بخصوص حملات النسوية حول (٢٠٣٠ بلا نقاب) واستثمار قضية النقاب للطعن فيما وراءه من الثوابت، والتبجح بالسفور والانحلال، واستغلال حالة التضييق الأمني على المشايخ والمصلحين للتفرد بنشر الفجور ومحاربة العفاف:
لا تظنوا أن المصلحين قد ماتوا وأن الساحة قد خلت لكم ولأمثالكم،
كلا؛ فالذين كسر الله بهم موجة الإلحاد قبل ١٠ سنوات سيكونون غصة في حلوق المتطاولين على الدين في كل حين بإذن الله، وسترون منهم ما يسوؤكم.
وإذا كنتم واجهتم بالأمس طلاب صناعة المحاور وحدهم فضيَّقوا عليكم الأرض بما رحبت في صولات وجولات يعرفها من شهدها؛ فستواجهون اليوم وفي الغد أضعاف أضعافهم من طلاب البناء الفكري وبرد اليقين وأكاديمية الجيل والبناء المنهجي وغيرهم الكثير بعون الله ومدده.
اللهم رحمتك بإخواننا في سجون مصر وفي كل مكان
اللهم ارحم ضعفهم وتولَّ أمرهم واجبر كسرهم وأحسن خلاصهم
اللهم اربط على قلوبهم واحفظهم واجعل لهم فرجا قريبا ومخرجا
هذه الحالة المستغلقة التي يواجهها كثير من أبناء الأمة ومصلحيها: لن تدوم.
ستتغير الموازين والموازنات، وقد يصبح الخصم صديقا والصديق خصماً.
لقد شهدت المنطقة في عقدها السابق حالة مخيفة من محاربة المشاريع الإسلامية ونشر الفجور والإلحاد أدت إلى تحولات حادة في البنية الفكرية والنفسية والمعنوية للشباب الإسلامي، قذفت ببعضهم إلى الإلحاد، وبآخرين إلى الشكوك في الثوابت، وببعضهم إلى اتجاهات الغلوّ والتطرف، وبأكثر منهم إلى حالة عامة من اليأس والإحباط، وبقي القليل منهم يحمل شعلة العمل والأمل.
لقد أنشئت في تلك المرحلة مقابر جماعية معنوية هائلة وحفرت فيها قبور عميقة للمشاريع الإسلاميّة، واحتشدت كل الأسباب المادية لإتمام عملية الدفن مع ضمان عدم العودة إلى الأبد.
ولكن -كما هي سنة الله في التاريخ-: عادت النباتات من جديد، وبدأت تنمو من بين الشواهد والقبور، وستنمو وتثمر أكثر من ذلك بكثير فوق ما يظن الجميع.
والمتوقع -والعلم عند الله- أن "بعض" الأنظمة السياسية ستعود إلى التصالح مع المكون الإسلامي في بلادها وتعيد ترتيب أوراقها الداخلية تجاه المخاطر الإقليمية التي استجدت في المنطقة والتي تستوجب نظرا مختلفا وتعاملا أفضل تجاه المكونات الفاعلة بصدق في خدمة بلدانها ومجتمعاتها وأمتها.
سورة الفرقان عجيبة عظيمة؛ تتسق موضوعاتها وتتمحور مقاصدها على قضية الفرقان بين الحق والباطل، عبر عدة جوانب متكررة في السورة:
١- ذكر أقوال المبطلين، مثل (وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه) وقولهم: (مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق) وقولهم: (لولا نزل عليه القران جملة واحدة)
٢- ذكر بواعث المبطلين في تبني أقوالهم، مثل (لقد استكبروا في أنفسهم) و (بل كانوا لا يرجون نشورا)
٣- الرد على مقولاتهم، مثل (وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق)
٤- إيناس حامل الرسالة وتثبيته تجاه حملات أهل الباطل، وأنه ليس وحده، مثل: (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين) و (لنثبت به فؤادك) ومثل (عبده)
٥- بيان وسيلة المقاومة والمجاهدة للمبطلين (وجاهدهم به جهادا كبيرا)
٦- ذكر جزاء أهل الباطل وسوء عاقبتهم (وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا) وتخويفهم باليوم الآخر (ويوم تشقق السماء بالغمام)
وذكر جزاء أهل الحق (أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقّون فيها تحية وسلاما)
كما أنّ الدنيا ليست دار الحرية المطلقة، وهي سجن المؤمن، وطريق الجنة فيها محفوف بالمكاره؛ فإنه -وبعكس ذلك- يكون من نعيم المؤمنين في الجنة أن (لهم فيها ما يشاؤون)
من الموضوعات المهمة في القرآن الكريم: (التعريف بالإنسان)
رغباته وإراداته وأهوائه،
بواعثه النفسية ومحركاته الداخلية،
مُثبّتاته ومثبطاته،
قدراته على الصبر أو انهياره وجزعه أمام المصائب والشدائد،
تفاعلاته الشعورية وصراعاته الباطنية حين يواجه الحقائق البيّنة التي تخالف مكتسباته الشخصية،
شجاعته وجبنه،
سخاؤه وشحُّه،
كرمه وبخله،
استقامته وفسقه،
جهله وطيشه،
وقاره وحلمه،
استعلاؤه واستكباره،
إخباته وخشوعه.
ثم: من الذي يُعرّف بذلك كله؟
الرحمن الذي هو (بعباده خبير بصير) فهو الذي خلق هذا الكائن؛ أفلا (يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير)؟!
فاقرؤوا القرآن قراءة من يريد أن يفهم الإنسان؛ فلن تجدوا -ورب العزة- من علوم الأرض ما يُعرف بالكائن البشري ونفسه وإراداته ومحركاته كالقرآن..
فالعالم بالقرآن = عالم بالإنسان
والفاهم لكلام رب البرية = عارف بالنفس البشرية
*تاريخ المنشور: 2 ديسمبر 2020