هذه الدنيا عجيبة غريبة، تسعد في أول النهار، تضيق في آخر المساء،تهتم في الليل، تطمئن في الصباح، لا ثبات فيها على حال،لا قرار فيها على أمر ما السبب؟
قال ابن القيم:
"ومن رحمته عز وجل أن نغّص عليهم الدنيا وكدّرها لئلا يسكنوا إليها ولا يطمئنوا إليها ويرغبوا في النعيم المقيم في داره!"
حين قال امرؤ القيس عبارته الشهيرة (اليوم خمر وغداً أمر)، كان رد فعل فوري لتعطيل وعيه عن صدمة مقتل والده، حيث عجزت الأنا البالغة لديه عن استيعاب حجم الكارثة وارتد عقله لاواعياً إلى آلية بدائية لإشباع الفم (اليوم خمر) وامتصاص القلق، وتخدير المشاعر المرعبة، تماماً مثل الطفل الذي يلوذ بالرضاعة لينفصل عن واقع مخيف، وهي من آليات الدفاع النفسي (Defense Mechanisms) التي يلجأ إليها العقل البشري عند مواجهة الصدمات الوجودية الكبرى (Trauma).
استمعت إلى حديث الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ حفظه الله -وهو من أحب العلماء إلي- عن تولستوي ودستويفسكي أكثر من مرة، ولم يشدني فيه حديثه عن الأدب الروسي وحده، بقدر ما شدني نوع العقل الذي يتحدث به.
فالشيخ لا يقف أمام الأدب الروسي موقف المنبهر، ولا موقف المنغلق الذي يرده لأنه صدر من خارج ثقافته؛ وإنما يقرأه من موضع العالم الذي استقرت لديه مرجعيته، ثم اتسعت نفسه لمعرفة الإنسان أينما كتب الإنسان عن نفسه.
يرى عند تولستوي ودستويفسكي دقائق في تصوير الضعف والذنب والضمير والتناقض البشري، ثم يقول إن من عرف القرآن والتفسير يستطيع أن يلتقط من ذلك حكمة، وأن يرى وجوه شبه بين ما انتهى إليه الأديب بالتجربة الإنسانية وما كشفه القرآن عن النفس البشرية.
وهنا خطر لي محمد إقبال؛ ليس لأن الشيخ يكرر إقبال، ولا لأن الرجلين ينتميان إلى مشروع فكري واحد، وإنما لأن في طريقة النظر قرابة تستحق التأمل.
إقبال هو الآخر دخل إلى الفكر الغربي من باب الواثق بمرجعيته؛ قرأ نيتشه وبرجسون وغوته وغيرهم، وحاورهم وأخذ منهم واعترض عليهم، ثم ظل القرآن مركز رؤيته للإنسان والعالم، ولم يكن سؤاله: أهذا الفكر شرقي أم غربي؟ بل: ماذا يقول عن الإنسان؟ وأين يصيب؟ وأين يقصر حين يوضع أمام الرؤية القرآنية؟
وهذه خصلة لا تتأتى لكل أحد؛ لأن الانفتاح الحقيقي لا يصنعه ضعف المرجعية، وإنما قد يصنعه رسوخها، ومن عرف أصوله جيدا استطاع أن يذهب بعيدا في القراءة ثم يعود وهو أقدر على التمييز.
ولذلك أعجبني الشيخ صالح هنا قبل أن تعجبني ملاحظته عن الأدب الروسي. أن تجد عالما شرعيا بهذا التكوين يتحدث عن تولستوي ودستويفسكي، ويدرك قيمة تحليل الإنسان عندهما، ثم يضع ذلك كله داخل سؤال القرآن عن النفس والمصير والدنيا والآخرة؛ فهذا يكشف عن سعة معرفية وعن تصور للأدب أرحب كثيرا من النظر إليه بوصفه مجرد جمال لغوي أو حكاية.
وقد كان إقبال يفكر في مساحة قريبة: أن المسلم لا يحتاج إلى أن يغلق أبوابه أمام الفكر الإنساني حتى يحفظ إيمانه، وإنما يحتاج إلى ميزان يمكنه من أن يقرأ العالم دون أن يفقد نفسه.
ولعل الجامع الأجمل بين الرجلين هنا أن القرآن ليس عندهما كتابا يعزل صاحبه عن معرفة الإنسان، بل كتاب يمنحه مفتاحا أعمق لقراءته.
«طريقنا الوحيد هو الإبحار بين الجنون والحكمة. نحن نخوض مغامرة مجهولة، وأكرر، تكمن المشكلة في امتلاك حد أدنى من الوعي، وحد أدنى من النقد الذاتي، وحد أدنى من الصفاء الذهني، وقبل كل شيء، أقصى حد من الانفتاح على الآخر.»
