قال ابن الجوزي في صيد الخاطر كلاما ثمينا جدا في العلاقات:
كان لنا أصدقاء وإخوان أعتد بهم؛ فرأيت منهم من الجفاء وترك شروط الصداقة والأخوة عجائب، فأخذت أعتب،
ثم انتبهت لنفسي، فقلت: وما ينفع العتاب؛ فإنهم إن صلحوا، فللعتاب لا للصفاء؟!
فهممت بمقاطعتهم! ثم تفكرت، فرأيت الناس بين معارف وأصدقاء في الظاهر، وإخوة مباطنين،
فقلت: لا تصلح مقاطعتهم؛ إنما ينبغي أن تنقلهم من ديوان الأخوة إلى ديوان الصداقة الظاهرة، فإن لم يصلحوا لها، نقلتهم إلى جملة المعارف، وعاملتهم معاملة المعارف، ومن الغلط أن تعاتبهم.
هذا النص يُعد من أروع ما كُتب في "فقه المداراة":
حيث يفرق ابن الجوزي بين "ديوان الأخوة" (الذي يتطلب الصفاء والمباطنة) وبين "ديوان الصداقة الظاهرة" (التي تقوم على المجاملة والمعاملة الحسنة دون تعمق)،
كأنّه رحمه الله يضع لنا في هذا النص نموذجاً "للهرم الاجتماعي".
حيث تصنف العلاقات مستويات أو درجات:
مرتبة المحبة والمودة: وهي الدرجة العليا (الصفاء التام).
مرتبة الأخوة: وهي درجة الحقوق والواجبات العامة.
مرتبة الصحبة: وهي المرافقة في العمل أو السفر دون خلطة نفسية عميقة.
مرتبة المعرفة: وهي السلام ورد التحية.
أبرز نقاط الحكمة في النص:
التوقف عن العتاب: العتاب المستمر لا يُصلح من لا يريد الإصلاح، وربما أدى إلى زيادة الجفاء.
مراتب الناس: لا بد من إنزال كل شخص مرتبته (من مستوى المحبة إلى مستوى المعرفة) بناءً على طباعه.
الواقعية في العلاقات: الصفاء الكامل في الأخوة عزيز، لذا اخفض سقف توقعاتك من الناس.
· لا يلزم قطيعة من لا تحب، ولكن أنزله مكانه الصحيح في هذا السلم. وهو ما يساعد الإنسان على حماية قلبه من الصدمات الاجتماعية عبر "إعادة تصنيف" الأشخاص بدل قطعهم نهائياً.
في النص جملة عميقة عجيبة: يقول ابن الجوزي: "فإنهم إن صلحوا، فللعتاب لا للصفاء" وفيها عدة معانٍ نفسية عميقة:
يرى ابن الجوزي أنك إذا عاتبت صديقاً على تقصيره، ثم بدأ هذا الصديق في تحسين معاملته لك، فإن هذا التغيير غالباً ما يكون نتيجة "ضغط العتاب" أو الرغبة في التخلص من الإحراج أو الشعور بالذنب، وليس نابعاً من فيض المودة التلقائي. هو استجاب للعتاب (كأداة ضغط) ولم يستجب للصفاء (وهو الميل القلبي الخالص).
بينما في العلاقات العميقة (ديوان الأخوة)، تكمن القيمة في أن يفعل الطرف الآخر الشيء لأنه "يريد" وليس لأنه "طُلب منه".
ابن الجوزي يرى أن الود الذي يأتي بعد عتاب ومطالبة، هو ودٌّ "مخدوش"؛ لأن الطرف الآخر أصبح يقوم بالواجب خوفاً من لومك، وهذا يحوّل العلاقة من حالة "الانسجام الروحي" إلى حالة "الأداء الوظيفي".
ابن الجوزي هنا يضع قانوناً في "إدارة التوقعات":
هو يدعوك ألا تستهلك طاقة قلبك في محاولة "ترميم" شخص لا يملك الاستعداد النفسي للصداقة العميقة. فبدلاً من أن تحاول إجباره بالعتاب على أن يكون "صفياً"، أنزله لمرتبة "المعرفة" حيث يكفي فيها "صلاح العتاب" والتعامل السطحي المهذب، فترتاح من خيبة الظن في صاحبك، وتحميه من ثقل التكلف.
من المواقف التي حدثت أمام زوجتي قديمًا في إحدى دورات البرمجة اللغوية..
أن المدربة كانت تسأل كلّ واحدٍ منهنّ: "عدّدي نجاحاتك، وما هي المشاريع التي تقومين بها في حياتك؟"
إحدى المتدربات قالت: أنا زوجة وأم.
فردّت المدربة: لا ما يكفي .. لا بد أن يكون هناك نجاحات أخرى!
هكذا تنتهي القصة، لتبدأ العِبرة..
لنجد أن مفهوم النجاح في زمننا أصبح مرتبطًا بصورة نمطية، تتصل في الأساس بالوظيفة والمادية.
وهذا التضييق في تعريف النجاح يحرِمُ قطاعًا كبيرًا من البشر من إعطائهم لقب الناجحين، فقط لأنهم لم يحققوا هذه الصورة النمطية!
مع أنهم في الحقيقة يكونون مساهمين في نجاحات كبيرة يتعدّى أثرها إلى غيرهم.
وعلى رأس هؤلاء: الأمهات.
لذلك ننصح الأمهات دائمًا بعدم الانسياق وراء صورة النجاح المادية المعاصرة، وأن يفخرن بما هنّ فيه من أمومةٍ ناجحةٍ يُعظِّمُ قدرَها كلُّ صاحبِ رؤية سليمة.
والله الهادي
"فاسْتَجَبْنَا لهُ فكَشفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍ"
"فاسْتَجَبْنَا لهُ ونَجيْنَاهُ من الْغَمِّ "
"فاسْتَجَبْنَا له وَوَهَبْنَا له يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا له زَوْجَه"
مع الدعاء لا ضُرٍّ يُرهق ، ولا غَمِّ يُغرق ، ولا هبات تُحرم
وَعْدَ اللَّهِ { ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ}
#سعود_الشريم
في هذا الحر الشديد، تخيل أن تبحث عن الماء البارد فلا تجده، ثم تخيل أن يتكرر صنف الطعام على مائدتك لعدة أيام، ستضيق نفسك بلاشك..
في الوقت نفسه، تقبع مدينة كاملة بأهلها، لم توضع فيها مائدة واحدة منذ شهور، ولم تدخلها زجاجة ماء نظيف ولا لحوم وخضار، أطفال يصرخون من الجوع والعطش والخوف، ونساء يستغثن ورجال عاجزون.
تصور هذا الأمر كفيل بقطع الانفاس، فما بالك بمعايشته؟
اللهم إن هذا منكرٌ لا يرضيك، وحسبنا أنت ونعم الوكيل