"أحب أن أؤكد أن الخطر لا يقتصر على فلسطين أو على الأجزاء المحتلة من العالم العربي في هذا اليوم، بل الخطر سوف يمتد ويمتد ويشكل [خطراً] على جميع المناطق في الشرق وحتى على الغرب أيضًا. ولكن مع الأسف، الغباء العالمي الناتج عن الغرور عند بعض الدول الاستعمارية يعوق بالفعل الإدراك لأبعاد هذه [القضية]، ربما يفكرون أنهم في الساعة التي يشاؤون يتمكنون من إيقاف إسرائيل عند حدّها، ولكن هذا خيال، وكنا نتخيل نحن أيضًا سابقًا هذه الغلطة التاريخية التي ارتكبت في هذه المنطقة."
الإمام المغيب السيد #موسى_الصدر
شابتان لبنانيتان في مطار بغداد، تسألان عن وجهتي. "إلى مشهد"، أجبتُ، بلا أن أعرف دوافع السؤال.
أنتما متجهتان إلى مشهد؟
نعم.
متى موعد طائرتكما؟
لم نحجز بعد. وسألناك لأننا نريد معرفة الموعد الأقرب لطائرة إلى مشهد، لنحجز.
الشابتان لم تتمكنا من حجز مقعدين لهما من بيروت (لتعقيدات عديدة، أبرزها قرار إذعان جوزف عون ونواف سلام لأوامر منع هبوط الطيران الإيراني في بيروت). كيف تجاوزتا التعقيدات؟ سافرتا من بيروت إلى بغداد. وفي بغداد، بحثتا "بالسراج والفتيلة" عن مقعدين على طائرة متجهة إلى مشهد.
ما الذي يدفع بشابتين إلى السفر من بيروت إلى بغداد، من دون أي يقين بأنهما ستتمكنان من الوصول إلى مشهد للمشاركة في تشييع السيد القائد الخامنئي؟ بالنسبة إليهما، وبالنسبة إلينا (ونحن كثر)، السيد علي الخامنئي لم يكن قائداً سياسياً وحسب. ولا هو مرجع ديني حصراً. هو مرجعٌ ووليٌّ وناصرٌ وزاهدٌ وعارف... وهو قائد جبهة المستضعفين، وحامل راية العزة في بلادنا. هو كذلك وأكثر. لا يشبه الأمر الصلة بزعيم سياسي أو رجل دين تتأثر به. لا. يمكن اختصار صلتنا به بأن كثيرين منا كانوا مستعدين للتضحية بأنفسهم، بأرواحهم، بحياتهم، بكل ما لهم في هذه الدنيا، فداءً له. واليوم، هو كل ما سبق، وقد تُوِّج بالشهادة. القائد الشهيد ليس، في نظرنا، كسواه من القادة السياسيين في العالم. يكفي النظر إلى وجوه مشيّعيه في طهران وقم، وفي النجف وكربلاء. في مدينتَي أجداده، اجتمع العراق كلّه، من البصرة إلى ما بعد إربيل. المرجعية العليا هنا. السيد مقتدى. قوى الإطار. آل البرزاني والطالباني. الخنجر. الحلبوسي. كل القوى السياسية الشيعية والسنية والكردية… اجتمع من لا يجتمع، وهذا مما لا تراه كل يوم في بلاد الرافدين. لكن الأكثر حضورا، كان حب ملايين العراقيين للسيد الخامنئي.
في مدينة مشهد، في أقصى شمال شرق إيران، شرقي نيشابور وجنوب شرق عشق اباد التركمانستانية، وشمال غرب هِرات الأفغانية، شيعنا السيد الشهيد أمس إلى الحرم المطهّر لمرقد الإمام علي بن موسى الرضا. دُفن القائد المعظّم في البقعة الأقدس في إيران. ولنا، نحن اللبنانيون، سهم في هذا المكان. ففيه دُفن، قبل أكثر من ٤٠٠ عام، الشيخ بهاء الدين العاملي، الشيخ البهائي، ابن جبل عامل الأوسع، وابن البلاد التي نعرفها اليوم باسم لبنان، والذي كان له بالغ الأثر في إيران، في شؤون الحكم والدين والعمارة والعلوم، في نهاية القرن السادس عشر وبداية القرن السابع عشر. وفيه دُفن أيضاً الشيخ الحر العاملي، ابن مشغرة وجباع الذي تحمل اسمَه واحدة من باحات الحرم.
في الحرم المطهّر، ودّعنا السيد القائد أمس. كانت معنا أرواح شهدائنا. هتف الحاضرون بالفارسية عن الانتقام، ورفض الذل، والتمسّك بالثورة. بكوا ولطموا الصدور. وأكثر ما ضجّ به المكان، كان اسم الحسين: "الحسين شعارنا والشهادة افتخارنا".
