يجب أن يفهم الإنسان في سياقه كما يُفهم النص في سياقه.. سياقه المكون من عدد الخطوات التي قطعها في سبيل نضجه، مرحلة الوعي التي يمر بها، تاريخه العاطفي، منهجه في الحياة، مسراته الصغيرة.. إياك أن تخوض حوارا مع شخص بمعزل عن سياقه
والله لن تجد مثل هذا المشهد في العالم كله. مشهد ولاء الشعب وحبّه لقيادته وفخره بها.
مشهدٌ تعجز الكلمات عن وصفه!
يا رب احفظ هذا الوطن الشامخ، وقيادته العظيمة، وشعبه الوفي، واكفنا شر الحاقدين المتربصين.
#دام_عزك_ياوطن 🇸🇦
#السعودية_العظمى 🇸🇦
مخرجات أي كلية إنما تتجلى في حفل تخرج طلابها، وقد ابتهجت هذا الصباح بما رأيت في حفل تخرج طالبات كلية العربية @arabic_imam حيث تجلى الحرف المبدع والبيان الرفيع ومنهجية الإعداد وروح التلاحم؛ دليلاً حياً على نجاح أداء الرسالة،تحية شاهقة لوكيلة الكلية وفريقها على هذا الإحسان والبذل
مخرجات أي كلية إنما تتجلى في حفل تخرج طلابها، وقد ابتهجت هذا الصباح بما رأيت في حفل تخرج طالبات كلية العربية @arabic_imam حيث تجلى الحرف المبدع والبيان الرفيع ومنهجية الإعداد وروح التلاحم؛ دليلاً حياً على نجاح أداء الرسالة،تحية شاهقة لوكيلة الكلية وفريقها على هذا الإحسان والبذل
هذا السؤال هو سبب هذه الجدلية السطحية، التي يعني الجواب للوهلة الأولى لصالح طالب هندسة الحاسب، ومن ثمّ سيصفق الجمهور لفريق العلوم والتكنولوجيا، وعليه يجب أن نخرج اصحاب التخصصات الأخرى التي لا يريدها السوق إلى الشارع!
وكما سأل صاحب التغريدة هذا السؤال، أريد ايضاً ان أسأله وغيره من القراء اسئلة أخرى:
- ماذا يعني وجود جامعة في المدينة؟ ولماذا اخترعناها؟
- لماذا نتعلم ؟
- لماذا تتعدد الآراء والميول والرغبات في الناس؟ وكيف نتعامل مع هذا التفاوت البشري في الحياة ؟
- هل وجود المجتمع مرتهن لحاجة السوق؟
- ماهي مقومات المجتمع المطلوب تحقيقه وماهي المؤسسات المعنية بذلك، وما دور الجامعات في تهيئة احتياجات المجتمع؟
- ماهي العلوم التي أسهمت في تماسك قيمي واعتدال فكري وقدرتي على بناء أسرتي وحماية وطني وصياغة هوياتي؟
وغيرها من أسئلة لا تنتهي ..
للتذكير: العقل الأداتي بسيط وسطحي وانتقائي ومادي؛ يعالج المشكلات بعيدا عن مضامينها وغاياتها ومآلاتها وجميع جوانبها؛ ويظن أن حلّه نهائي وقطعي !!
﴿إِنّا أَنزَلناهُ في لَيلَةِ القَدرِ﴾
﴿إِنّا أَنزَلناهُ قُرآنًا عَرَبِيًّا ﴾
إن الإسلام الذي جمع قلوب الأمم على قرآنه جمع ألسنتهم على لسانه
#اللغة_العربية
سبعة عشر عامًا هي عمر هذه الجملة، كلماتي التي كانت تلوِّح بيدها لـ(منى) وهي تعبر عالمي الأوَّل: وهناك تركتْ على الشرفة ورودًا ما زالت طريَّة البهجة، متجدِّدة الميلاد، وما زالت (منى) تحمل في عينيها - كما في روحها - الجمال الأصيل، الجمال الذي يمطر - أبدًا - على كلِّ الأشياء التي يعبرها.
