تعيش إسرائيل ليلة من ليالي كثيرة عاشتها غزّة والضاحية وطهران وصنعاء وبغداد وغيرهم. تعيش ليلة من ليالي العامرية والمعمداني وقانا وحضانة ميناب. عشنا لنرى إسرائيل فيها مجزرة وعالقين تحت الأنقاض، وهذه مصطلحات تعوّدنا أنها تخصّنا وحدنا. هذا عين الصواب والمنطق والعدل. بوركت السواعد.
في الليل، وأنت وحدك، ترى شهدائك ماثلين أمام عينك بصورتين، صورتهم التي تعهدها لهم باسمين يُشعّون نورًا، وصورة ًمضرجين بدمائهم، مُقطعةً أوصالهم، يُحدّقون بك وينظرون لداخل روحك، يُقسمون عليك ألا تنساهم ولا دمائهم ولا أهليهم ولا صحبهم، وألا تنسى من قتلهم وخذلهم، وأن تثأر لهم.
هذه وصيّتي، ورسالتي الأخيرة.
إن وصلَتكم كلماتي هذه، فاعلموا أن إسرائيل قد نجحت في قتلي وإسكات صوتي.
بداية السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
يعلم الله أنني بذلت كل ما أملك من جهدٍ وقوة، لأكون سندًا وصوتًا لأبناء شعبي، مذ فتحت عيني على الحياة في أزقّة وحارات مخيّم جباليا للاجئين، وكان أملي أن يمدّ الله في عمري حتى أعود مع أهلي وأحبّتي إلى بلدتنا الأصلية عسقلان المحتلة "المجدل" لكن مشيئة الله كانت أسبق، وحكمه نافذ.
عشتُ الألم بكل تفاصيله، وذُقت الوجع والفقد مرارًا، ورغم ذلك لم أتوانَ يومًا عن نقل الحقيقة كما هي، بلا تزوير أو تحريف، عسى أن يكون الله شاهدًا على من سكتوا ومن قبلوا بقتلنا، ومن حاصروا أنفاسنا ولم تُحرّك أشلاء أطفالنا ونسائنا في قلوبهم ساكنًا ولم يُوقِفوا المذبحة التي يتعرّض لها شعبنا منذ أكثر من عام ونصف.
أوصيكم بفلسطين، درةَ تاجِ المسلمين، ونبضَ قلبِ كلِّ حرٍّ في هذا العالم.
أوصيكم بأهلها، وبأطفالها المظلومين الصغار، الذين لم يُمهلهم العُمرُ ليحلموا ويعيشوا في أمانٍ وسلام،
فقد سُحِقَت أجسادهم الطاهرة بآلاف الأطنان من القنابل والصواريخ الإسرائيلية، فتمزّقت، وتبعثرت أشلاؤهم على الجدران.
أوصيكم ألّا تُسكتكم القيود، ولا تُقعِدكم الحدود، وكونوا جسورًا نحو تحرير البلاد والعباد، حتى تشرق شمسُ الكرامة والحرية على بلادنا السليبة.
أُوصيكم بأهلي خيرًا،
أوصيكم بقُرّة عيني، ابنتي الحبيبة شام، التي لم تسعفني الأيّام لأراها تكبر كما كنتُ أحلم.
وأوصيكم بابني الغالي صلاح، الذي تمنيت أن أكون له عونًا ورفيق دربٍ حتى يشتدّ عوده، فيحمل عني الهمّ، ويُكمل الرسالة.
أوصيكم بوالدتي الحبيبة، التي ببركة دعائها وصلتُ لما وصلت إليه، وكانت دعواتها حصني، ونورها طريقي.
أدعو الله أن يُربط على قلبها، ويجزيها عنّي خير الجزاء.
وأوصيكم كذلك برفيقة العمر، زوجتي الحبيبة أم صلاح بيان، التي فرّقتنا الحرب لأيامٍ وشهورٍ طويلة، لكنها بقيت على العهد، ثابتة كجذع زيتونة لا ينحني، صابرة محتسبة، حملت الأمانة في غيابي بكلّ قوّة وإيمان.
أوصيكم أن تلتفوا حولهم، وأن تكونوا لهم سندًا بعد الله عز وجل.
إن متُّ، فإنني أموت ثابتًا على المبدأ، وأُشهد الله أني راضٍ بقضائه، مؤمنٌ بلقائه، ومتيقّن أن ما عند الله خيرٌ وأبقى.
اللهم تقبّلني في الشهداء، واغفر لي ما تقدّم من ذنبي وما تأخّر، واجعل دمي نورًا يُضيء درب الحرية لشعبي وأهلي.
سامحوني إن قصّرت، وادعوا لي بالرحمة، فإني مضيتُ على العهد، ولم أُغيّر ولم أُبدّل.
لا تنسوا غزة…
ولا تنسوني من صالح دعائكم بالمغفرة والقبول.
أنس جمال الشريف
06.04.2025
هذا ما أوصى بنشره الحبيب الغالي أنس عند استشهاده.