جسد السيد الشهيد احتضنه التراب المقدّس، مع أربعة من أفراد عائلته، بينهم حفيدته التي، كعبد الله الرضيع ابن الإمام الحسين، دُفنَت في قبر واحد مع جدّها. والقبر بين رواق يُسمّى بالزهد، وآخر اسمه العِزّة، وباحة تحمل اسم الحرية. نشهد أن الوليّ الشهيد قضى عمره فقيراً زاهداً ثوريّاً حرّا، ولم يشغله شاغل عن السعي الحثيث إلى تحقيق عزّتنا جميعا. العزة التي عاشها ومات عليها… وعليها يلقى الله. جسّدها في آخر أيامه بالقول الذي أخذه عن جدّه الحسين: مثلي لا يبايع مثلك.
وعلى ما قال كمال الدين العاملي:
بروحي أنتَ من وتدٍ مجيد
وروح الصِّيد من عربٍ وفُرسِ
وإنّ النفسَ لو بالنفسِ تُفدى
فديتُك يا ابن فاطمةٍ بنفسي
لم نَفْدِه بأنفسنا. كان هو الفدائي الذي ضخّ استشهادُه دماءً فتيّة في عروق الثورة، ومنح روحاً للفكرة التي رعاها وشذّبها وسقاها حتى أورثنا إياها خضراء مزهرة.
أكثر ما يثير اهتمامي في عيد الغدير أنّ كثيرين يتعاملون معه كأنّه خلافٌ قديم على السلطة، بينما كلّ ما ورد في القرآن، وكلّ ما جرى بعد الغدير، يقول إنّ القضية كانت أكبر من ذلك بكثير.
فالسلطة ليست شيئًا نادرًا في التاريخ.
ملوكٌ حكموا ثم ماتوا.
ودولٌ قامت ثم سقطت.
وعروشٌ ارتفعت ثم انهارت.
فلماذا إذًا نزل قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾؟
كيف يمكن لأمرٍ يتعلّق بمجرّد إدارة دولة أو اختيار حاكم أن يُقدَّم بهذه العظمة؟
وكيف يصبح تبليغه بمنزلة تبليغ الرسالة كلّها؟
أعتقد أنّ الجواب واضح.
لأنّ الغدير لم يكن إعلانًا عن رجلٍ يحكم.
كان إعلانًا عن الرجل الذي يجب أن يُحتذى.
لم يكن تعريفًا باسم عليّ بن أبي طالب فحسب.
كان تعريفًا بنموذج عليّ بن أبي طالب.
النموذج الذي لا يرى السلطة امتيازًا بل مسؤولية.
ولا يرى الناس سلّمًا يصعد عليه، بل أمانةً يحملها.
ولا يقيس الأشياء بميزان الربح والخسارة، بل بميزان الحقّ والباطل.
ولهذا لو كانت القضية قضية حكمٍ فقط، لانتهت يوم استشهد أمير المؤمنين عليه السلام.
ولو كانت قضية سلطة، لربما انتهت يوم غاب الإمام المهدي عجل الله فرجه.
لكنّها لم تنتهِ.
لأنّ ما أراده النبي ﷺ أن يبقى لم يكن شخصًا بعينه، بل هذا الخطّ الممتدّ عبر الزمن.
خطّ الإنسان الذي يقدّم التكليف على المصلحة.
والواجب على الراحة.
والحقيقة على السلامة الشخصية.
ولهذا، حين أنظر إلى واقعنا اليوم، لا أرى الغدير ذكرى بعيدة.
أراه حاضرًا بكلّ تفاصيله.
أراه في ذلك المقاوم الذي يترك بيته وأطفاله ليقف على الحدود.
وأراه في أمّ الشهيد التي تكتم وجعها كي لا يضعف غيرها.
وأراه في شعبٍ كامل يتحمّل الحصار والقتل والتهجير ولا يساوم على قضيته.
وأراه أيضًا في فكرة ولاية الفقيه نفسها.
لأنّ جوهر الولاية، قبل كلّ النقاشات السياسية، هو الإيمان بأنّ الأمة لا يجوز أن تُترك للأهواء والمصالح والمال والنفوذ، بل يجب أن تُقاد بمن يحمل همّها ويعتبر نفسه مسؤولًا أمام الله عنها.
ولهذا لا أفهم كيف يمكن للإنسان أن يحتفل بالغدير ثم يستغرب وجود رجالٍ يقودون الناس بمنطق التضحية.
ولا أفهم كيف يمكنه أن يعلن ولاءه لعليّ ثم يسخر من الذين يسيرون في طريقٍ كلّه خسائر دنيوية ومشقّات وآلام.