إن صمت المثقفون السعوديون قيل عنهم لم يهتموا وأن زامر حيهم لا يطربهم، وإن علقوا تعليقاً عاماً قيل عنهم غير واعين وأن المثقف العربي أقرب منهم، وإن تحدثوا بعمق صُنفوا متكالبين وطالبي منفعة.. المشهد الثقافي عندنا يعيد دوماً قصة جحا وحماره والناس.
لا أدري سبب امتعاض البعض من نشر بعض الأكاديميين دراساتهم وكتبهم وأبحاثهم حول الأنثروبولوجيا بعد صدور قرار إنشاء المعهد !؟؟
هذه حالة متكررة إزاء أي حدث أو وفاة شخصية علمية أن يقدم الباحث علاقته بها او رأيه حولها!
سرعة الاتهام والدخول في النوايا عمل غير اخلاقي أيضا .. أم هو خوف أن من سوّق لكتبه وأبحاثهم الأنثروبولوجية سوف يتم تعيينه في المعهد فيفوز بميزات ذلك التعيين!؟؟
وهذا غريب لمن عرف أليات اختيار اللجان والهيئات، فهم لا ينساقون خلف الضجيج بل لديهم معايير اكثر مما يفكر بها اولئك الممتعضون.
اعتقد أن المعهد سيكون مظلة للجميع، والأهم هو المنتج الذي ننتظره من فريق العمل.
والله يبارك في الجهود ويصلح الحال.
إيمان القويفلي وبلاغة الخطاب:
(لا ترهبنا معادلة "إما إيران أو الصهاينة". لا إيران ولا الصهاينة، ونحن من يضع قواعدنا بأنفسنا.
بلادنا عربية....
نحن جبهة، ضد الصهاينة وضد إيران، وسنواصل الدفاع عن أوطاننا، معاً.)
لنتفق ابتداءً أن الجمهور العربي لإيران جمهور محدود، لكنه الأكثر إزعاجاً وحرصاً على الظهور، لأن الظهور الملح والوقح غاية بحد ذاتها، لهذا الجمهور.
من الشائع تفسير علاقة هذا الجمهور بإيران على أنها علاقة توظيف واستعمال ذات اتجاه واحد. إيران تستعمل جمهورها العربي.
لكن الجزء غير الصريح من هذه العلاقة هو ما يضمره هذا الجمهور العربي من طموحات، أو لنسمها آمالاً، في استعمال إيران، استعمالها في خوض المعركة مع الصهاينة بديلاً عن العرب. وهذا مربط الفرس.
صرّح بها بعض رموزهم مقالاً، وعبر عنها بعضهم الآخر حالاً: هذا جمهور تقاعد عن الحرب مع الصهاينة منذ وقت بعيد، مرتاح للذهاب الرتيب إلى الدوام كل يوم ومتفرغ للمعارك الشخصية الآمنة. يحبذ تأشيرات العمل في الخارج وكراسي الأستاذية في المعاهد. آخر طموحاته أن يعيش في بلد يقصفه ويدمره الصهاينة بأي ذريعة.
لكنه يريد من إيران أن تخوض معركته كعربي بدلاً عنه، وأن يدفع الإيرانيون ثمنها حصاراً وفقراً وقصفاً وتدميراً من لحمهم الحيّ.
أن تكون مهزوماً نفسياً في عروبتك أمام الصهاينة إلى درجة تأليه الفارسية لغة وثقافة وأمة وسلاحاً، على أساس أنهم سيخوضون معركتك بدلاً عنك، ويحملوك متوجاً لتفتح القدس وتصلي في الأقصى؛ فهذا من أحط ما مرّ على هذه الأمة في سائر تاريخها. وللتعمية على ذلك، ولد خطاب "يا أشرف الناس يا أكرم الناس"، وذلك الغرور الزنخ والاستعلاء على الدم واللحم العربي بكل أشكاله.
