#مقال_الجمعة#فهم_النفس
الأصالة النفسية... هل ما زلت تعرف نفسك؟
تخيل أنني سألتك سؤالاً يبدو بسيطاً:
من أنت؟
قد تذكر اسمك، وعملك، وشهاداتك، وأدوارك في الحياة، وربما تخبرني عن أسرتك وهواياتك واهتماماتك.
لكن ماذا لو سألنا أسئلة ادق لنصل لإجابة أوضح:
هل أفكارك التي تعبر عنها أمام الناس هي فعلاً ما تؤمن به؟ وهل اختياراتك نابعة مما تريده أنت، أم مما تتوقع أن يحظى بقبول لدى الآخرين؟ وهل الحياة التي تعيشها هي الحياة التي اخترتها، أم الحياة التي تعلمت مع السنوات أنها تبدو مناسبة في أعين الناس؟
هنا يصبح هذا السؤال البسيط المكون من حرف جر و ضمير (من أنت؟) ثقيلاً جداً..
فقد يعيش الإنسان سنوات طويلة وهو يعرف سيرته الذاتية جيداً، لكنه لا يعرف ذاته بالقدر نفسه...
فهو يعرف ماذا درس، وأين يعمل، وماذا حقق، وكيف يراه الناس، لكنه عندما يسأل نفسه: ماذا أحب فعلًا؟ ماذا أريد؟ ما الذي أؤمن به حتى لو خالفني الآخرون؟ قد يجد الإجابة أكثر تعقيدًا مما توقع.
وهنا نقترب من مفهوم مهم في علم النفس يسمى:
الأصالة النفسية (Authenticity)
والأصالة النفسية في معناها البسيط هي أن يكون هناك قدر معقول من الانسجام بين ما يشعر به الإنسان، وما يؤمن به، وما يقوله، والطريقة التي يعيش بها حياته.
أي أن تكون حياتك الخارجية قريبة قدر الإمكان من عالمك الداخلي...
وقد اهتم عالم النفس Carl Rogers بهذا المعنى من خلال مفهوم التطابق (Congruence)؛ فكلما اقتربت خبرة الإنسان الداخلية من الصورة التي يحملها عن نفسه ومن الطريقة التي يعيش بها، أصبح أكثر انسجاماً مع ذاته... وكلما اتسعت المسافة بينها، ظهرت حالة من عدم التطابق.
وهذه المسافة قد تتسع أحياناً إلى درجة أن يشعر الأنسان بالغربة عن نفسه...
وهذا ما يسمى علمياً الاغتراب عن الذات (Self-Alienation)...
وقد حاولت الدراسات النفسية الحديثة قياس هذه الفكرة بصورة أكثر منهجية... ومن أشهر النماذج في هذا المجال مقياس الأصالة (Authenticity Scale) الذي طوره Wood وزملاؤه...
وهذا المقياس ينظر إلى الأصالة من خلال ثلاثة أبعاد مترابطة:
العيش الأصيل (Authentic Living)
قبول التأثير الخارجي (Accepting External Influence)
الاغتراب عن الذات (Self-Alienation)
والجميل في هذا النموذج أنه يجعلنا ندرك أن فقدان الأصالة لا يحدث فجأة.
فالإنسان لا يستيقظ صباحاً ليكتشف أنه أصبح شخصاً آخر!!!
إنها عملية بطيئة و بطيئة جداً...
تبدأ بتنازلات صغيرة...
فتقول شيئاً لا تؤمن به حتى لا تغضب الآخرين.
تختار تخصصاً لأن الناس يرونه أفضل.
تشتري شيئاً لأنه سيعطي انطباعاً معيناً عنك.
تجامل في رأي لا تقتنع به.
تخفي اهتماماً تحبه لأن محيطك قد يسخر منه.
وتظهر اهتماماً آخر لا يعني لك الكثير لأنه يمنحك القبول.
كل موقف من هذه المواقف قد يبدو بسيطاً في ذاته، وقد يكون بعضها نتيجة لما تقتضيه ضرورات التكيف الاجتماعي... لكن عندما تصبح هذه الطريقة نمطاً دائماً للحياة، فهنا يبدأ الإنسان شيئاً فشيئاً بتغيير بوصلته...
في البداية يسأل نفسه:
ماذا أريد؟
ثم يصبح السؤال:
ماذا يريد الآخرون مني؟
ثم يتطور مع الوقت إلى:
كيف سيراني الآخرون لو فعلت ذلك؟
ومع تكرار هذه العملية قد يصل إلى مرحلة أكثر تعقيداً، فلا يعود يعرف أصلاً ماذا كان يريد هو، و هنا مكمن الخطر!!
