فقد فككتَ طلاسم الطريق. الاختيارُ الصحيح هو الذي لا يتركك كما كنت، بل يسرق منك "أناك" القديمة ليمنحك كوناً أرحب، حيث لا يهمّ إن كان الدربُ شائكاً، طالما أن قدميك قد ألفتا ملمس الأرض، وقلبك قد أتقنَ لغةَ المجهول.
ثمة خيطٌ رفيعٌ ينسلُّ بين الندمِ والرضا، خيطٌ لا يُرى بالعين المجردة، بل يُحسُّ بوخزهِ في أطرافِ الأحلام. إن البحثَ عن صكِّ براءةٍ لخياراتنا هو ضربٌ من ملاحقة السراب؛ فالحقيقةُ الكامنة في جوفِ المسافات تخبرنا أن الدليل على صحةِ الدرب ليس في نهايته المضيئة، بل في كينونةِ المسير..
قُدِّر له أن يضيء فيه.
إن أعمق الأدلةِ هي تلك التي تفتقرُ للبرهان الحسي، هي تلك السكينةُ الغامضة التي تأتيك في ذروةِ العاصفة، لتهمس لك بأن هذا الشتات ليس إلا تمهيداً لوحدةٍ أعظم. فإذا وجدتَ أن قراراتك، رغم ثقلها، تجعلك أكثر خفةً في مواجهة الموت، وأكثر جسارةً في عناق الحياة،
ضعفِ تدبيرنا، وما لم يُكتب لنا لن تُدركهُ لهفةُ قلوبنا ولو حاربنا لأجلهِ الثقلين.
نحنُ نختارُ بقلوبنا القاصرة، واللهُ يختارُ لنا بعلمه المحيط، وفي هذا التسليمِ تكمنُ النجاة.
إنَّ حقيقةَ الفطرةِ البشريةِ في خياراتها لا تعتمدُ التأني في الحُكم؛ فنحنُ كائناتٌ تُغريها الأضواءُ الخاطفة، تقودنا الاندفاعاتُ السريعةُ نحو انبهارٍ مؤقتٍ ببعضِ المواقف، دون أن نمنحَ العقلَ فرصةَ التروي. نحنُ نركضُ خلفَ ما يلمع، مدفوعينَ بغريزةٍ دفينةٍ في أعماقنا، تلك التي تجعلنا