فالعالم الذي نعيش فيه اليوم يقدّم نموذجًا آخر تمامًا.
يقدّم الإنسان الأناني.
الإنسان الذي لا يرى أبعد من نفسه.
الإنسان الذي يقيس كلّ شيء بما يربحه شخصيًا.
ثم يقف متحيّرًا أمام المقاومة.
لا يفهم كيف يمكن لإنسان أن يقدّم عمره كلّه من أجل قضية.
ولا يفهم كيف يمكن لقائدٍ أن يعيش تحت التهديد الدائم بدل أن يعيش حياةً مريحة.
ولا يفهم كيف يمكن لشعبٍ أن يصبر كلّ هذه السنين دون أن يبيع قضيته.
لأنّ هذه اللغة ليست من لغة هذا العصر أصلًا.
إنّها لغة الغدير.
لغة عليّ.
لغة الإنسان الذي يرى أنّ قيمة حياته فيما يبذله لا فيما يجمعه.
ولهذا، حين أرى محور المقاومة بكلّ ما قدّمه من دماء وتضحيات وحصار وحروب، لا أراه ظاهرةً منفصلة عن الغدير.
أراه أحد تجلّياته المعاصرة.
وأرى في ولاية الفقيه محاولةً للحفاظ على هذا الخيط الممتدّ من تلك اللحظة التي رفع فيها رسول الله ﷺ يد عليّ أمام الناس جميعًا، ليقول للأمة إنّ المشكلة الحقيقية ليست: من يحكم؟
بل أيّ نوعٍ من البشر يجب أن يحكم.
وأيّ نوعٍ من البشر يجب أن يُطاع.
وأيّ نوعٍ من البشر يجب أن يُقتدى به.
لأنّ الأمم لا تُنقذها القوة وحدها.
ولا المال.
ولا السياسة.
الأمم تنجو حين يبقى فيها رجالٌ يشبهون عليًّا بما يستطيع البشر أن يشبهوه.
وحين يبقى فيها من يؤمن أنّ الحقّ يستحقّ أن يُدفع ثمنه، مهما كان هذا الثمن.
قليلٌ من الكلام العالق في حلقي منذ زمن… واعذروني مسبقًا إن أطلت.
نعم، أخطأ حزب الله.
أخطأ في سوريا، وهذا أكيد.
وأخطأ حين دخل الطوفان لمساندة غزة، وهذا أكيد.
وأخطأ أخيرًا حين دخل هذه الحرب إلى جانب إيران، وهذا أكيد أيضًا.
لكنّ المشكلة أنّ كثيرين ينظرون إلى هذه الأحداث كأنّها أخطاء متفرقة، بينما الحقيقة أنّها كلّها تعود إلى خطأ واحد فقط، خطأ رافق حزب الله منذ لحظة تأسيسه وحتى اليوم
وهو أنّه يرى الكارثة قبل وقوعها، ويتحمّل كلفة منعها قبل أن يراها الآخرون أصلًا.
وهنا تكمن المأساة دائمًا…
يمنع الانهيار، ثم يأتي من نجا من الانهيار ليقول له: "لولا تدخلكم لما وصلنا إلى هنا".
وهذا صحيح فعلًا… لكن ليس بالطريقة التي يظنونها.
لولا تدخله، لما بقي أصلًا شيء اسمه "هنا".
في سوريا مثلًا، ما زالت جموع الجهلة حتى هذه اللحظة تردد العبارة نفسها:
"تدخلكم في سوريا كان خطأ."
"لولا تدخلكم لما وصلتم إلى هذه الحال."
حسنًا، فلنفترض أنّه لم يتدخل… ماذا كان سيحدث؟
كانت الجماعات التكفيرية ستتمدّد أكثر فأكثر، وكانت سوريا ستسقط بالكامل في مشروع الفوضى والإرهاب، ثم ماذا بعد؟
هل كان أحد يظنّ أنّ لبنان سيبقى خارج النار؟
هل يظنّ أحد فعلًا أنّ جيشًا صغيرًا كجيش لبنان، المنهك سياسيًا واقتصاديًا وطائفيًا، كان سيقف بوجه موجة اجتاحت مدنًا كاملة وأسقطت جيوشًا كاملة؟
العراق نفسه، بكل ثقله، كاد ينهار أمام داعش، فكيف بلبنان؟
ولولا تدخل حزب الله في تلك اللحظة، لكانت الحدود اللبنانية كلها مفتوحة أمام مشروع دموي لا يعرف إلا الذبح وقطع الرؤوس واستحياء النساء وقتل الأبرياء باسم الدين.
ولكانت داعش اليوم تتمدد من عاصمة إلى عاصمة، بينما أمراء الخليج الذين موّلوا الخراب يعيشون بأمان خلف قصورهم.
