أقسى ما قد يُبتلى به الإنسان الحنون، أن يُؤلَف عطاؤه حتى يُنسى فضله، وتُؤلَف تضحياته حتى تُحسب عليه واجبًا، ويُؤلَف صبره حتى يُظنّ به ألّا ينف��، ويُؤلَف وجوده حتى يتوهّم الآخرون أنّه باقٍ مهما أساؤوا.
ثم تأتيه لحظةٌ يستردّ فيها وعيه من فرط ما بذل، فيلتفت إلى نفسه بعد غيابٍ طويل، فيرى قلبًا أضناه العطاء، وروحًا استُنزفت في سبيل من لم يشعروا بثقل ما كانت تحمله.
وحين يستفيق الحنون، لا يثور، ولا يعاتب، ولا يستجدي اعتذارًا؛ فقد تجاوزت به الخيبة موضع العتاب. إنما يطوي يده عن العطاء، ويكفّ عن التماس الأعذار، ثم يمضي في هدوءٍ يليق بمن أنهكه البقاء.
فأشدّ ما في رحيله أنه لا يأتيك غاضبًا كي تسترضيه، ولا منكسرًا كي تشفق عليه؛ يأتيك هادئًا، مكتفيًا، وقد انطفأت في قلبه تلك الرغبة القديمة في أن يفهمه أحد..
ما معنى النزوح؟
أن يكون أمامك تسع دقائق مثلًا، فقط، لتودع بيتك، وشقا عمرك، وذكريات حياتك، والغرف التي تتنقل بينها مغمض العينين، والجدران التي تحفظها وتعرف أماكن نقَر الطلاء فيها، وحمامك الصباحي، وأماكن حاجاتك التي تمد يدك لها دون مجهود ��لما أردت، والسفرة، والثلاجة، والمكتب، والسلالم، والبيت.
أن تغادر وفوق ظهرك كل ما استطعت جمعه من همٍّ، ومتاع لا يكفي حاجة إنسان واحد لكنه مخطط لكفاية عشرين فردًا مرة واحدة، ونصفه لدق خيمة أو لافتراش صف في مدرسة أو غرفة في منزل مع عشرين نفرًا آخرين، وبيديك عائلة كاملة تتشتت، وفي عينيك دموع ونار غضب وحمم مكتومة، وألم لا يطاق في رقبتك، كأنك تحمل جبلًا فوقها.
ثم بعدما تصل تعيش فاجعةً شخصيةً في كل شيء، لا يسع أي مجال لحكايتها، لكنك ستفاجأ بعد ذلك كله، بنداء جديد، وحزام ناري آخر، وطائرات كواد كابتر، وأشلاء تتطاير على وجهك، ودماء تصل حد السحب في السماء، كلها تأمر�� بالنزوح من جديد، وفي كل مرة تنزح تترك خلفك عددًا من أهلك، ونصف متاعك، وثلاثة أرباع قدرتك على التكيف، وتسقط قطعة جديدة منك، حتى تسير لنزوحٍ جديد من دونك أنت!
سمعت ست حلوة أوي بتتكلم مع بنتها بتقولها :
خدي اللي تعرفي تختلفي وتتفاهمي معاه من غير هجران، يا بنتي لو على الاتفاقات فناس كتير بتتفق وعند أول خلاف بتمشي إنما اللي بيعرفوا يتفاهموا بيكملوا، الود بيعيش وبيخلي الناس تعيش..
(١)
يكفي نقل الخبر. المشهد في الأقصى أوضح من أن يفتقر إلى التحليل، وأعظم من كتابة المواقف. يبقى هؤلاء المعتكفون الذين تحوّلوا إلى كتلة من اللحم الحيّ لصدّ اقتحام شرّ أهل الأرض آية الخير، بالرغم من كلّ شيء.
"القرآن يصنع منك شخصية مختلفة
مختلفة تماما
يستحيل أن تعطي القرآن وقتك وجهدك ولا تجد له أثراً
يستحيل أن تبقى عاداتك السيئة كما هي
يستحيل أن لا تجد بركة القرآن على نفسك وخُلقك
حتى في الابتلاءات تجد أنّ التسل��م والرضا دأبك وعادتك
والطمأنينة تنزل على قلبك كأنك لم يُصِبْك شيء قطّ!" ❤️
قرأت مرّة اقتباس يقول: "من الصعب ترتيب أحدهم في قلبك بعد موقف." فعلًا، إنّ من أشد الأشياء وقعًا على القلب هو استنكارُهُ لفعل أحدهم في موقف ما لم يعتده منه، لذا يصعب عليه إعادته إلى الداخل في مكانه الصحيح.. بعد أن ضاق عليه بأفعاله!