تلك الهزيمة الثنائية واحتقار الذات العربية تنبع من تعظيم أسطوري للصهيونية والصهاينة في أنفسهم، رؤيتهم إلى الصهاينة كداود التوراتي القادر على اجتياح كل شيء؛ جالوت والجبال والبحار والمدن والبشر.
هؤلاء عرب خرجوا من التاريخ فتجمد لديهم في لحظة هزيمة معينة يعيشون فيها أبدية بلا غد. بلا صراع. بلا أمل.
فكان الحل الوحيد أمام مخيلة الهزيمة الأبدية أن يضعوا آمالهم في الفُرس.
عملت إيران على تعميق هذه المخيلة الأبدية بتصنيم وتوحيد وبتر القضية الفلسطينية عن كل ما عداها. عبر العقود الماضية ارتفع خطاب "القدس هي البوصلة" لا بغرض حرية القدس، لكن بغرض استباحة كل ما عداها، وفصل القيم التي تخص ما هو فلسطيني عن أي قيم تخص ما هو عربي، وعزل الإنسان الفلسطيني عن الإنسان العربي.
فساقوا القضية كجرافة ومروا بها على أشلاء البشر وحطام العواصم والأنفس المكسورة بالخيبة والخذلان في في الحواضر العربية التي استباحها الفارسي.
يحارب العربي الإيراني شعور الضعة الذي يستبطنه أمام الفرس وأمام الصهاينة وأمام التاريخ بالاستعلاء على العنصر العربي الذي يتحول إلى احتقاره كآخر بعد أن ألحق ذاتهُ بالفرس. لكنه بعد أن يوبخك ويعيّرك ويسبك؛ ينصرف إلى حياة وادعة لا تختلف عن حياتك كثيراً. عمل، دراسة، عائلة، ترفيه. الفرق الوحيد بينك وبينهم ربما في جودة الطرقات التي تمشي عليها ونوع السيارة التي تركبها.
أتمنى صدقاً ألا يتأثر أبناء الخليج بهذا الخطاب السقيم…
فأنتم أهم من يقف في وجه الصهاينة. وحالة الهلع التي تصيب الجميع عند أي تلميح لتطبيع العلاقات، تكفي اعترافاً بأنكم في القلب منها، ولا تقبلوا ولا تصدقوا غير ذلك.
آمنوا بسنن الله في الكون. اللحظة التاريخية غير أبدية. الهزيمة غير أبدية. لقد رأينا في ٣ سنوات تحولات أعقبت عقوداً من الجمود. استجيبوا لمنطق الكرامة دون أن تستجيبوا لمنطق الغرور البشري، هذه ليست لحظة أبدية، التاريخ حدث قبلنا، وسيحدث بعدنا، وقد لا نشهد هزيمة الصهيونية، لكننا نوقن أنها آتية.
لا تُنزلوا القضايا على الشعوب، ولا الأشخاص. لا تهبطوا بعدلكم وحكمكم على الأشياء إلى وضاعة التلاسن والضغائن وصغار الأحقاد. ما بيننا والصهاينة أمر وجودي، عقدي، مجرد عن قال فلان وقال علان.
بلادكم ليست مجرد مجال حيوي لأمريكا كما يحتقرها الفرس ويلحقهم بها بعض العرب. إن كان ثمة أمل عربيّ فهو قادم من بلادنا بالذات.
لا ترهبنا معادلة "إما إيران أو الصهاينة". لا إيران ولا الصهاينة، ونحن من يضع قواعدنا بأنفسنا.
بلادنا عربية. قتلانا على أيدي إيران شهداء رغم أنف الجميع. ونحن جبهة، ضد الصهاينة وضد إيران، وسنواصل الدفاع عن أوطاننا، معاً.