بل أكثر من ذلك…
لولا تدخل حزب الله في سوريا، لكان الشعب الفلسطيني نفسه — الذي يهاجم بعض أبنائه الحزب اليوم — أول المتضررين من سقوط سوريا، لأنّ آخر بنية حقيقية لمشروع مقاومة إسرائيل في المنطقة كانت ستنهار بالكامل.
هذه ليست مبالغات عاطفية، بل وقائع كان الجميع يراها تتشكل أمامه.
وفي الطوفان أيضًا، تتكرر القصة نفسها.
اليوم بعد كل ما كُشف، لم يبقَ مسؤول عسكري أو أمني أو سياسي صهيوني إلا واعترف أنّهم كانوا يخططون أصلًا لضربة استباقية ضخمة ضد حزب الله.
بل إنّ النقاش داخل كيان الاحتلال لم يكن حول
"هل نضرب حزب الله؟"، بل حول "متى؟".
كل حجم الاختراقات، كل التجهيزات، كل الخرائط، كل المعرفة الدقيقة بالمواقع، كل ملفات البيجرز والاغتيالات والاستعدادات… كانت تقول شيئًا واحدًا
أنّ الحرب كانت قادمة أصلًا، سواء دخل حزب الله أم لم يدخل.
لكنّ الناس يتصرفون اليوم وكأنّ الحزب هو من اخترع الحرب من العدم.
حين دخل الحزب الطوفان، لم يدخل لأنه يعشق الخراب، ولا لأنه يبحث عن بطولة إعلامية، بل لأنه التزم بمنطقه العقائدي والسياسي والأخلاقي
أنّ غزة لا تُترك وحدها، وأنّ المقاومة لا تنتظر حتى تُذبح واحدة تلو الأخرى.
والأهم من ذلك أنّ الحزب، رغم الضربات الهائلة، استطاع أن يتأقلم تدريجيًا مع المتغيرات، وأن يمنع الانهيار الكامل الذي كان العدو يحلم به منذ سنوات.
نحن أصلًا لا نعرف إلى أين كانت ستصل الأمور لو بقيت الجبهة صامتة بالكامل وأتت الضربات دفعة واحدة لا بشكل تدريجي.
واليوم يتكرر المشهد نفسه مع إيران.
خمسة عشر شهرًا كاملة من القصف والاستهداف والخرق والاغتيالات والتدمير اليومي للبنان، فيما إسرائيل تتحرك بثقة مطلقة أنّ لا أحد سيوقفها.
شهداء كل يوم.
قرى تُدمّر كل يوم.
سماء مستباحة كل يوم.
وحزب الله طوال هذه الفترة يحذر وينذر بأنّ الصبر لن يستمر إلى ما لا نهاية.
ثم حين انفجرت المواجهة مع إيران، فجأة خرج علينا من يتحدث وكأنّ الحزب "دخل الحرب لأجل إيران"، وكأنّ لبنان أصلًا كان يعيش بسلام مع إسرائيل!
المضحك أكثر أنّ البعض يتعامل مع إيران كأنّها الطرف المحتاج أصلًا لهذا الإسناد، مع أنّ إسرائيل نفسها كانت تعلن دائمًا أنّ جبهتها الأساسية هي محور كامل، وأنّها تحتار أحيانًا: هل تبدأ بلبنان أم بإيران؟
يعني حتى العدو نفسه يفهم أنّ المعركة واحدة، بينما بعض أبناء المنطقة ما زالوا يناقشونها بعقلية الحدود الوهمية.
وبيان حزب الله الأخير كان ذكيًا جدًا في هذا السياق، لأنّه وضع تدخله ضمن معناه الحقيقي:
تكليف ديني، وسياسي، وأخلاقي، واستراتيجي، لا مجرد رد فعل عاطفي.
فهو من جهة يربط المعركة بالدفاع عن لبنان، ليخرس الأصوات اللبنانية التي تريد اختصار كل شيء بعبارة “دخل لأجل إيران”.
ومن جهة أخرى، يضع نفسه في قلب المعادلة العقائدية بعد استشهاد الإمام الخامنئي، ليقطع الطريق على كل من يريد داخل إيران نفسها أن يدفع نحو التراجع أو الهدنة تحت ضغط الدم.
بعد كلّ ما حصل ويحصل..
وصلتُ لحالة من اليقين الثابت بأنّ المؤمنين الحقيقيين حمقى، بل وسُذّج.
وأكثر ما يثير السخرية فيهم أنّهم، في اللحظات التي يبدو فيها الطغيان كاملًا لا يُمسّ، يصرّون على الحديث عن النصر، وعن سقوط الجبابرة، وعن تبدّل الموازين، وكأنّهم لا يرون ما يراه الناس أمامهم.