إدارة الصفحة
في تموز ٢٠١٤، أذكر يوم كنت أُتابع جلسات المحاكمة في المحكمة العسكرية. شهِدتُ جلسة لمحاكمة حسين عطوي ب "جرم" إطلاق الصواريخ على الأراضي المحتلّة. لم يكن الماثل أمام هيئة المحكمة فتى متهوراً، ولا شاباً مراهقاً، بل كان رجلاً مثقفاً ورصيناً في العقد الخامس من العمر. يحمل الدكتوراه في الدراسات الإسلامية. وكان قد عمل صحافياً لعدة سنوات قبل أن ينتقل إلى التدريس في الجامعة.
ترعرع حسين في بيت مقاوم. وُلد في بلدة الهبارية العرقوبية في جنوب لبنان عام 1968. القرية التي تقع على السفح الغربي لجبل الشيخ، وتربطها حدود مع سوريا وفلسطين المحتلة. حين كان عمره ٩ سنوات، استُشهدت والدته بقذيفة إسرائيلية عام ١٩٧٧. لملم والده أشلاءها بيديه ليكبر حسين يتيماً مع هذا الجُرح. وبعد الاجتياح الإسرائيلي عام ١٩٨٢، انخرط في صفوف المقاومة عبر «قوات الفجر»، الجناح العسكري التابع للجماعة الإسلامية.
في جلسة المحاكمة تلك، واجه عطوي رئاسة المحكمة بالقول ألا تخجلون من محاكمتي؟! أرضي مُحتلّة ومن حقّي الدفاع عنها. لكنّ ذلك لم يحل دون سجنه للأسف. يومها كتبت مقالاً بعنوان: "حسين عطوي: الشيخ والمثقف والمقاوم".
مرّت السنين، ومع كل مرة، كانت تُطلق صلية صواريخ على العدو كنت أبحث فيها عن أثرٍ لعطوي. مع بداية الحرب الإسرائيلية على أرضنا، وتحديداً في كانون الثاني ٢٠٢٤، انتشر خبر عن مسيّرة لاحقت شخصاً في بلدة كوكبا الجنوبية. استهدفت سيارته من نوع رابيد، لكنه قفز منها قبل إصابتها والتجأ إلى منزلٍ قريب. عاودت المسيرة استهدافه للمرة الثانية، لكنّه نجا مجدداً. خرج من المنزل لتطلق عليه صاروخاً ثالثاً، لكنّه لم يُصب منه مقتلاً. كُتب لحسين يومها عمرٌ جديد أفنى ما تبقى منه في المقاومة، كما كلّ سنينه التي قاتل فيها بكل ما أوتي من قوة ووفاء.
لم أعرف حسين شخصياً، لكني كنت أتابعه بقلبي وعقلي وأشعر بآثاره ولمساته. مجرّد معرفتي أنّه يُرابض هناك على تلك الحدود الجنوبية، لم يملّ ولا يزال يترصّد العدو ويتحرّك بعناده وإصراره مناضلاً، كان يمنحني أملاً وفرحاً.
اليوم تمكن الموت من حسين. أحزنني كثيراً هذا الخبر مع أنني كنت أتوقعه في كل لحظة. استهدفه شِرارُ أهل الأرض في سيارته على طريق بعورتة الشوف. ارتقى المثقف والمقاوم شهيداً ليروي بدمائه أرضنا المقدّسة. بقي وفياً ومقاوماً حتى آخر نفس.
قلبي هناك… عند الشهيد الذي لم يُنعه بشر، لم تُنشر له صورة، ولم يُواسِ أهله أحد.
مجهول في الأرض، معلوم في السماء… وقلبي لا يفارقه، لا يبرح، لا يهدأ، يظل يذكره كلما نسيه هذا العالم.
حُرمتُ من وداعٍ كهذا لطفليّ..
وإن قُدّر لي أن أودّعهم، فلربما كنت سأودّع جسداً بلا ملامح،
جسداً لا أثر فيه سوى ما تبقّى من عظام هشّة،
بعدما تم انتشال رفاتهما بعد ٢٩ يوماً من تحت الركام.
قُتل ابني عبود وابنتي آية منذ أكثر من ٥٠٠ يوم،
وما زلت في قهري..
وما زلت أجدد كرهي لعالمٍ حقير.. حقير
رغم صعوبة وقسوة الواقع في المنطقة عمومًا، وفلسطين خصوصًا، لكننا في ظل وطئة الظروف وتضارب المعطيات، نتمسك بنقاء وعدالة الأهداف والمنطلقات التي أطلقت الطوفان المبارك. فدماء قادتنا العظام، ومجاهدينا الميامين، وأهلنا ومجتمعنا لن تذهب هدرًا ولا سدى، وستحرك كل المنطقة نحو قدرها المحتوم بالتحرر مهما كانت الكلف والأثمان.
في صورة"ابو حمزة" نموذج الفلسطيني الذي لا يلائم قياس اعلام القواعد العسكرية الأمريكية.
الفلسطيني الذي لم يتردد في توجيه الشكر لإيران وسوريا (المقاومة) في عز حملات التشويه، وابن غزة الذي انتمى لحواضن المقاومة في لبنان واليمن والعراق؛ هو فلسطيني مكتمل العداء لأميركا وأدواتها.