حين انطفأ السّراج وبقيت اللغة يتيمة
أحمد درويش (1943م-2026م) ... ثُلْمَةٌ لا تُسَدّ!!
د.محمد مصطفى سليم
في وداع رجلٍ كان في مقدوره- إذا بدأ حديثًا عاديًّا- أن يجعل اللغةَ تتنفس، والكلمات تُصغي إليه، لا تملكُ إلا أن تقف على حافة فجيعةٍ واجمةٍ، ولا سيّما أنك- من بعيد- تشهدُ رحيلَه حارسًا من حرّاس المعنى وقد ترجّل عن حراسته؛ فيبدو غيابُه أوسعَ من الكتب، ورحيلُه أشبه بمكتبةٍ كاملةٍ قد أغلقت أبوابَها فجأةً؛ ليبردَ الضوءُ في قلب اللغة. إذ بعده، ستغدو القاعاتُ أكثر صمتًا، ويصبح ليلُ البلاغة أطول وهو يمتدّ كحزنٍ ثقيلٍ في ذاكرة الكلام. إن اللغة لتبكي معلّمَها؛ أحمد درويش، الذي إن غابَ صوتُه، فإن صداه سيظلُّ حزنًا مُقيمًا في صدورنا، يُذكّرنا بأن بعض الغياب لا يُطفئ الحضور، بل يجعله أكثر وجعًا.
اليوم، وقد رحل أستاذي أحمد درويش، أشعر أن الطريق الذي دلّني عليه ما يزال ممتدًا في الأفق، غير أن الضوء الذي كان يقوده قد انطفأ فجأة؛ ليبقى المسير ويغيب الدليل. كنتُ أظن أن العلماء الكبار يشبهون الجبال فلا يغيبون، وإذا بي أكتشفُ أن الجبال أيضًا ترحل، لكنها حين ترحل تترك في الأرض فراغًا عميقًا يشبه الوادي، وتترك في الروح رجعَ صدًى لا يهدأ.
إنَّ رحيلك- أستاذي- لم يكن خبرًا عابرًا على منصة أو منشورًا في وسيلةِ تواصلٍ، بل كان لحظة انكسارٍ خفيّ في قلب اللغة نفسها، لحظة شعرتُ فيها أن الأبَ الروحيَّ، الذي علّمني كيف أُصغي للكلمات، قد غاب، تاركًا صدى صوتِه ممتدًا في الذاكرة، لا يخفت ولا يهدأ.. أشعرُ بأنني فقدتُك أبًا لا أستاذًا فحسب، فلم تكن في حياتي عالمًا يمرّ في قاعات الدرس ثم يمضي، بل كنت ضوءَ طريقٍ طويلٍ تعلّمتُ أن أسير فيه بثقة القلب قبل يقين العقل، كان حضورك مصباحًا يضيء ليل لغتي، وثَانِيَ اثْنَيْنِ غرسا فيّ حبّ العربيةِ ودار العلوم؛ أحمد درويش (رحمة الله عليه) وسعد مصلوح (أمدّ الله في عمره، ومتّعه بموفور الصّحة).
