نستذكر في هذا اليوم المجيد تأسيس دولتنا المباركة، التي أقامها الأجداد على كلمة التوحيد، وتحقيق العدل، وجمع الشتات تحت راية واحدة؛ بما حقق بفضل الله تعالى الأمن والازدهار.
#وثيقة تأسيس دار المال الإسلامي..
والذي كان نواة البنوك المبنية على الاقتصاد الاسلامي غير الربوي..
جزى الله الأمير محمد الفيصل الذي قاتل وتبنى إقامة هذا الرمز الاقتصادي العظيم..
وإني أتذكر محاضرة عظيمة حضرتها مصادفة وكانت في عام ١٤٠٢هـ ..
كان مقدّمها: د. عبدالله بن عبدالمحسن التركي..
وضيف اللقاء كان: الأمير محمد الفيصل..
وشاركه: د. أحمد محمد علي رئيس بنك فيصل الإسلامي في ذلك الوقت..
وشاركه: د. محمد الفنجري خبير ومستشار في الاقتصاد الإسلامي في بنك فيصل الإسلامي
وكان المناقش لهم د. جعفر شيخ إدريس..
وبعد أن بدأ الحديث الأمير محمد الفيصل تفاجأنا بدخول الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله فتوقف الجميع عن الحديث مهابة لمقام الشيخ..
كما تعجب كثير من الحاضرين للندوة لحضور الشيخ..
ثم استمرت الندوة وتحدث د. أحمد علي ثم الفنجري وهم يبشرون بالنظام المصرفي الإسلامي ليكون بديلا عن النظام الربوي عند أكثر أهل العلم.
ولما جاء دور الشيخ جعفر شيخ إدريس كان تعليقه هجوميا شرسا ضد فكرة النظام الناشيء..
وكان يراه عبثا ونظاما ربويا وأنه لا يقدم جديدا..
واستشهد على صحة رأيه أن التأسيس للمصرف إنما كان في دولة جزر البهامس..
وأن البنك كان يضع أمواله هناك وتصدر له فوائد ربوية..
ثم استمر د. جعفر إدريس يشنع بقوة على البنك الإسلامي وأنه مخالف للشريعة وغير مقبول عنده البتة..
ويطالب بإلغاء وصف "الإسلامي" على بنك فيصل..
ثم صارت بعد انتهائه ردود متبادلة من الأمير محمد الفيصل ومن د. الفنجري ود. أحد علي..
وهو يرد عليهم كذلك..
وتأزمت الأحوال في تلك الندوة..
وتشنج الموقف بشكل مربك جدا حتى على د. عبدالله التركي مدير جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية آنذاك..
خاصة أن د. جعفر إدريس من منسوبي جامعة الإمام..
عندها طلب الشيخ ابن باز التعليق..
ويا لله العجب..
فما أعظم العلم إذا تناثر لؤلؤا في مثل تلك الملتقيات والندوات..
في الوقت الذي كان الغالبية الكبرى تظن أن الشيخ بن باز أبعد ما يكون عن فهم الاقتصاد الإسلامي بنظامه الحديث..
وأنه سيقضي على فكرة النظام الإسلامي لأن رأي الشيخ جعفر إدريس كان يبدو قويا..
وإذ بالشيخ لله دره ورحمه الله يعلق ويقول:
إن تأسيس البنك في بلاد غير إسلامية لا يؤثر في شرعية البنك طالما وافقوا له على نظامه..
وطالما لا يمنعونه من إجراءاته التنفيذية الداخلية ولا يتحكمون بها بما يغير من تطبيقه..
وكذلك في شأن تعامل بنك فيصل الإسلامي مع الفوائد التي تصرف له نتيجة الودائع في بنوك البهامس (والتي كانت أقوى استشهادات الشيخ جعفر إدريس على ربوية بنك فيصل) بأنها في رأي الشيخ ابن باز لا تعد تعاملا بالربا طالما أن بنك فيصل الإسلامي لا يستفيد منها ولا يعتبرها أرباحا وإنما كان البنك يصرفها كاملة وينفقها لصالح المسلمين في أمور مناسبة مثل إصلاح الطرق وما شابهها من غير ان تصرف في المساجد أو إطعام المؤمنين..
ثم دعا الشيخ الجليل لأمير محمد الفيصل بالخير الكثير وكان دعاؤه مؤثرا دمعت منه عينا الأمير وكثير من الحضور فرحا بفتوى الشيخ رحمه الله..
كما شكره على مبادرته لإنشاء أول نظام مصرفي على قواعد إسلامية وأن هذا العمل مما يرجى أن يكون له أجره وأجر من عمل به إلى يوم القيامة..
وأكد له أن وجود الأخطاء متوقعة ودعاهم ليكون العلماء الشرعيين المتخصصين في فهم الاقتصاد الحديث والإسلامي جزءا من المستشارين لهم حتى يقوى عود هذا البنك وينهض النظام المصرفي الإسلامي..
في تلك الليلة شع النور..
واطلق هذا النظام للاقتصاد الإسلامي للبنوك والمصارف بكل عزيمة وقوة..
بعد أن خشي الجميع من أن يوافق الشيخ ابن باز رأي د. جعفر إدريس..
وكانت الفتوى هذه هي السبب في ظهور هذا النظام اليوم لأغلب المصارف التي تكونت لها لجان شرعية على منهج الفتيا الرسمية ولله الفضل والمنة..
والله لا زلت أذكر الأمير محمد الفيصل وهو يقف ويرفع يديه فرحا بالانتصار العظيم أثناء تعليق الشيخ ابن باز لما أثنى عليه وطلب منه الاستمرار ومواصلة هذا التحدي العظيم..
لا زالت ذكريات تلك المحاضرة راسخة في ذاكرتي أبتسم لها ويشع نورها في قلبي حتى اليوم..
وكم فرحت أني شاركت فيها وحضرتها بالرغم من عدم علمي بها..
لكن كان الفضل فيها لله ثم لوالدي الذي طلب مني أن نحضرها..
باختصار كانت ليلة فاصلة في تاريخ الاقتصاد الإسلامي..
وفي تاريخ البنوك التي انطلقت بأنظمتها على أساس شرعي مختلف عن كثير من التطبيقات العالمية..
ولا شك أنه كانت هناك اجتهادات نظرية لبعض علماء الشريعة في عدد من دول العالم الإسلامي يتحدثون عن الاقتصاد الإسلامي عامة والمصرفي خاصة..
لكن الأمير محمد الفيصل كان البطل العظيم الذي حمل مفتاح البدء والانطلاق بهذا النظام الفريد في زمنه فأنقذ به المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها من ويلات النظام الربوي العالمي..
فلله الحمد والشكر كله..