نعم.. لهذا كان أهل الإيمان دائمًا مادةً سهلة للسخرية.
لأنّ أغلب البشر لا ينظرون إلا إلى المشهد الظاهر.
من يملك المال؟
من يملك السلاح؟
من يملك الإعلام؟
من يملك القدرة على القتل؟
وهنا تتكوّن القناعة سريعًا: هذا هو المنتصر، وهذه هي الحقيقة، وما عداها مجرد عاطفة أو أوهام يهرب إليها الضعفاء.
لكنّ المشكلة أنّ التاريخ نفسه لم يسر يومًا بهذه البساطة.
لو كان الأمر يُحسم بالمشهد الظاهر فقط، لما غرق فرعون أصلًا.
كان يملك كل شيء تقريبًا؛ السلطة، والجنود، والذهب، والخوف المزروع في قلوب الناس منذ سنوات طويلة.
حتى إنّ بني إسرائيل أنفسهم، بعد كل الآيات، ظلّ الرعب داخلهـم أكبر من قدرتهم على التخيّل.
وحين وقفوا أمام البحر، والجيش خلفهم، لم يقولوا شيئًا معقدًا، بل قالوا الجملة الأكثر بشرية في تلك اللحظة:
﴿إنا لمدركون﴾.
انتهى الأمر في نظرهم.
الصورة واضحة تمامًا.
البحر أمامهم، وفرعون خلفهم، وكلّ الحسابات المادية تقول إنّ النهاية وصلت.
وفي تلك اللحظة تحديدًا، بدا موسى كأنّه الرجل الوحيد الذي لا يرى ما يراه الجميع.
لم يكن ينكر الواقع، ولم يكن أعمى عن حجم الخطر، لكنّه كان يرى شيئًا أبعد من اللحظة نفسها.
ولهذا قال بهدوء مذهل:
﴿كلا إن معي ربي سيهدين﴾.
وهذه تحديدًا هي النقطة التي تجعل المؤمن الحقيقي مثيرًا للسخرية في أعين الناس.
لأنّه، في ذروة الانهيار الظاهر، يبقى قادرًا على التمسك بيقين لا يستطيع الآخرون فهمه.
ولهذا أيضًا كانت معركة الأحزاب واحدة من أكثر اللحظات كشفًا لطبيعة البشر.
المسلمون محاصرون.
الخوف يملأ المدينة.
الجوع بلغ منهم مبلغًا عظيمًا.
والموت يحيط بهم من كل الجهات.
حتى القرآن وصف الحالة بدقة مرعبة:
﴿وبلغت القلوب الحناجر﴾.
تأمّلوا التعبير…
ليست مجرد معركة صعبة، بل لحظة صار الخوف فيها شيئًا جسديًا محسوسًا داخل الصدر.
وفي وسط هذا كله، كان النبي ﷺ يحدّثهم عن فتح فارس والروم.
أيّ كلام كان يبدو أكثر سذاجة من هذا في تلك اللحظة؟
أناس بالكاد ينجون من حصار يهدد وجودهم بالكامل، وقائدهم يحدثهم عن إمبراطوريات ستسقط يومًا بين أيديهم.
ولهذا سخر المنافقون.
كان الأمر مضحكًا بالنسبة لهم فعلًا.
لأنّ الإنسان الذي لا يرى إلا اللحظة المادية المباشرة، لا يستطيع فهم هذا النوع من اليقين.
هو ينظر إلى الخندق، إلى الجوع، إلى البرد، إلى كثرة الأعداء… ثم يسمع حديثًا عن الفتح، فيظنّ أنّه أمام انفصال عن الواقع.
لكنّ المشكلة الكبرى أنّ البشر يتكرّرون دائمًا.
في كل زمن، هناك من يظنّ أنّ القوة الظاهرة أبدية.
فرعون ظنّ ذلك.
وقريش ظنّت ذلك.
وكلّ طاغية في التاريخ وصل في لحظة ما إلى شعور داخلي بأنّ الأمور استقرّت له نهائيًا.
وفي كل مرة، كان هناك مؤمنون يبدون سذّجًا لأنّهم ما زالوا يتحدثون عن انهيار هذا الجبروت.
واليوم يتكرّر المشهد نفسه حرفيًا.
حين يتحدث أحد عن زوال إسرائيل، يُنظر إليه بالطريقة نفسها تقريبًا.
كأنّه يعيش خارج الواقع، أو يهرب إلى الأحلام، أو يعجز عن رؤية “التفوّق الساحق” الموجود أمامه.
