً تعاقب عليه عَمَالة طال عليهم الاحتباس بعد وجبة كثير الدسم، ثم تَفَحَّصتُ شَعرها الأشقر، فإذ به خُصُلٌ ملبدة كأنها مغلفة بالشمع من بُعد العهد عن الماء، وحين أمعنتُ النظر في قميصها وبنطالها وجدتُ فيهما بقايا غَرَب، وما زالت تتجشأ من جميع الجهات دون الْتِفات.
حينئذ غمزني صاحبي بكوعه، وسخر مني ومن نيتي الرديئة، وبقينا ثلاث ساعات في عذاب واكتئاب، ولو كنا نقوى على البَرْد لنزلنا في عَرْض الطريق، وأَسْلَمْنَا أنفسنا لقُطّاع الطريق، فهم والله أرحم من هذه الشقراء الجرباء.
وبسبب هذا الموقف كتبتُ هذه القصيدة متغزلاً في بنات بلدي فديتُهن ما أجملَهن وما أنظفَهن وما أنضَرَهن:
لَم تُغْرِني من بناتِ الغربِ فاتنةٌ
ولا وجدتُ إليها الروحَ مندفِعَةْ
تبدو مُرَتَّبَةَ الهِندامِ واثقةً
أما الأنوثةُ عنها فهْيَ ممتنِعَةْ
كأنها الزادُ لا مِلْحٌ ولا نَفَسٌ
مُبَرَّدٌ يَبتلي بالقيءِ مبتلِعَهْ
لا تَنخدِعْ بالتي تُبدي محاسنَها
فكم عيونٍ بهذا الزَّيْفِ منخَدِعَةْ
فلو رآها شَقيٌّ بعدَ يَقْظتِها
مِن نومِها لرأى جِنّيّةً بَشِعَةْ
أُحِبُّ بنتَ بلادي لستُ مقتنعاً
بغيرِها وهْيَ بي لا شكَّ مقتنِعَةْ
هيَ الجَمالُ الذي يَبتزُّ مُبصِرَهُ
وهْيَ الغِناءُ الذي يجتاحُ مستمِعَهْ
في كلِّ حَسْنَاءَ مِن حُورِيّةٍ صِفَةٌ
وفي السُّعُودِيَّةِ الأوصافُ مُجْتَمِعَةْ
قدموس
أفضل كتاب في القول الفصل فيما يتعلّق بالمجاز في القرآن واللغة العربيّة كتاب أستاذي وشيخي أ.د.عبدالعظيم بن إبراهيم المطعنيّ -رحمه الله-: (المجاز في اللغة والقرآن الكريم بين الإجازة والمنع)
وقد أهدانيه وهو مايزال بحثًا مقتضبًا تحت عنوان:(المجاز عند الإمام ابن تيمية وتلاميذه بين الإنكار والإقرار)
ثمّ أهدانيه بعد اكتماله سفرًا كبيرًا عظيم الفوائد. !
@u_9zx@zOsiG1CHrN2U2Fc@abu_omar1@D_ghaith نحن عندنا يقين بذلك
تدخلهم في شؤونا هذا أمر مرفوض
لا نأمرهم بالخروج عليه ولكن على الأقل لا يطبلوا له
ويكذبوا على الناس فهذا يجعلهم يتمادوا في طغيانهم
والله المستعان