أحمد درويش واحدٌ من أولئك العلماء الذين لا يُقاس أثرهم بعدد كُتبٍ تُؤلّف، بل بعدد أرواح تُشعَلُ فيها شرارة المعرفة. عالمٌ لغويٌ وناقدٌ كبيرٌ وشاعرٌ في آنٍ معًا، جمع بين دقة الباحث وشفافية الشاعر، فجاءت كلمتُه وكأنها تبحث في اللغة عن سرّها العميق، إذ تمشي على خيطٍ رفيعٍ بين العلم والجمال، وهي تنطلقُ من أروقة دار العلوم في جامعة القاهرة، موطن تشكّل صوته الأول وتفَتُّح بصيرته النقدية، إلى آفاق عربية وخليجية تشهد بها جامعات جاب قاعاتها؛ السلطان قابوس وجامعة قطر وجامعات سعودية، ومراكز ثقافية ومؤسسات أكاديمية مرموقة محليًّا ودوليًّا، وهو فيها حاضرٌ بملامح الناقد المثقف، الذي لا يكتفي بقراءة النصوص، بل يقرأ العالم من خلالها؛ ليترك بصمة مدرسةٍ في فهم النص الأدبي والبلاغة والنقد المقارن، بصمة تؤمن أنّ اللغة ليست أداةً للتعبير فقط، بل إنها بيتٌ للروح وذاكرةٌ للأمة. لقد حمل في مشروعه العلمي فكرةً كُبرى مفادها أنّ إنقاذ اللغة هو في حقيقته إنقاذ للهوية، وأنّ الدفاع عن جماليات العربية ليس شأنًا لغويًا ضيقًا، بل إنّه مسؤولية حضارية واسعة؛ لذلك لم يكن مجرد أستاذ جامعي، بل كان صوتًا ثقافيًا فاعلًا أسهم في تشكيل وعيٍ نقدي عربي، امتد صداه عبر أجيالٍ من الطلبة والباحثين.
وتشهد سلطنةُ عُمان- بما تحفظه من ذاكرة الأثير- أن صوته لم يكن حارسًا للمعنى في القاعات فحسب، بل في الفضاء الرحب للكلمة المسموعة أيضًا؛ إذ سجّل ما يقارب خمسة آلاف حلقةٍ إذاعية، تمتد كل واحدةٍ منها عشر دقائق، تحت العنوان الدال (إنَّ من الشعرِ لحكمة) ولم تكن تلك الحلقات مجرد برنامجٍ ثقافي عابر، بل كانت أشبه برحلةٍ طويلة في ضمير الشعر العربي، ومدوّنةٍ حيّة للعين والأذن معًا، تُصغي فيها الروح إلى خمسة عشر قرنًا من التجربة الشعرية وهي تتكشف طبقةً بعد طبقة. هناك كان الشعر يعود إلى طبيعته الأولى: ذاكرةً للعرب وأيامهم، ومرآةً لقلقهم الجمالي وتحوّلات ذائقتهم، وسجلًا حيًّا لما تعاقب على القصيدة من تحولات في الشكل والرؤية والمعنى. وكأن أحمد درويش، في تلك السلسلة، لم يكن يقرأ الشعر بقدر ما كان يعيد إليه صوته الأول؛ يبلور قضاياه، ويقرّب حكمته، ويكشف للسامع كيف ظلّت الكلمة- عبر خمسة عشر قرنًا- تحرس الوعي الجمالي للأمة، وتمنح الزمن معنى يُقال ويُتذوَّق.
إنَّ رحيلَ أحمد درويش ثلمةٌ لا تُسدّ في جدار المعرفة، وفراغٌ يشبه فجوةً في سماء الثقافة العربية. فلقد كان صوتُه في النقد الأدبي صوتًا متزنًا يجمع بين التراث والمعاصرة، بين النص القديم والقراءة الحديثة، كأنه جسرٌ طويل يصل الأزمنة بعضها ببعض. وفي كتبه العديدة؛ من الدراسات البلاغية إلى الأدب المقارن والنقد التطبيقي، كان يكتب كمن يرسم خريطةً واسعةً للثقافة العربية في علاقتها بالعالم، فلم يكن ينظر إلى الأدب بوصفه حكايةَ كلمات، بل بوصفه تجربةً إنسانيةً كُبرى تُظهر كيف يتشكّل الوعي الجمالي في الإنسان. لذلك كان رحيله أشبه بانكسار قلمٍ كان يرسم بمداده خريطةً للروح العربية.