الناس ترى الطائرات،
وترى الدعم الغربي،
وترى التكنولوجيا،
وترى القبة الحديدية،
وترى المال والإعلام والتحالفات…
ثم تظنّ أنّ هذا المشهد ثابت، نهائي، غير قابل للكسر.
مع أنّ كلّ الطغاة في التاريخ بدوا هكذا قبل سقوطهم.
المشكلة أنّ البشر يخلطون دائمًا بين العلوّ المؤقت وبين الخلود.
أيّ قوة حين تصل إلى ذروة استكبارها، تبدأ في داخلها عوامل التآكل نفسها.
وهذا ما لا يراه الخائفون عادةً، لأنّ الرعب يجعل الإنسان يركّز على قبضة الطاغية أكثر من تصدعاته.
ولهذا يبدو المؤمن القوي غريبًا دائمًا.
ليس لأنّه يتجاهل الواقع، بل لأنّه يرفض أن يحصر الحقيقة كلها في اللحظة الراهنة.
هو يرى الخراب، نعم.
ويرى الألم، والخسائر، والاختلال الهائل في موازين القوة.
لكنّه يرى أيضًا أنّ التاريخ لم يكن يومًا خطًا مستقيمًا يسير لصالح الطغاة إلى الأبد.
ولهذا يبقى متمسكًا بيقينه، حتى حين يبدو مثيرًا للسخرية.
وربما هذه هي الفكرة التي لا يفهمها كثيرون
أنّ المؤمن الحقيقي لا يُقاس إيمانه حين تكون بشائر النصر واضحة، بل حين يبدو حديثه عن النصر نفسه ضربًا من الجنون في أعين الآخرين.
بعد موجة واسعة من الغارات، وبعد مواجهة أخّرت تقدمه لساعات، تمكّن جيش العدو من الوصول إلى زوطر الشرقية بعد ظهر أمس.
التأكيد الأول لوصول قوات العدو إلى البلدة كان في بيانات الإعلام الحربي. ففي البلدة، يتعرّض الغزاة لعمليات منذ ما بعد ظهر أمس، بينها أكثر من اشتباك مباشر صباح اليوم، وتدمير دبابات وآليات. ربما يكون هدف العدو الوصول إلى "عليّ الطاهر" وقلعة الشقيف من جهة، والجرمق والمحمودية من جهة أخرى، وهو ما قد يحتاج إلى هجوم من تل نحاس نحو الخردلي وربما من القليعة - مرجعيون. وربما يكون هدفه ما قالته مراسلة الlbci آمال شحادة، أي توسيع الأرض التي يحتلها داخل الخط الأصفر، كون زوطر ويحمر وأرنون وقلعة الشقيف مشمولة جميعها بذلك الخط، لكن جيش العدو لم يدخلها. وقد يكون ساعياً للاقتراب من النبطية.
في شتى الأحوال، وقبل إعلان وقف النار، يسعى الاحتلال إلى إضافة أوراق ضغط إلى جعبته، ليبتز بها لبنان لاحقاً، مستنداً إلى وجود سلطة مستعدة للتنازل له قبل أن يطلب. ولتحقيق ذلك، قد يلجأ إلى اندفاعة على أكثر من محور، وإلى زيادة عدد غاراته التدميرية.
من ناحية أخرى، يدرك العدو أن كثراً منا يتعاملون مع الحرب كما لو أنها مباراة كرم قدم، فترتفع معنوياتنا متى رأينا مشاهد المحلقات الانقضاضية، وتنخفض عندما يشنّ العدو سلسلة غارات أو يتقدّم في واحدة من قرانا.
مشاهد المحلقات محت جزءاً من الأثر النفسي للإبادة. أحد أهداف الكيان والغرب في سنوات ما بعد الطوفان كان محو صورة الجندي الذي يزحف هرباً من ابن غزة في السابع من أكتوبر. وبعد سنتين ونصف السنة من "أُلوهة" الجيش الإسرائيلي واستخباراته، أعادت مشاهد المحلقات الجندي الإسرائيلي إلى "طبيعته البشرية": يهرب أمام المحلقة، ويفرّ من الآلية متى اقترب الخطر. المحلقات أيضاً، ومعها قذائف الهاون والمدفعية وصواريخ الكاتيوشا والمسيّرات الانقضاضية ومعركة حدّاثا الأسطورية وملاحقة قائد اللواء 401 وعملية القوزح واستهداف منصات الدفاع الصاروخي وثكنات الاحتلال داخل شمال فلسطين وسلسلة عمليات البياضة ورشاف وسواها… كل ذلك أعاد جيش العدو أيضاً إلى القواعد "الطبيعية" لحدود القوة. في الأسابيع الماضية، كان جيش الإبادة يشكو لمجتمع المستوطنين أن حكومته تمنعه، بقرار أميركي، من توسيع نطاق عملياته إلى بيروت والضاحية. تلك العمليات التي أرادها للرد على المحلقات في الجنوب! كان ذلك الاعتراف الأوضح بعدم قدرة جيش الإبادة على وقف عمليات أبطالنا، وأن سبيله الوحيد لردعنا هو قتل المدنيين وتدمير المباني، أي استهداف إرادتنا لدفعنا للضغط على المقا. و.مة من أجل الاستسلام. اعترف العدو بذلك فيما هو يملك حرية حركة مطلقة في الجنوب والبقاع الغربي، حيث يمكنه استخدام قدرما يشاء من قوته الجوية والبرية والبحرية والاستخبارية على أنواعها، وحيث انسحبت المقاومة بدءا من تشرين الثاني 2024 وسلّمت مواقعها للجيش اللبناني وفككت ما سلم من مراصدها. رغم ذلك، لم يقدر على "معالجة" المحلقات التي تضرب جنوده بأجسادهم وآلياتهم ومعدّاتهم، وتعيد صورته وقوته (الهائلة) إلى حدودها (وهي ليست ضيقة بطبيعة الحال).