ولهذا ربما تسأل شخصًا:
ماذا تحب أن تأكل؟
فيجيب: أي شيء...
ما رأيك في هذا الموضوع؟
أنتم وش رايكم؟
ماذا تريد أن تفعل في حياتك؟
ما أدري !!!
وقد يبدو ذلك مرونة أو لطفاً، وقد يكون كذلك فعلاً في بعض المواقف، لكن عندما تصبح هذه الإجابات نمطاً عاماً فقد تعكس شيئاً أعمق: أن هذا الإنسان أصبح بارعاً في قراءة الآخرين، لكنه فقد تدريجياً قدرته على قراءة نفسه...
وهنا ينبغي أن ننتبه إلى نقطة مهمة جداً...و هي أننا جميعاً نتأثر بالآخرين...
و كلنا يعي أن الإنسان كائن اجتماعي، وبالتأكيد هويتنا نفسها لا تتكون في فراغ... فنحن نتعلم اللغة والقيم والعادات والأدوار الاجتماعية ممن سبقونا... ونحتاج إلى القبول والانتماء، ونعدل سلوكنا بحسب المكان والأشخاص والموقف...
لذلك فالأصالة النفسية لا تعني أن تقول كل ما يخطر في بالك، ولا أن ترفض المجتمع، ولا أن تجعل رغباتك الشخصية المرجع الوحيد لكل شيء.
الأصالة أكثر نضجًا من ذلك...
في ظني هي:
أن تعرف لماذا اخترت ما اخترته...
أن تستطيع التمييز بين ما تؤمن به فعلاً وما اعتدت قوله...
وأن تستمع إلى الآخرين دون أن يختفي صوتك بينهم...
وأن تستطيع تغيير رأيك لأنك اقتنعت دون أن يكون ذلك خوفاً من الرفض...
لكن شيئاً حدث في العقود الأخيرة جعل هذه المهمة أكثر صعوبة.
ظهرت وسائل التواصل الاجتماعي !!
فأصبحنا لا نعيش أمام الآخرين فقط...
أصبحنا نعرض أنفسنا عليهم أيضاً...
ففي الماضي، كان الإنسان يعيش التجربة أولاً، ثم ربما يحكيها لاحقاً لمن حوله في سياق يناسب القصة...
أما اليوم، فقد يعيش أحدنا التجربة وهو يفكر منذ لحظتها:
كيف سأصورها؟
ماذا سأكتب عنها؟
هل أنشرها الآن أم لاحقاً عند ظهور الترند المناسب؟
وكم ستحصل على إعجاب؟
وهكذا حدث تحول نفسي دقيق للغاية:
انتقل جزء من انتباهنا من عيش الحياة إلى مشاهدة أنفسنا ونحن نعيشها.
وهذا يقودنا إلى مفهوم تقديم الذات (Self-Presentation)، أي الطريقة التي يقدم بها الإنسان نفسه للآخرين، وإلى مفهوم قريب منه هو إدارة الانطباع (Impression Management)، أي محاولتنا التأثير في الصورة التي يكوّنها الآخرون عنا.
وقد تحدث عالم الاجتماع Erving Goffman منذ زمن مبكر عن الحياة الاجتماعية وكأنها مسرح؛ فالإنسان يقدم نفسه بصورة مختلفة بحسب الجمهور والموقف، وكأن هناك خشبة أمامية نؤدي عليها أدوارنا، ومساحة خلفية نعود فيها إلى أنفسنا.
لكن ماذا يحدث عندما نحمل المسرح معنا في جيوبنا؟
وماذا يحدث عندما لا تُغلق الستارة؟
هنا ندرك أن وسائل التواصل الاجتماعي اصبحت تفرض علينا تجربة مختلفة!!
فالإنسان الآن أصبح يقدم نسخة من نفسه...
ثم يحصل عليها إعجاب...
وتأتي التعليقات...
ويزداد عدد المتابعين...
ويكتشف أن نوعاً معينًا من الصور أو الأفكار أو الآراء يحقق تفاعلاً أكبر.
فيكرر أو يسترسل في هذه الأفكار...
ثم يكررها مرة أخرى...
ومع الوقت يحدث تحول بالغ الأهمية:
ننتقل من أن نعرض من نكون، و نبدأ نصبح ما اعتدنا عرضه للآخرين !!!
