هذا العام، في العاشر من محرّم، لكل بيت شهيد حسيني او شهيدين.
قومي لا يكتفون باحياء الذكرى. بل يعيشونها.
يشيعون شهداءهم بين الركام
يلملمون بيوتهم وجراحهم
ويرفعون قبضاتهم ويهتفون بالدم: لبيك يا إمام
لم أقترب يومًا من فهم ما جرى في كربلاء في العاشر من محرّم كما اقتربت خلال العامين الماضيين.
سابقًا، كنت أحاول فهم ما حدث من خلال القراءة، مجالس العزاء، سماع السيرة، وما يُروى عن العطش والخذلان والوفاء. لكنني اكتشفت أن بعض المعاني لا تنكشف للإنسان إلا حين يلامس شيئًا من ثقلها. حين يجد نفسه محاصرًا، مكشوفًا، محكومًا بخيارات قاسية، ومطالبًا في الوقت نفسه أن يميّز بين النجاة والنجاة العزيزة.
خلال العامين الماضيين أحاط بنا الأعداء من كل اتجاه، في الداخل والخارج، واستشرسوا بهدف القضاء على كل من يفكّر في مواجهتهم. والسبب ببساطة أننا اخترنا أن نقف في درب الحق. شخصيًا، لم أرَ يومًا أن معركتنا مع "إسرائيل" هي معركة أرض فقط. الأرض، بالنسبة لي، هي تجلٍّ للحق، والدفاع عنها هو دفاع عن الكرامة والوجود، قبل أن يكون دفاعًا عن التراب بمعناه المادي. والحق الذي أقصده هنا هو ذلك الذي لا تختلف عليه كل الديانات. حتى ذلك الذي تنادي بها المؤسسات الدولية كافة والذي يعطيه لنا القانون الدولي.
وقفنا إلى جانب غزة لأنها كانت معركة حق. والعدو قال بلسانه إنه كان ينوي قتلنا بعد السابع من أكتوبر، سواء أسندت المقاومة غزة أم لم تُسندها. القرار كان مُتّخذًا سلفًا. في حرب الإسناد دافعنا عن حقّنا في الحياة العزيزة. وفي حرب الستة والستين يومًا دافعنا عن حقّنا في البقاء على أرضنا ورفض الظلم. وفي الحرب الأخيرة، ما زلنا ندافع عن الحق نفسه، حقّنا في أن نعيش أحرارًا، وأن لا نُذلّ، وأن لا تُستباح أرضنا وناسنا وكرامتنا.
ومن قال إن الوقوف في درب الحق سهل؟
��ي العاشر من محرّم، وقف الإمام الحسين عليه السلام في وجه الظلم طالبًا الإصلاح، فكانت الكلفة عظيمة. استُشهد هو وأصحابه، وسُبيت نساؤه. لكنهم بتلك الكلفة حفظوا الحقّ حيًا إلى يومنا هذا. فكربلاء أظهرت أن الحق قد يُحاصر، وقد يُخذل، وقد يدفع أصحابه أثمانًا موجعة، لكنه لا يموت ما دام هناك من يحمله.
في هذا العام، أحيينا عاشوراء بالصبر والصمود، بقبول الكلفة ورفض الظلم، وبالإصرار على القتال حين أصبح القتال دفاعًا عن الحق والحياة والكرامة. قدّمنا أغلى أحبّتنا، لكن الهدف لم يتغيّر منذ كربلاء. أن يبقى الحق حيًا، وأن لا يستبيح الظلم هذه الأرض. ولهذا اقربت في هذين العامين من فهم واقعة عاشوراء، فقد رأيت شيئًا من معناها في زمننا.
مع نهاية الحرب بتجيني نشوة السعادة بالرجوع، بيرجع بيخطر ببالي الإم اللي رجعت وناطرة ابنها أو أولادها كلهن، وبتذكر أغنية مارسيل خليفة
"أجمل الأمهات التي انتظرت إبنها
أجمل الأمهات التي انتظرته
وعاد،
عاد مستشهدًا.."
