هذا مقطع ينبغي أن يشاهده كل مسلم يعيش أحداث الواقع ويسعى لتقديم شيء لأمته:
[العلاقة بين الذنوب والأقدار الإلهية]
وأجمل ما في المقطع أنه مقطع عملي يخرج الإنسان منه بما يجب عليه فعله في ظل الأحداث الحاصلة.
إن انبهار تاكر كارلسون بالمعاملة الجيدة التي يحظى بها المواطن المسيحي في الوطن العربي في القرن الحادي والعشرين هو بحد ذاته كارثة.
فجهله، وعدم اطلاعه، واعتماده—وملايين مثله—على دعاية مغرضة عن الإسلام والمسلمين والعرب، وعن الحضارة العربية وتقاليدها وعاداتها، ثم اكتشافه لهذه الحقائق متأخرًا، لا يدعو للفخر ولا للاحتفاء، بل يفضح حجم التضليل المتعمد وسوء النية في الخطاب الغربي السائد.
يريدون تركيع أهل غزة بالجوع،
ويريدون القضاء على روح الجهاد في الأمة بجَعْل أهل غزة عبرة لمن يعتبر، ويظنون أنهم بطغيانهم وسلاحهم وإجرامهم سينجحون في ذلك.
لقد حاولت أقوى دولة في العالم تركيع الأمة وكسر إرادتها بغزو أفغانستان قبل عشرين سنة واستعملت كل أنواع الأسلحة والقنابل والصواريخ والقاذفات، وفتحت المعتقلات والسجون الرهيبة وملأتها بالأسرى وعذبتهم بأحدث أدوات التعذيب النفسي، وجيشت العملاء ودربتهم وصرفت على تجهيزهم المليارات، وحشدت كل ما يمكن لقوة بشرية أن تحشده من آلات وتقنيات وقدرات وأعداد وأموال وأفكار ومؤسسات، وقتلت عشرات أو مئات الآلاف من المسلمين في أفغانستان.. ثم ماذا؟
طردهم الأفغان الأبطال من بلادهم بعد جهاد طويل بأبسط الأدوات وأضعف الوسائل، بعد صبر وتضحية ودماء وقيود وأشلاء، ولكنهم انتصروا وكسروهم وطردوهم أمام شاشات العالم، ورفعوا راية الإسلام خفاقة بكل عزة وكرامة، وفي نفوسهم ألف دليل على معية الله لمن ينصر دينه ويضحي في سبيله، ولم تزدهم تلك الابتلاءات إلا صلابة وقوة وعزة وكرامة.
مجنون من يظن أنه بطغيانه سيكسر هذه الأمة،
ومغفل من يختار موقف الخيانة أو الخذلان،
وسفيه من يعيش اليوم حياته غافلا لاهيا تافها بينما الدنيا تشتعل من حوله.
إن هؤلاء الأعداء المحتلين الذين تجاوزوا الحد في طغيانهم على أهلنا في غزة لم يزيدوا على أن أذكوا نار الحمية والجهاد والعزة في نفوس الملايين من المسلمين الذين يعانون من القيود التي تكبّل حركتهم وتقمع إرادتهم وتقص أجنحتهم وتتبع أنفاسهم وتحاسبهم على الكلمة قبل الفعل.
إن هذه المشاهد أشعلت البراكين في ملايين الصدور، وصار دخان هذه البراكين يصعد متسللا من بين الصخور منذراً بانفجار هائل لا يبصره المجرمون كعادتهم الدائمة في التاريخ.
إن كل مسلم صادق لايمكنه أن يقف اليوم متفرجاً أمام ما يحدث لإخوانه بل لابد أن يكون له سهم ونصيب في نصرتهم، وسد حاجتهم، وإطعام جائعهم بكل ما يمكنه بعد السعي الصادق الدؤوب والتحري والتتبع لكل الوسائل.
اللهم فرج عن أهل غزة، وانصر من نصرهم، وانتقم ممن ضيق عليهم، وارض عمن نصرهم أو سعى في نصرهم بما يمكنه.
إن نموذج المرأة الذي كشفت لنا الحرب في غزة صورته لهو والله النموذج المعياري للمرأة المسلمة الذي ينبغي أن يُسعى لإعادة إحيائه وبثه بين بنات المسلمين،
هذا النموذج المتمثل في المرأة بأطوارها المختلفة؛ عزباء ومتزوجة، أمًا وطفلة ومسنة..