لقد عاش حياةً علميةً ثرية امتدت لعقودٍ طوال، بدأها طالبًا متفوقًا في دار العلوم، ثم نال دكتوراه الدولة من جامعة السوربون في فرنسا، ويعود إلى الدّار ليُصبحَ أحد أعلامها الكبار، الذين يحملون مشروعًا نقديًّا يجمع بين الرؤية العربية والوعي المقارن بالآداب العالمية. فمنذ ذلك الحين، صار حضورُه في الحياة الأكاديمية العربية أشبه بسراجٍ يُضيء للباحثين دروب النقد الأدبي. كتَب في البلاغة القرآنية، والأدب المقارن، وجماليات النص، والتراث النقدي، وترك عشرات الكتب والدراسات التي لم تكن مجرد أعمال علمية، بقدر ما كانت حواراتٍ طويلةً مع النصوص، ومع التراث، ومع الإنسان نفسه، إذ كان يؤمن أنّ الناقد الحقيقي ليس قاضيًا يحاكم النص، بل قارئًا حكيمًا يساعد النص على أن يكشف جماله المخبوء.
ولأن العلماء الكبار لا يعيشون في كتبهم فحسب، بل في تأثيرهم، فإنّ أثره الحقيقي كان في طلبته. فكم من باحثٍ شاب وجد في كلماته بدايةَ طريقه! وكم من قارئٍ تعلّم منه كيف ينظر إلى النص الأدبي بعينٍ جديدة! كان يرى أنّ وظيفة النقد ليست التعقيد، بل الكشف؛ وأن الناقد الجيد هو من يعيدُ النص إلى الحياة لا من يدفنه تحت مصطلحاتٍ لا يزالُ الكثيرٌ منها في خصومة مع مفاهيمها. ولهذا كانت دروسه تشبه مغامرةً فكرية؛ تبدأ بسؤال بسيط، وتنتهي بأفقٍ واسع من التأملات الفلسفية والإنسانية. كان يقول لي دائمًا إن الأدب ليس ترفًا ثقافيًا، بل أحد أشكال الدفاع عن الإنسان ضد القبح والجهل والضيق. لذلك كان حضوره في الحياة الثقافية العربية أكثر من مجرد حضور أكاديمي؛ كان حضورًا أخلاقيًّا وفكريًّا يذكّرنا بأن الثقافة مسؤولية، وأن اللغة بيتٌ يجب أن نحرسه.
إنّ رحيلك، أستاذي، أشبه بشجرةٍ عتيقةٍ من شجر الوعي التي قد سقطت، لكن جذورها ما تزال ممتدة في تُربة اللغة، تسقي ذاكرة جامعات عربية، وتظلّل عقول طلبة وباحثين تعلّموا منك أنّ العربية ليست ألفاظًا تُقال، بل إنها روحُ حضارةٍ تُصان. لقد كنتَ، وستظل، أحد أبرز النقاد العرب والبلاغيين القلائل، الذين جعلوا النقد فعلَ وعيٍ لا مجرد قراءة إجرائية تغرقُ في تهويماتٍ مابعد حداثيةٍ لا تقول شيئًا حين تقول، فلقد عزّزتَ في النقد كونه مغامرةَ جمالٍ لا مجرد تحليل؛ إذ تمسك بيد التراث فلا يضيع، وتفتح للحداثة نافذتها فلا تنغلق؛ لذلك فإنّ فجوةً كبيرةً سيُحدثُها غيابُك، ليست فجوةَ اسمٍ في سجلّ أساتذة حظيت بهم الدار والجامعة والبلاد، بل إنّها فجوةُ وعيٍ نقديٍّ كان يعرف كيف يوازن بين جذور البلاغة العربية وأفق المقاربة الجمالية المعاصرة، بين حكمة القدماء وقلق الأسئلة الجديدة.