لهفي على قلب كل أم فاقدة، مدينون ما حيينا.
يعودون، كما دومًا..
أحباب قلبي، يعودون، أهلي وأصحابي، يعودون. أبناء الأرض، تينها وزيتونها والنسيم العليل فيها، في طريقهم إليها. تفتح الأرض ذراعيها لهم كما تفعل الأم حين ترى أبناءها ��عد غياب، ويهتزّ الهواء فرحًا بعودتهم، كأن الأشجار نفسها كانت تنتظر هذا الموعد. يعودون، لا غرباء أنهكتهم الطرق، بل أصحاب دارٍ عرفتهم الحجارة وحفظت وجوههم النوافذ، فعادت الأشياء كلها إلى أماكنها، وعاد القلب إلى شيء من طمأنينته.
أراهم لا يمشون، بل تحوّلوا إلى طيور. تخفّفوا من أثقال الغياب، ومن غبار الطرق الطويلة، ومن تلك المسافات التي كانت تفصل بين القلب وما يحب. يهبطون على ترابهم كما تهبط الطيور على أعشاشها بعد موسمٍ قاسٍ من الترحال، فلا يسألون عن الطريق، لأن الطريق يسكنهم، ولا يبحثون عن البيت، لأن البيت ظلّ يحمل أسماءهم في صمته.
الحزن كبير، الألم يحتاج س��وات من التشافي والتعافي. الآن ينتهي الحزن الجمعي ويتجه كُلّ شخص إلى حزنه الخاص، إلى الموت والدمار. الآن الفرح والارتياح والحزن تعود إلى سياقاتها، إلى الناس العاديين، تعود لتكون أفراحًا وأحزانًا طبيعية، عادية، تعرف البرد الطبيعي والخوف الطبيعي والموت الطبيعي ربما، بغض النظر عن إرادات الطائرة والصاروخ والقاتل. الآن تتجه إلى الناس العاديين، هؤلاء الذين يعرفون الحقيقة، بغض النظر عما قاله صاحب ربطة العنق على شاشة ممولة أو في صحيفة تُريد كسر هذه الإرادة. الناس العاديون يعرفون لأنّهم ذاقوا طعم الظلم ومرارة الحرمان وتعب من أكل المشي حواف قدميه هرباً من الموت. هؤلاء العاديون يعرفون معنى الأرض ومفتاح الدار وخبز التنور تحت ظلال شجرة. يعرفون بقلبهم العادي معنى الحرية، التي لا تحتاج معجمًا ولا مباحث أو كتبًا لتفسيرها، بل تلك التي تُعرف بالغريزة أو الفطرة. أولئك، أصحاب البيت والألم، انظر إليهم، ماذا يقولون؟ تلك الحقيقة وحدها... لأنهم يعودون، كما دومًا.
وهي البلاد؛ نحن أولادها، وفي أزقّتها علقت ضحكاتنا وعلى حيطانها كتبنا أسماءنا. نحن الماء وال��واء والشجر المغروس في أرضِها. فيها ركضنا وفيها وقعنا نتلمّس طريقنا. إنّها البلاد، فيها نضيع ونغضب، عليها نسخَط ونحتدّ، نضع دموعنا في حصّالات خوفًا من أيّام الجفاف؛ مع ذلك، هي البِلاد.
الس��امُ على شهدائكم.
السلامُ على جرحاكم.
السلامُ على أيتامكم.
السلامُ على بيوتكم المهدَّمة.
السلامُ على أرزاقكم المحترقة.
السلامُ على صبركم وثباتكم.
السلامُ عليكم يا روحَ الكربلائيين، يا مَن جسَّدتم معاني التضحية والفداء، وسرتم على درب الحقّ والكرامة.
لا ينحني الشكر سوى للشهداء و المجاهدين الكربلائيين في الخطوط الأمامية؛ أقبّل أياديكم المتربة الدامية و هاماتكم التي اثقلها الصبر و الثبات تحت نيران عدوٍّ لا يعرف الرحمة. انتم فخر أمتنا و ذخرها، و بكم أخرجنا الله من الذلّ.