أمام هذا الواقع، هو يحتاج إلى ما يرمّم صورته، بصفته جيشاً إبادياً. وها هو اليوم يقول لنا إنه في زوطر الشرقية، في مزرعة الحمرا، وإنه يقترب من يحمر. والبلدتان، وإن كانتا ضمن ما يسمّيه "الخط الأصفر"، فإنهما تقعان شمال النهر. حاول العدو الوصول إليهما أكثر من مرة، وفشل. هذه المرة، وصلت قواته إلى الأحياء الجنوبية الشرقية من زوطر، وحاولت الالتفاف حولها نحو الشمال، حيث تصدى لها أبطالنا، ولا يزالون. قد يتراجع العدو تحت ضرباتهم، كما في حدّاثا وبيوت السياد. وقد يتقدّم في الساعات أو الأيام الفاصلة عن وقف إطلاق النار، لكنه في كل بلدة ومزرعة وبستان ووادٍ وتلة، سيلاقيه أبناؤنا الأبطال، الذين يضحّون بأرواحهم ويريقون دماءهم من أجل عزتنا وكرامتنا، ومن أجل أن نبقى أحراراً في أرضنا. وطالما أنهم كذلك، ستعود أرضنا حرة من الاحتلال، وسنعود إليها، ولو بعد حين. ومهما جمع العدو وتمدّد ودمّر، فإنه لن يكسر إرادتنا، ولن يحقق أهدافه، ما دام فينا شاب واحد يحمل عزمه ومحلقته ورشاشه، ويسلّح عبوته ويذخّر راجمته، ويطلق قذيفة من مدفع يحدد العدو موقعه فور استخدامه، فتنهال عليه القذائف والقنابل بأطنان المتفجرات، لكن هذا الشاب لا يتراجع. بإرادته انتصرنا، وبإرادته سنعود لنبني دورَنا ونزرعها ريحاناً و"زرّيعة" وورداً وشجرا. وهو، على ما قال كمال الدين:
"دخلوا حارتكِ الشرقيةَ وجدوا العَبّاسَ هناكْ
دخلوا حارتكِ الغربيةَ وجدوا العَبّاسَ هناكْ
دخلوا الساحةَ وجدوا العَبّاسَ هناكْ.
يا فرداً كيف تحاصرنا؟
أنا الفقراءُ الأطفالُ الأُمّاتُ الآباءُ الأمواتُ الأحياءْ.. وأنا عددُ المنكسرينَ القلبْ… قمرٌ صدّيقٌ ورسولٌ ووليٌ وإمام".
كنّا بخمس نُقاط والآن أصبحنا بشريط محتلّ أو ٢٠ ضيعة (و ٥٥ ضيعة في حديث آخر). شو استفدنا من دخول الحرب في ٢ آذار؟
هذه هي سرديّة اليوم.
١ - القول بأنّ "إسرائيل" كانت تحتلّ خمس نقاط فقط قبل ٢ آذار ينمّ عن جهل و تدليس. خلال ١٥ شهر كان هناك منطقة أمنيّة ممنوعة منعاً باتاً على أهلها وكان هناك منطقة أخرى أوسع بكثير ممنوع على أهلها حريّة الحركة بلا إذن مخابرات الجيش اللبناني الذي يعطي إذن الحركة بعد موافقة الإسرائيلي…
٢- القول ما الطائل من دخول الحرب في ٢ آذار هو محض تضليل. لم تتوقّف الحرب منذ ١٥ شهر أصلاً لتبدأ في ٢ آذار. ٢ آذار كان فرصة لاستعادة المبادرة في حرب مستمرّة والتخلّص من التغوّل الإسرائيلي والعدوان الإسرائيلي الذي امتد منذ اتفاق وقف الأعمال العدائيّة المشؤوم في ٢٧ تشرين الثاني ٢٠٢٤ قتلاً وتدميراً وهدماً وتهجيراً.