لم يكن علمه الموسوعي ما يميزه فحسب، بل تلك الهيئة الإنسانية التي تتداخل فيها السمة الشخصية مع بنية الفكر؛ ليصبح الطبع نفسُه أسلوبًا في المعرفة؛ فقد امتلك قدرةً عجيبة على الارتجال، كأن اللغة سكنت ذاكرته قبل أن يسكنها هو. فإذا وقف في مجلسٍ علمي انساب الكلام من فمه انسياب نهرٍ صافٍ من البلاغة؛ لا تعثُّر فيه ولا تكلّف. وكان صوتُه يملأ القاعة بحيويةٍ خاصة؛ فإذا تحدث عن البلاغة شعرت أن الكلمات تلمع، وإذا اقترب من الشعر خُيّل إليك أن القصيدة تولد من جديد في الهواء. وفي لحظةٍ واحدة كان يصل بين بيتٍ من الشعر الجاهلي، ولمعة فكرةٍ فلسفية، وإشارةٍ من التاريخ الثقافي، ولطيفَةٍ بلاغية، فتدرك أنك أمام عقلٍ لا يحفظ النصوص فحسب، بل يعيش داخلها. كانت ذاكرته يقظةً كأنها مكتبة حيّة تمشي على قدمين، يستدعي منها النصوص والأسماء كما يستدعي المرء وجوه أصدقائه، ومع ذلك لم يكن علمه ثقلًا على روحه؛ بل كان يخففه بحسٍ فكاهيٍ رفيع ودعابةٍ راقية تجعل المجلس العلمي متعةً بقدر ما هو معرفة، وكأن شخصيته كانت تذكّرنا- بصمتٍ حكيمٍ- أنّ العالم الحقيقي هو من يجعلُ العلمَ إنسانيًّا ودافئًا، يعلّم وهو يبتسمُ؛ ليترك في النفس أثرًا لا يصنعُه الكتابُ وحده.
لهذا، لم يكن وعِلمُه الجليل يُقيمان في هيئة وقارٍ صارمٍ ولا في برجٍ عاجي من التَّصنّع، بل كان يخفّف عن نفسه وعن جلسائه بثروةٍ أخرى لا تقل ندرةً ونضرةً؛ وهي حسّه الساخر الرفيع، الذي يجعله أقرب إلى حكمةٍ تبتسم منها إلى نُكتةٍ تُضحِك. كانت فكاهاتُه ضربًا من الفلسفة اللطيفة، التي لا تُقصي أحدًا، ولا تُحرج أحدًا؛ بل إنها تُرمّمُ الصدوع، بدلًا من أن تُحدِثَها، وتجمعُ القلوبَ كما تجمع الضحكات، كان إذا مرّ على ظاهرةٍ أدبيةٍ استخرج منها تعليقًا يختصر به موقفَه النقديّ منها، غير عابئٍ بما قد يتلقاه من مخالفيه؛ ولذلك لم يتردد، في إحدى نُكَته النقدية، أن يجعل من قصيدةِ النثر (عصيدةً) يتساوى فيها ثِقَلُ الذوق الفنيّ وثِقَلُ العصيدة على المعدة لتَلبُّكها؛ فكان التشبيه ساخرًا بقدر ما كان ناقدًا في الآن ذاته، وهو ديدنٌ ناقدٍ يوجز رأيه في جملةٍ، أو تركيبٍ إضافيٍ مُلغز.
كم كانت تعليقاتُه على مواقف الأصدقاء والأحباب مادةً أخرى يبسطُ بها، في أيّ تجمّعٍ يحتويه، سطوته إنسانًا مرحًا وحكّاءً فذًّا وممتعًا! فصدق فيه قول د.محمد حسن عبدالله عنه بأنه بين أساتذةِ الدّار وغيرها هو اللاعبُ الذي لا يعرف الجلوسَ احتياطيًّا تحت أيّ سياق. إنّ فكاهاته مادةٌ أشبه بسهامٍ من ظُرفٍ ذكيّ؛ تصيب الهدف من دون أن تجرح، ولعلك تستغربُ حين تعرفُ أنّ من وقع عليه التعليق سرعان ما يرددُ الحكاية، ويرويها عن نفسه لزملائه بكل أريحية ورضا، فتغدو من نوادره التي تشعل المجالس ألفةً ومرحًا. كان يملك قدرةً نادرة على تحويل المواقف الصغيرة إلى حكمٍ تظلّ تميمةً ساخرةً، وشيفرةً أنيقةً بينه وبين صاحب الموقف، تُظهرُها كلمةٌ، أو إشارةٌ، فمتى ما خرجت بيننا انفجر العارفون بها ضاحكين.