السلام على الدماء التي سالت في سبيل الله
ورَسَمَت أفق عزّتنا،
وسيّجت أرض وطنٍ، بل أوطان..
لن يطول الزمان حتّى يدرك العالَم أيّ تاريخ استقام بها،
وأيّ وحوش سجنت في تناقضاتها حتّى يتحرّر إنسانُ هذا العالم.
لا يزال الطريق طويلًا..
لكنّ الحكاية بدأت باسم الله وبعينه!
لم تكن النار يومًا هي القضية.
ولم يكن البحر يومًا هو السؤال.
فالنارُ نارٌ منذ أُضرمت في فجر الخليقة، وما عُرفت يومًا إلا لهيبًا يلتهم ويُحرق.
والبحرُ بحرٌ منذ انساب على وجه الأرض، وما عُرف يومًا إلا موجًا يبتلع ويُغرق.
ولم يكن الرجلُ الذي جلس في تنّور جعفر بن محمدٍ (ع) يجهل ما تصنعه النارُ بطبيعتها.
كما لم يكن الذين وقفوا خلف موسى (ع) على شاطئ البحر يجهلون ما يفعله البحرُ بمن يلجُ أعماقه.
كانوا يرون ما يراه الناس جميعًا.
يرون النارَ تشتعل،
ويرون الماءَ يتلاطم،
ويرون الطريقَ مغلقًا من كلّ جهة.
لكنّ الفارق لم يكن في العين،
بل في القلب.
فالناس إذا وقفت أمام النار، انشغلت بالنار.
وإذا وقفت أمام البحر، انشغلت بالبحر.
وإذا أُغلقت في وجهها السبل، لم ترَ سوى الأبواب الموصدة.
أمّا أهل اليقين، فلم تكن أبصارهم تقف عند الأشياء.
كانوا يعبرونها إلى ما وراءها.
ينظرون إلى اليد التي تشير،
وإلى الصوت الذي يدعو،
وإلى الرجل الذي يقول: اتبعني.
ولهذا لم يكن الرجل الجالس في التنّور يفكّر في اللهيب.
كان يفكّر في جعفر.
ولم يكن أصحاب موسى يفكّرون في البحر.
كانوا يفكّرون في موسى.
وهنا تبدأ الحكاية التي يعجز كثير من الناس عن فهمها.
لأنهم يظنون أن الشجاعة هي ألا ترى الخطر.
وما كانت الشجاعة كذلك يومًا.
الشجاعة أن ترى الخطر كاملًا، ثم ترى ما هو أعظم منه.
أن ترى النار، لكن لا تجعلها أكبر من الحقّ.
وأن ترى البحر، لكن لا تجعله أكبر من الوعد.
ولهذا يضيع أكثر الناس في سؤالٍ واحد.
سؤالٍ يبدو حكيمًا، لكنه كثيرًا ما يكون باب العجز كلّه:
كيف؟
كيف نعبر؟
كيف ننتصر؟
كيف نصمد؟
كيف نواجه هذا الجبل من المخاطر؟
وكلما ازدادوا تفكيرًا في الكيفية، ازداد الطريق في أعينهم استحالة.
لأنهم بدأوا من المكان الخطأ.
أما أهل البصيرة، فلم يبدأوا من "كيف".
بدأوا من "من".
من الذي دعاني؟
ومن الذي دلّني؟
ومن الذي عرفت صدقه قبل أن أرى النتيجة؟
فإذا استقرّ جواب هذا السؤال في القلب، تبدّل كل شيء.
لا لأن النار بردت.
ولا لأن البحر انشقّ.
بل لأن الروح نفسها تغيّرت.
ولأن اليقين سبق البرهان.
ولأن الثقة سبقت المعجزة.
فالذين ساروا خلف موسى لم يمشوا لأن البحر انشق.
بل انشق البحر لأنهم ساروا.
والذي جلس في التنور لم يجلس لأن النار فقدت قدرتها على الإحراق.