وهنا يظهر ما يمكن وصفه بـ الذات المعروضة أو المسقطة (Projected Self)؛ و هي النسخة التي نختار إسقاطها أمام الآخرين...
في البداية نصنع الصورة.
ثم تكافئنا البيئة الاجتماعية عليها.
ثم نتعلم المحافظة عليها.
وفي النهاية... ينقلب السحر على الساحر فتصبح الصورة هي من تصنعنا !!
وهنا تكمن المفارقة...
فالإنسان هنا لا يكذب على الآخرين إطلاقاً...
كل صورة نشرها حقيقية، وكل رحلة قام بها فعلاً، وكل إنجاز كتبه حدث بالفعل...
المشكلة الحقيقية في انتقائيتها !!
فنحن نعرض لحظات النجاح ونخفي ساعات الشك و المحاولات التي فشلت.
نعرض السفر ولا نعرض الملل و طوابير الانتظار.
نعرض الإنجاز ولا نعرض الإخفاق و تعب المحاولة.
نعرض الثقة ونخفي الحيرة و الشك و التردد.
وبعد سنوات من بناء هذه النسخة المنتقاة، يجد الإنسان نفسه مطالباً نفسياً بالمحافظة عليها !!!
فإذا عرفه الناس بالشخص القوي، أصبح من الصعب عليه أن يعترف بالضعف.
وإذا عرفوه بالناجح، أصبح الفشل تهديداً لهويته.
وإذا عرفوه بالسعيد، أصبح الحزن شيئاً ينبغي إخفاؤه.
وإذا بنى جمهوره حول رأي معين، أصبح تغيير رأيه مكلفاً، حتى عندما تتغير قناعته.
وهكذا يتحول الجمهور تدريجياً من متلقٍ لهويتنا إلى شريك في صناعتها.
..ومن هنا نستطيع أن نفهم العلاقة العميقة بين وسائل التواصل الاجتماعي والأصالة النفسية...
فالمشكلة ليست أن لدينا صورة رقمية عن أنفسنا، ففي ظني أن هذا أصبح جزءاً متوقعاً من الحياة الحديثة... المشكلة تبدأ عندما تصبح المسافة بين الذات المعاشة (Lived Self) والذات المعروضة (Presented Self) كبيرة إلى درجة أن الإنسان يصبح أكثر معرفة بالصورة التي يريد الناس رؤيتها منه من معرفته بما يشعر به فعلاً.
ومن هنا يبدأ الاغتراب...
فيصبح الإنسان في مفارقة عجيبة:
يعرفه آلاف الناس... بينما هو نفسه لا يعرف نفسه جيداً !!!
لهذا أصبحت بعض الأسئلة البسيطة التي يستخدمها الباحثون في دراسة الأصالة النفسية شديدة العمق عندما نتأملها:
هل أتأثر بشدة بآراء الآخرين؟
هل أفعل غالباً ما يتوقعه الآخرون مني؟
هل أشعر أنني أعرف نفسي جيداً؟
هل أعيش وفق قيمي ومعتقداتي؟
هل أنا صادق مع نفسي في معظم المواقف؟
هل أشعر أحياناً أنني بعيد عن "نفسي الحقيقية"؟
إنها أسئلة قصيرة، لكنها تكشف شيئاً كبيراً:
أين يقع مركز حياتك؟
في داخلك... أم في أعين الآخرين؟
وهنا يصبح من السهل جداً أن تنتقل بوصلة الإنسان من الداخل إلى الخارج دون أن يشعر...
و أزعم أن أحد أهم التحديات النفسية المهمة في عصرنا أن نحافظ على مسافة صحية بين من نحن وكيف نُرى في عيون الآخرين...
و لذلك أومن أننا في أشد الحاجة إلى:
أن نعيش أشياء لا نصورها...
أن نحب أشياء لا تحتاج إلى إعجاب أحد...
أن نحتفظ بآراء يمكن أن تتغير دون خوف من الجمهور...
أن نقوم بأعمال جميلة لا يعرف عنها أحد...
أن نسمح لأنفسنا بالحزن عندما نحزن، وبالتردد عندما نتردد، وبإعادة النظر عندما نكتشف أننا كنا مخطئين...
وأن يكون لدينا جزء من الحياة لا يحتاج إلى جمهور أصلاً...
الآن جرّب أن تسأل نفسك:
لو اختفت وسائل التواصل الاجتماعي غداً... ولو اختفى عدد المتابعين... ولو لم يعرف أحد ماذا تملك، وأين سافرت، وماذا أنجزت...
