سيأتي يومٌ تخفت فيه كلُّ أصوات الدنيا،وينطفئ من حولك ذلك الضجيج الذي استنزف قلبك، وتغادر كلَّ ما ألفتَه و��ضيتَ خلفه، متوجّهًا إلى لقاء الله… فردًا، لا تحمل معك إلا ما قدَّمت.
وحينها ستتكشّف لك الحقائق كاملة؛ فكم من معركةٍ ظننتها مصيرية، لم تكن إلا حدثًا عابرًا، وكم من خصومةٍ أرهقت روحك، لم يكن لها في ميزان الآخرة أيُّ وزن، وكم من انشغالٍ سرق أيامك وأبعدك عن الاستعداد لحياتك الحقيقية.
فلا تنتظر لحظة الرحيل حتى تدرك ذلك متأخرًا؛ أدركه الآن، وأنت لا تزال تملك مهلة العمل، وفرصة التوبة، والقدرة على إصلاح ما مضى.
خفّف تعلّقك بما يفنى، واعمُر آخرتك بما يبقى: بصلاةٍ خاشعة، وتوبةٍ صادقة، وقلبٍ نقي، وكلمةٍ طيبة، وأثرٍ من الخير لا ينقطع.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَ�� قَدَّمَتْ لِغَد��﴾
كل شيءٍ دنيوي يلتذ به الإنسان فإنه يصل فيه إلى حدٍّ أعلى هو الذُّروة، ثم تتفاوت الأشياء بطبيعتها، فبعضها يتدرج انخفاض اللذة فيها شيئًا فشيئًا، وبعضها تفقد اللذة لذتها وإغراءها بصورةٍ حادةٍ عند بلوغها الذُّروة، فكل مثل هذه الأشياء تفقد بريقها عند تحقيق أعلى ما فيها.
=
"والله لم يجعل الدنيا دار بقاء ولذة مطلقة كاملة، وإنما جعلها دارًا ممتزجًا ألمها بلذتها، وسرورها بأحزانها، وغمومها وصحتها بسقمها، حكمة منه بالغة سبحانه وتعالى.".
ابن قيم الجوزيَّة.
يعرف أن النعم لا تُرى إلا حين تغيب، وأن الندم لا يأتي إلا متأخرًا، ثم يمضي يؤجل المحبة والشكر والالتفات؛ حتى يفاجئه الفقد من جديد، فيتعلم الألم مرة أخرى، ولا يتعلم الدرس.
كثيرًا ما ينتهي "العقلاني الصادق" الذي يبحث في الإلهيات أو الماورائيات بالأدوات الفلسفية أو الجدلية، بعد مسيرة طويلة من كد الذهن وإعمال الفكر، إلى الحيرة والعجز والتوقف في الوصول إلى حقائق يقف عليها أو يستند إليها، وينتهي إلى: إما العودة إلى إيمان الطفولة أو إلى اللامبالاة.
أشد التعلُّق؛ تعلق الإنسان بشعورٍ لم يعشه كما أراد، بشيء أفلت من بين يديه قبل أن يلمس جوهره، بلحظة عبرت دون اكتمال، أو إحساس حُرم منه، فيبقى يُطارد طيفًا، يتسوله، وفي سبيله قد يُقدم أجزاءً من نفسه قربانًا، يختزل شيئًا من قيمته، وربما يلقي بكرامته على مذبح التمني.