٣- القول بأنّ وضعنا قبل ٢ آذار كان أفضل من اليوم هو كذِبٌ محض. اليوم وبعد أداء أبنائنا الأسطوري في مدن وبلدات جبل عامل ومنعهم الإسرائيلي من تحقيق أهدافه وبعد توسّع الحرب لتشمل الإقليم ووجود لبنان (بغياب سلطته) على طاولة المفاوضات الإقليمية حظوظنا أكبر بوقف مستدام لوقف النار يشمل العودة الكريمة وإعادة الإعمار الغير مشروط وتحرير الأسرى.
اليوم، نحن أصحاب القرى المهدّمة الممنوعٌ أهلها من إعادة إعمارها، كما فوّضنا المقاومة سابقاً ووثقنا كلّ الثقة بتقديرها نفوّضها اليوم ونثق بتقديرها أن لا تترك متراً واحداً من قرانا محتلّاً وأن لا تسكت على ضيم يوماً واحداً لكيلا تكون قرانا ومدننا مسرحاً للعربدة الإسرائيليّة في الوقت الذي تنعم فيه مستعمرات الكيان المحتلّ بالهدوء.
الأمر للمقاومين والثقة بهم وبثباتهم وبتقديرهم وبقرارهم. مهما كانت الكِلَف.
#المجد_للمقاومة
#طوبى_للشهداء
عضو مجلس خبراء القيادة في إيران آية الله الشيخ محسن الأراكي: في حال تعرّض إيران لهجوم من قبل الولايات المتحدة أو الكيان الإسرائيلي، أو في حال استهداف سماحة الإمام السيد علي الخامنئي، فإنّ إعلان حكم الجهاد الشامل ضدّ الأهداف الأميركية والإسرائيلية في العالم سيكون قطعياً.
من أخلاق #الإمام_الحسن عليه السّلام، وحلمه وخُلُقه:
أنّ رجلًا من الشّام رأى الإمام راكبًا فجعل يلعنه، والحسن عليه السلام لا يرد!
فلمّا انتهى، أقبل الحسن(ع) فسلّم عليه وابتسم، وقال:
أيها الشيخ أظنّك غريبا، ولعلك شبهت، فلو استعتبتنا أعتبناك، ولو سألتنا أعطيناك، ولو استرشدتنا أرشدناك، ولو استحملتنا أحملناك.
وإن كنت جائعا أشبعناك، وإن كنت عريانا كسوناك، وإن كنت محتاجا أغنيناك، وإن كنت طريدا آويناك، وإن كان لك حاجة قضيناها لك.
فلو حركت رحلك إلينا وكنت ضيفنا إلى وقت ارتحالك، كان أعود عليك، لأن لنا موضعا رحبا وجاها عريضا ومالا كثيرا.
فأين نحن من الحسن عليه السّلام، الّذي قال أيضًا:
"أحسنُ الحسن الخُلُق الحسن"؟!
بالمحصلة، كل عقيدة، اي عقيدة، تحصّن الناس لمواجهة المحتل المجرم الصهيوني، هي عقيدة مقدّسة سنصونها برموش عيوننا.
وان الشرف الأكبر للمقاومة والسلاح الأمضى، هو استعداد الناس الدائم لبذل الدماء…
هذا ما لا يمكن انتزاعه… وهذا ما يقلق محور الاسرائيلي ومن معه… ونحن سندافع عنه.
إلى المقاومة، قيادةً ومقاتلين وشهداء،
تحية وبعد،
أقدّر حرصكم على الاستقرار، كما أقدّر عزّة نفس من يقدّم كل يوم بالنيابة عني، ودفاعاً عني، شهيداً وأكثر..
أعتذر منكم عن سفاهة حكومة بلادي،
ولأني أرفض أن يُعرَض سلاحكم وكرامتي في مزاد أسواق الآخرين.. فلن أنتظر منكم دعوة نصرة. هذه معركتي لا معركتكم وحدكم.
قاتِلوا بأمان… دونكم روحي وشعبٌ أبيّ.
أنا، حسن عليق، فداكم.
#أنا_المقاومة
رغم فشلي في عالم الترندات، حابب أعمل ترند وآخر همي لو شاركت في لوحدي، ولن أقف متفرجاً أمام جريمة العصر، فالأيام القادمة لا تشبه سابقاتها، وشريعة الغاب ستحكم كل العالم .. والسبب واحد !
#ترند_الإبادة#حسن_هاشم#غزة