موران ووولف، 2002.
دخل هشام بن عبدالملك الكعبة، فإذا هو بسالم بن عبد الله بن عمر رضي الله عنهم.
فقال هشام لسالم : سلني حاجة .
قال : إني أستحيي من الله أن أسأل في بيته غيره .
فلما خرجا قال : الآن فسلني حاجة ، فقال له سالم : من حوائج الدنيا أم من حوائج الآخرة ؟
فقال : من حوائج الدنيا . قال : والله ما سألت الدنيا من يملكها ، فكيف أسألها من لا يملكها .
📚 سير أعلام النبلاء، للذهبي
فما نوبُ الحوادث باقياتٌ
ولا بؤسٌ يدومُ ولا نعيمُ
كما يمضي سُرورٌ وَهْوَ جمٌّ
كذَلك ما يَسُوؤك لا يَدُومُ
فَلا تَـهلِك عَلى مَا فَات وجْدًا
وَلاَ تُفْرِدْك بالأَسَفِ الهُمُومُ
من مميزات شيخنا الشيخ #صالح_العصيمي اهتمامه العظيم بتربية طالب العلم، فينبّههُ إلى دقائق القضايا السلوكية الإيمانية.
سئل مرة: كم يحتاج طالب العلم من متن يحفظه كي يتميّز؟
فقال: لا يحتاج أن يتميز، هذا مصطلح تجاري، إنما المعيار الصحيح أن يصل إلم رتبة الإحسان.
الفارغون مفتونون بالألقاب (بروف، دكتور، شيخ، مهندس، مستشار، كوتش، إتش آر...)، أما الممتلئون علماً فأزهد الناس في الألقاب.
موقف كبير يرويه الشيخ صالح العصيمي.. أنصتوا له إن كنتم تعقلون.
الغارة على العالم الإسلامي
وثيقةُ عدوٍّ انقلبت إنذارًا
أخطرُ ما كُتب عن الغارة على ديار الإسلام لم يكتبه مسلمٌ ناصح، بل مستشرقٌ فرنسيٌّ يُحرّض قومَه أن يلحقوا بالركب، فوقعت الوثيقة في يد صحفيَّينِ مسلمَين، فانقلب التحريضُ إنذارًا.
كانت في باريس مجلةٌ اسمها «مجلة العالم الإسلامي»، تصدر عن جمعيةٍ من المستشرقين تُسمّى «الإرسالية العلمية المغربية»، وصفها معرِّبا الكتاب بأنها قامت على درس الكتب الإسلامية والعادات الشرقية واللغة العربية وسائر لغات المسلمين «خدمةً لجامعات فرنسا السياسية والدينية والاقتصادية» (ص١٠)، وكانت تتزيّا بزيّ العلم وتجعل الغاياتِ السياسية في الدرجة الثانية، حتى إذا تمّ لفرنسا احتلالُ المغرب ودخلت فاس وحلَّ بطرابلس ما حلّ ظهرت على حقيقتها، فأصدرت عددًا ضخمًا ليس فيه غير بحثٍ واحد: «الغارة على العالم الإسلامي».
ولم يكتبه صاحبُه ليحذّرنا، بل ليقول للمبشّرين الكاثوليك كما فطن محب الدين الخطيب: «انظروا كيف سبقكم الآخرون إلى الغارة والفتح، فيجب أن تضاعفوا جهودكم» (ص٧).
فالكتابُ وثيقةٌ لا رسالة، ومنفعتُه من جنس ما تُفيده مضابطُ العدوّ إذا وقعت في يد المحاصَر، فيُقبل منه ما هو إخبارٌ عن أنفسهم وخططهم وأرقامهم، ويُردّ ما هو حكمٌ منه على الإسلام وأهله.
▪︎ أولًا: بطاقةُ الكتاب وأطوارُ نشره
الأصلُ الفرنسيّ: La conquête du monde musulman: les missions évangéliques anglo-saxonnes et germaniques، صدر سنة ١٩١١م في ٣٢٧ صفحة، وتمامُ العنوان يحدّد الموضوع، فليس الكتابُ في التبشير على إطلاقه بل في الجناح البروتستانتيّ منه خاصة، والكاثوليكُ يَرِدون فيه عَرَضًا أو على جهة المزاحمة. ولفظُ conquête هو «الفتح»، وقد أثبت المعرِّبان الوجهين في التوطئة، واختيارُهما «الغارة» أشدُّ إيقاظًا للنائم.
وأطوارُ نشره أربعةٌ، والخلطُ بينها أشيعُ ما يقع فيه الكاتبون عنه:
● صدور الأصل الفرنسيّ سنة ١٩١١م.
