لا تجعل آراء الآخرين تبني تصوّراتك الشخصية عن الحياة، فأنت إنسان ناضج مُستقلّ، وهبَك الله العقل لتُفكّر، وتُحلّل، وتنقد، وتبني تصوّرك من منظورك الخاص بعيدًا عن المؤثرات، لا تكُ إمّعة تميل مع كل ريح، ويأتي بك رأي ويذهب بك آخر، وابنِ رؤيتك التي تشبهك وتعبّر عنك.
أن يضمّك قلبٌ رحيمٌ لا يفرّط بك، وأن تجد في وجوده مأواك الآمن، وأن تُصبح في فكره ووجدانه أغلى ما يملك، فيصير وجودك عنده أثمن من كل متاع الدنيا. وهذا هو أساس الحب: الأمان، الرحمة، والسكينة، حيث يصبح الوجود مشتركًا بين روحين تعرفان أن لا شيء أعظم من احتضان بعضهما في الحياة.
رحل اليوم أستاذي علي السلوم،
الرجلُ الذي علّمني القرآن، وكان في كل آيةٍ يتلوها ملامحُ من خُلقه،
وفي كل لحظةٍ من حضوره، سكينةٌ تشبه تلك التي وعد الله بها القلوبَ المؤمنة.
لم يكن مجرد معلّمٍ عابرٍ في الذاكرة، بل كان هيئةً من الوقار،
وصوتًا هادئًا يتسلّل إلى القلب، قبل الأذن.
ما زلت أراه كما كان في مقاعد الشبيلي،
يمشي بيننا بوقار، كأنما يعلّمنا الحياةَ لا الحروف،
يقرأ القرآن، فتهدأ أرواحُنا، ويبتسم، فتغدو القاعةُ أكثرَ نورًا.
أذكر لقائي الأول به، كما لو كان البارحة،
دخل علينا بهدوئه المعهود، فنهضنا احترامًا،
لكن، بدلًا من تحيةٍ جماعيةٍ يمضي بعدها،
اقترب من كل واحدٍ منا، صافحنا فردًا فردًا،
بنظرةٍ تُشعر كلَّ طالبٍ بأنه موضعُ ترحيبٍ خاص،
وأن العلاقة بين المعلّم وتلميذه تبدأ بالاحترام، قبل التعليم.
مرت قرابة عشر سنوات على ذلك اليوم،
لكن المشهد ما زال حيًّا في ذاكرتي،
كأن الزمن لم يُزِحه؛ لأن بعض المواقف تُخلّدها النيّةُ الصادقةُ، والخلقُ الكريم.
كان رقيقًا في توجيهه، عظيمًا في تواضعه،
لا يوبّخ، بل يُهذّب. لا يعلو صوته، بل تسمو كلماته.
كان من أولئك الذين يُقرَأ القرآن في وجوههم قبل ألسنتهم،
ومن الذين يخلُف الرحيلُ عنهم فراغًا لا يُسدّ.
اللهم اجزه عنّا خير الجزاء،
وارحمه رحمةً واسعةً، تليق بنُبله،
واجعل ما علّمنا إيّاه شاهدًا له لا عليه،
ونورًا يملأ قبره، ورفعةً في منازل الصالحين.
رحمك الله يا أبا عبدالله، وجعل الجنة مأواك.
محمد 🖊️