هو ذلك اللمّاح اللّبِق، الذي دُعي ليكون متحدثًا رئيسًا (keynote speaker) في ملتقى علمي رصين، وقد وصل إلى القاعة على الموعد بالضبط، ثم اكتشف، ببراءة عالمٍ مشغول، أنه نسي، في البيت، الحقيبة وبها البحث. بدا عليه التوتر قليلًا، لكن سرعان ما أرسل شخصًا ليحضر ها، على أمل أن يطول تقديمُه للحضور، ويطيلُ هو في مقدمته حتى تصل الحقيبة، غير أنّ لزحمة القاهرة رأيًا آخر، فحسم أمره بالبدء، وارتجل محاضرةً أذهلت الحضورَ بغزارة علمه، وموسوعية ذاكرته، وسبك لغته، وطرافة معلوماته حول الموضوع المحدد سلفًا، والمتّفق عليه مع اللجنة التنظيمية، ولما وصل إلى آخر جملة ينهي بها محاضرتَه، لمح رجلًا يدخل القاعة بالحقيبة، وبامتنانٍ مسرحيٍّ لطيف، ابتسم شاكرًا، وأشار إليه بكلمات مداعبة وكأنه يقدّمه لإلقاء المحاضرة بعده. يومها أدركنا أن الضحكة نفسها قد تكون درسًا في العلم؛ فالعالمُ الحقيقي يعرف كيف يجعل المعرفة عطاءً إنسانيًّا. فهكذا كان رصيده من الطرفة الراقية جزءًا من حكمةِ فيلسوفٍ ساخرٍ، يرى في الحياة مادةً خصبةً للضحك النبيل، الذي لا يَحُول دونَ تحويلٍ جملةٍ عابرةٍ إلى رمزِ، وكلمةٍ مسجوعةٍ إلى أمثولةٍ صغيرةٍ من أمثولات الحكمة.
سيبقى حضورك، أستاذي، شاخصًا في تلك اللحظات التي نقفُ فيها أمام نصٍ جميل، فنحاول أن نقرأه كما علمتنا؛ بمحبةٍ أولًا، وبحكمةٍ ثانيًا؛ بمحبةٍ ترى في النص حياةً، وبحكمةٍ تدرك أن الجمالَ لا يُفهم إلا حين يُصغى إليه. وإذا كان نجم حضورك الذي كان يضيء سماء مجالسنا العلمية قد غاب، فإن الضوء الذي أشعلته في عقولنا ما يزال يتسع في الأفق، كأنه وعدٌ بأن الفكرَ الحق لا ينطفئ، وأن الفجيعةَ بفقدك ليست نهاية الحكاية، بل بدايتها؛ بداية زمنٍ ندرك فيه كم كان حضورُك ميزانًا دقيقًا لوعي نقدي أساسه القيمة، وكم سيصنعُ غيابُك علامةً موجعةً في ذاكرة الثقافة العربية، إذ سيبقى اسمُك شاهدًا على زمنٍ، كان فيه للنقد قلبٌ، وللبلاغة روحٌ، وللجمالِ حكمةٌ. رحمك الله أستاذي الجليل.
الدوحة في: 4 مارس 2026
#اللغة_العربية #أحمد_درويش #محمد_مصطفى_سليم #دار_العلوم #جامعة_القاهرة #سلطنة_عمان #جامعة_قطر @fawaz_dr@abdullahsamati@Dr_Mahmoud_Dabh@dr_dabh