● نشرُ فصوله مسلسلةً في جريدة «المؤيد» سنة ١٣٣٠هـ الموافقة ١٩١٢م، أي بعد سنةٍ واحدة من صدور أصله، وتوطئتُها في عدد ٢٠ ربيع الثاني.
● إعادةُ نشرها في صحيفة «الفتح» سنة ١٣٤٩ و١٣٥٠هـ، بعد نحو عشرين سنة.
● إفرادُه كتابًا مستقلًّا في المطبعة السلفية بالقاهرة سنة ١٣٥٠هـ فما بعدها.
وسببُ إعادة نشره أنّ الخطيب كان يذكره لأصدقائه فيراهم لا علم لهم به لأنه «شيءٌ مضى عليه نحو عشرين سنة»، فاقترحوا عليه إفرادَه فأجابهم (ص٩).
و«المؤيد» جريدةٌ يوميّة أصدرها بالقاهرة سنة ١٨٨٩م الشيخُ عليّ يوسف، وهو من علماء الأزهر ومن أكابر رجال الصحافة في مصر، أنشأها في مواجهة جريدة «المقطم» المحسوبة على الاحتلال، وبهذا يُفهم لِمَ وجدت هذه الفصولُ فيها منبرًا، ولِمَ كان في قلم تحريرها رجالٌ كمحبّ الدين الخطيب وعبد الحميد الزهراوي وعبد القادر المغربي.
▪︎ ثانيًا: المؤلف ومجلَّتُه
فردريك ألفريد لوشاتليه (١٨٥٥ إلى ١٩٢٩م)، جنديٌّ فرنسيّ أمضى معظم حياته العسكرية في المستعمرات الفرنسية بأفريقيا، ثم شغل كرسيّ «علم الاجتماع الإسلامي» في الكوليج دو فرانس من ١٩٠٢ إلى ١٩٢٥م، وأسّس المجلة سنة ١٩٠٦م وكان أوّل من أشرف عليها، وقد دخل بعد خروجه من الجيش في مشروع سكة حديد الكونغو، وبارز خصمًا له فقتله في نزاعٍ حول اتهاماتٍ متبادلة فيه، فهو رجلُ مستعمرةٍ ومبارزة قبل أن يكون رجلَ كرسيٍّ جامعيّ، وهذا وحده يُغني عن كثيرٍ من الشهادات في بيان مقصده.
ومذهبُه مفتاحُ الكتاب كلِّه، فقد نقل عن نفسه في مقدمته قولَه سنة ١٩١٠م إنّ عمل فرنسا في الشرق يُبنى قبل كلّ شيء على «التربية العقلية»، وإنّ الغرض «لا يمكن الوصول إليه إلا بالتعليم الذي يكون تحت الجامعات الفرنساوية»، ثم أفصح: «وأنا أرجو أن يخرج هذا التعليم إلى حيّز الفعل ليثبت في دين الإسلام التعاليمَ المستمدّة من المدرسة الجامعة الفرنساوية» (ص١٣).
فتأمّل دقّة العبارة، فهو لا يريد إخراج المسلم من دينه بالمناظرة والتعميد، بل أن يُزرع في الدين نفسِه ما يُحيله من داخله، وهذا هو الفرقُ الجوهريّ بين مشروعه ومشروع زويمر، وهو الذي يجعل قراءةَ هذا الكتاب أنفعَ من قراءة عشرة كتبٍ في تاريخ الإرساليات.
- تنبيهٌ توثيقيّ: يشيع في مواقع الكتب والبيع نسبةُ الكتاب إلى الفيلسوف فرانسوا شاتليه (١٩٢٥ إلى ١٩٨٥م)، وهو غلطٌ محض، فبين وفاة الأول وولادة الثاني ما بينهما، ولا يجمعهما إلا اشتراكُ اللقب.
(الذل مع الأحباب)
وأستفيد من قوله تعالى: "واخفض لهما جناح الذل من الرحمة"، وقوله تعالى: "أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين" =
أن الذل مع الأحباب والأهل من تمام المروءة والعقل.
يقول ابن الفارض:
ويقبح غير الضعف بين الأحبةِ
وللمتنبي:
تذلل لها واخضع على القرب والنوى
البيتَ.
سألتُ عدة شيوخ لي ممن يكبرني بسنوات ويعرفني جيدًا سؤالًا مفاده: "لو كنتَ بعمري الآن ماذا ستفعل حتى لا تندم؟"
وانتظرت إجاباتهم وجمعتها وحلّلتها وكانت تتفق أو تكاد على ثلاثة أمور:
١- إتقان القرآن
٢- اعتياد قيام الليل
٣- عدم الإنشغال عن تربية الأسرة الصغيرة والأولاد بداعي الأنشطة الدعوية والعطاء العلمي ..
✍️ بدر آل مرعي