بل جلس لأن ثقته بجعفر كانت أثبت في قلبه من خوفه من النار.
وهكذا كانت سنّة الحق في كل زمان.
ليس الطريق هو الذي يصنع اليقين.
بل اليقين هو الذي يصنع الطريق.
وليس ظهور المخرج هو الذي يخلق الثبات.
بل الثبات هو الذي يستدعي المخرج.
ولهذا تبدو المقاومة غريبة في أع��ن من لا يرون إلا ظاهر الأشياء.
فهم ينظرون إلى كثرة النار.
وهي تنظر إلى الحقّ الذي من أجله تُحتمل النار.
وهم ينظرون إلى اتساع البحر.
وهي تنظر إلى الوعد الكامن خلف البحر.
وهم يعدّون الجراح والخسائر والأثمان.
وهي تسأل السؤال الذي سأله الصالحون منذ فجر التاريخ:
من الذي دلّنا على هذا الطريق؟
فإذا عُرف الدليل، هان ما سواه!
فلم تكن النار يومًا هي القضية.
ولم يكن البحر يومًا هو السؤال…
وتظن أنها النهاية وفجأة يصلح الله كل شيء، وتظن أن القصة انتهت، ثم يغير الله كل شيء ويعيد ترتيب المشاهد لأنه الله! في اللحظة التي تشعر فيها أن كل شيء يعاكس رغباتك تذكّر قوله تعالى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا﴾.
انتهت الحرب، ومن الصعب استئنافها بعد ١٠ أيام. صحيح أن ضغط رؤساء المستوطنات في شمال إسرائيل مرتفع، لكن يمكن إسكاتهم ببعض المحفزات الاقتصادية ولقاءات مع قيادة الجيش. الآن علينا أن نفرح، فقد بقينا أحياء بعد حرب قاسية جدًا، وانتصرنا. يمكن التفلسف حول مفهوم ال��صر، ومن يكرهنا سيسخر من هذه السردية، لكننا انتصرنا؛ صمودنا انتصار، وبقاؤنا انتصار، وبقاؤنا أحياء في أرضنا ومقتنعين بفكرتنا انتصار. ما جرى في الأيام الأخيرة عندما نقل العدو الإسرائيلي ثقله إلى لبنان لم يكن عاديًا. كان أشرس في حربه وعدوانه من حرب الـ٦٦ يومًا. تفاخر بقتله ما يقارب ٤٠٠ مدني في ١٠ دقائق، ويمكنه فعل هذا أكثر من مرة. كان يريد بذلك أن يكسرنا، لكنه لم ينجح. في بنت جبيل والخيام، كبّ كل آلته الحربية، وكل نيرانه رماها علينا، إلا أن بنت جبيل لم تنكسر، والخيام لم تنكسر، ونحن نتحدث عن حرب عاشتها هذه المناطق منذ عام ٢٠٢٣، ومع ذلك لم تنكسرَا. الرحمة لأرواح شهدائنا، والشفاء لجرحانا، والحرية لأسرانا، والصبر لعائلاتهم. لولاهم لما تنفسنا، ولما بقي ماء في وجوهنا، ولما بقينا أحياء بكرامة. استشهدوا هم لنحيا نحن بكرامة. الرحمة لأرواح الشهداء.
في الأيام الأخيرة وبينما كان يقول البعض إن إيران تركتنا وباعتنا، وبعيدًا عن ضجيج الإعلام، لم تتوقف اتصالات ايران ومحاولاتها الحثيثة، والتي أثمرت في البدا��ة عن تحييد بيروت والضاحية، واليوم يجري الحديث عن وقف إطلاق النار في كل لبنان، بجهود وضغط إيراني، وبطولات مجاهدينا والتصدي الأسطوري، لاسيما في بنت جبيل. ما دفع الأميركي للضغط على تل أبيب.
هل يعني أن وقف إطلاق النار سيحصل بالتأكيد؟ لا. الليلة هناك جلسة للكابينيت للبحث في الموضوع.