المرأة التي تجاوزت دائرة الدنيا الضيقة لتحلق في فضاءات الآخرة الرحبة؛ التي انطلقت تسابق في الخيرات، وتسعى لتحصيل المكتسبات -الأخروية لا الدنيوية فقط-،
المرأة التي عرفت دورها في الحياة، والتي فهمت غاية وجودها والإطار الكلي الذي تنطلق منه فانتظمت تحته بقية التفاصيل والجزئيات،
المرأة التي عرفت الواجبات المناطة بها فقامت بها وقدمتها وبذلتها على أحسن وجه قبل أن تسأل عن ما لها من حقوق، لا المرأة التي لا ترى في الدنيا غير الحقوق التي ينبغي أن تُحصلها فإن لم تتمكن من ذلك ثارت وتمردت وأمست حياتها بلا معنى!
المرأة التي عرفت أنها مُكلفة كما الرجل، وأنها مسؤولة مسؤولية ذاتية عن نفسها في الثبات على دينها، وفي تحصيل أسباب ذلك، ومسؤولة مسؤولية عامة تجاه الإسلام والمسلمين، ونصرة الدين والبذل له، ومساندة المصلحين ومؤازرتهم، والمشاركة في هذا الميدان بما تملك،
المرأة التي عرفت أن من أعظم أدوارها وأشرفها؛ تربية أبنائها على معاني العزة الإيمانية، وغرس معاني العقيدة الصحيحة في نفوسهم، وتنشأتهم على معاني القرآن وأوامره بنفس القدر الذي تهتم بدراستهم الأكاديمية بل أعظم،
المرأة التي آزرت زوجها الأسير أو المجاهد أو المرابط؛ التي حفظته في نفسها، ورعته في أبنائه، وثبتت إلى جانبه وصبرت على قسوة الظروف، وانتظرته سنوات طويلة محتسبة في ذلك أن تشاركه الأجر في هذا الطريق المُقدس!
المرأة التي طلبت الاستغناء الروحي والإيماني لتؤمّن به مستقبلها الديني والأخروي، في الوقت الذي تسعى كثير من النساء لتحصيل الاستغناء المادي الذي تؤمّن به مستقبلها الدنيوي مضحية في سبيل ذلك بالكثير!
فلعمري هذا والله الشرف الحقيقي للمرأة، والدور الذي يجب أن يُسعى لإعادة بثّه وإحيائه ونشره بين نساء المسلمين وبناتهم، وهكذا كانت حياة النساء في وقت النبيﷺ؛ فانطلقن من دورهن الأساسي ومن الغاية التي خُلقن لأجلها -العبودية لله تعالى-، مسترشدين بالوحي في الأدوار والواجبات والأطر التي يسعين فيها، فقدمن لنا أمثلة عظيمة في العزة والإباء والقوة والصبر والعلم والعمل.
وهذا زمان قُصد فيه إبعاد المرأة عن هذه المعاني الجليلة، وحصرها في دوائر الدنيا الضيقة الدنيئة، وضُحك عليها بحقوق ومكتسبات ولعاعات دنيوية حقيرة، وعُمد إلى تعطيل دورها الحقيقي، وزُج بها في مجالات وأدوار ليست لها، فأصبحت المرأة تفني حياتها في اللامعنى، وتهلك شبابها فيما لا ينفع، وتسابق في مجالات ليست لها، وتسعى لإثبات ذاتها بتحقيق مكانة متوهمة، فخسرت في سبيل ذلك ذاتها وكيانها، وخسرت قبل ذلك دينها وآخرتها، وفقد المجتمع المسلم بذلك عنصرًا أساسيًا ومكونًا جوهريًا في الحفاظ على هويته المسلمة.
وعليه فإن من واجبات الوقت المُلحة إعادة تصحيح البوصلة في هذا المجال، وإعادة ضبط التصورات الخاطئة التي تلوث بها، وإعادة تصحيح المعايير فيه على ضوء معيار الوحي،
وإن من أعظم ما يُقدم لنساء المسلمين بل للمجتمع المسلم اليوم؛ هو بناء وتخريج نماذج وقدوات نسائية تربت على المعايير الصحيحة، وتحققت بما فيها من معاني العلم والعمل جميعًا، وهذا طريق يحتاج إلى تضحية وبذل وسباحة عكس التيار وتحمل مسؤولية ذلك، لكنه والله الطريق الذي يستحق البذل والتضحية والصبر،
فلله من سارت في هذا الطريق مستهدية بالله، مسترشدة بوحيه، معتصمة بحبله، مقتدية بنساء خير القرون، مبتغية بذلك وجه الله، قاصدة إحياء هذا الدين بإعادة إحياء دور المرأة المسلمة فيه!
#باب_المرأة
الحمد لله رب العالمين،
الحمد لله على سلامتكم يا أهل غزة الكرام،
الحمد لله يا تيجان الرؤوس،
والحمد لله الذي حال بين العدو وبين بلوغ مراده ورده عنكم صاغراً.