ما الأشياء التي ستستمر في فعلها؟
ما ماركات الملابس التي ستلبسها؟
ما الأماكن التي ستذهب إليها؟
ما الآراء التي ستظل تؤمن بها؟
ما الأحلام التي ستستمر في مطاردتها؟
في ظني، كلما كانت إجاباتك قريبة من حياتك الحالية، كنت أقرب إلى الأصالة النفسية.... وكلما اكتشفت أن أجزاء كبيرة من حياتك ستتغير إذا اختفى الجمهور، فقد يكون من المفيد أن تسأل نفسك سؤالًا آخر:
منذ متى بدأت أعيش الصورة أكثر مما أعيش نفسي؟
فربما كان أحد أكبر ممكنات الإنسان المعاصر أنه أصبح يمتلك أدوات غير مسبوقة ليُعرّف العالم بنفسه، ويوثّق أفكاره ومواقفه وتفاصيل حياته، ويصنع سرديته الخاصة أمام الآخرين.
لكن المفارقة أن هذا الإنسان، الذي لم يسبق له أن تحدث عن نفسه بهذا القدر، قد يكون أكثر حاجة من أي وقت مضى إلى أن يتوقف قليلاً ويسأل:
هل ما زلت أعرف نفسي؟
والله من وراء القصد،
#محمد_بن_سلمان_في_البيت_الأبيض
اللهم إنا نسألك باسمك الأعظم ، أن تجعله في حرزك وحفظك وجوارك وتحت كنفك اللهم سدد رأيه وأعظم هبته وارفع مكانته ووفقه لما فيه خير لوطننا المملكة العربية السعوديه والعالم اجمع ..
. لا تــــروح !!
هذا المشهد ذكَّرني بوالدي رحمه الله تعالى في آخر أيام حياته، وكم أعاد عليّ وعلى أبنائه هذه الكلمة: «لا تروح!» فأصبحنا نتناوب عليه يداً بيد حتى فارق الحياة.
✦ نصيحة:
فوق حسن الصلة بالوالدين حين عافيتهم كونوا قريباً منهم -وأشد وأكثر- في أيام مرضهم.
فإنهم يشعرون بـ"وحشةٍ" عظيمة.
إنها لحظات الفراق
فراق أهله وغرسه طيلة أيام عمره
فللوداع وحشة، وللفراق ألم
فكونوا قريباً منهم
لتسكن قلوبهم بكم
وتنعم أعينهم برؤيتكم
حتى آخر لحظة قبل الوداع الدنيوي
@SaudiDecisions مبارك التكليف يادكتورنا، فعلا قائد استثنائي بكل ما تحمله الكلمة من معنى، رح يفتقدك فرع الوزارة بالشرقية، نبارك لتبوك وأهلها و نسأل الله لك التوفيق والسداد أينما حللت.
#تغطية|
رعى صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن نايف بن عبدالعزيز آل سعود
#أمير_المنطقة_الشرقية اليوم، حفل جمعية أرفى للتصلب المتعدد؛ بمناسبة مرور 10 سنوات على تأسيسها، وكرّم سموّه #فرع_وزارة_الصحة_بالمنطقة_الشرقية ضمن شركاء النجاح، وتسّلم درع التكريم نيابةً عن سعادة المدير العام للفرع د.نورة الازيمع، رئيس الهيئة الطبية العامة.
#صحة_الشرقية
في وداع الراحل مبكرًا د. يوسف الصمعان
..
كالبرق عبر حياتنا د. يوسف الصمعان
وإذا كان كل من يعرفه وتعامل معه يعرف عنه الطبيب الحاذق والمفكر الطموح والمترجم الجاد
وأخيرًا الناشر المسؤول
الذي حول شغف تساؤلاته إلى مشروع كبير
ولكن لم يعرفه تمامًا
أظن هذا الحوار الذي أنجزه الزميل خالد الباتلي ونشرته صحيفة الحياة في عز مجدها ثم اقتنصه "إيلاف" الرائعة والمستمرة لتحفظه في ذاكرتها وذاكرة الكتابة، سيعطي إضاءة شافية عن تكوين ومسيرة وهواجس الراحل الصادق.
https://t.co/xUFnj1yEyg
@HekmahOrg إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن وإنا على فراقك يا يوسف لمحزونون….رحمه الله رحمة واسعة و جعل ما أصابه من مرض و حزن و فقد كفارة و طهور ورفعة لدرجاته، اللهم اربط على قلب زوجته وأبناؤه و كل محبيه يارب، إنا لله وإنا إليه راجعون.