لو أدرك الناس حيز الدنيا من مجمَل حياتهم لما حزن مظلوم على مظلمته، ولا أبقى خائفٌ على مخافته، ولا ركض جبانٌ إلى تهلكته، ولا أحجم مترددٌ في مواضع حميَّته، ولا خاصم امرؤٌ صاحبا، ولا أسلمَ إنسانٌ رقبته لتوافه الأيام تلويها كيفما تشاء.. "ساعةٌ من نهار" فما أجهل الآملين!
قرأ إمام صلاة المغرب "واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه"؛ انقبض قلبي، هزتني الآية هزا، شعرت بأن الدنيا تتفلت كلها من يدي، والحيلة منعدمة، سبحانك يا رب، وماذا يبقى لعبدك من بعد أن تحول بينه وبين قلبه، فمن يوكل وإلى من يفوض مسألته؟
..
تتبعتُ الكلمة فوجدت حولًا آخر، يوم آوى ابن نوحٍ إلى جبل يعصمه من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم، وحال بينهما الموج فكان من المغرقين، حال الموجُ، مخلوقٌ يحول بين مخلوقَين، فكان عاقبة أحدهما (الجبل) انتفاء القوة، وكان عاقبة الآخر (ابن نوح) الغرق؛ فكيف إذا حال الخالق جل وعلا بين مخلوقين؟!
..
كيف السبيل إلى قلبي، وهو في صدري، يخفق فلا يسمعه غيري، وينبض فلا يشعر به سواي، ويضخ الدم فيفور في عروقي، ويتوجع فينقبض دون إرادة مني، وليس بيني وبينه حائل، وهو داخلي، فكيف تحول بيننا يا رب؟! سبحانك نفر منك إليك!
..
ثم يظن العبد الجهول أن أمرًا من أموره بيديه، وهو الذي لا يملك ما هو أقرب، ولا أقرب من الأقرب إلا القائل سبحانه "ونحن أقرب إليه من حبل الوريد"؛ فكيف يعصي ويد الله بين حبله ووريده، وكيف يفجر وليس له من ناصر، وكيف يجد مخلوق عند مخلوق وسيلة وقد قال الخالق كلمته؟!
..
سبحانك سبحانك! قلوبنا ونحن بين يديك!
كل هذا الإغراق في المحتوى؟ كل تلك الكلمات، التفاعلات، المنتجات؟ مرعبٌ أننا موقوفون على الصراط، مسؤولون عن كل كبيرة وصغيرة، الصانع في ما صنع، والمستمع في ما استمع، سوق كبير، معروض في يوم العرض الأكبر، وقوفًا دون شيء، نُسأل عن كل شيء.
يحكي أنه كان هناك 150 بطل، قابلوا ربهم، دون أن يعلم عنهم أحد..
اليوم يتأكد كل شيء، ويخرج المتحدث الرسمي باسم كتائب أبطالنا في القطاع، ينعى رجالا رفضوا الاستسلام لأحط العدى، وفضلوا البقاء في الأنفاق حتى ملاقاة خالقهم..هل تتخيل الأمر..دعني أقرب لك جزء من ألف من الصورة..
هناك شباب حملوا سلاحهم وظلوا يتنقلون طوال عامين من نفق لنفق..ينتهزون الفرصة، يطلون برأسهم، يحملون قاذفاتهم، ويثخنون في العدو..قليل يعود، وكثير يرتقي..عامان صمد فيهم خيرة شباب الأرض، كما لم تفعل جيوش نظامية مدربة انهارت في أيام وأسابيع، أمام قوة تقل ألف مرة عما واجهه أبطالنا..ثم قيل لهم.. انتهت الحرب باتفاق ترامب الذي أزهقت من بعده أرواح خمسمائة شخص..
انتهت الحرب بعد الإفناء الكامل..ووجدوا أنفسهم عالقين وأمامهم أحد مصيرين..إما استسلام ذليل يرغب فيه العدو كصورة نصر أخيرة للمحارب وهو يرفع راية بيضاء ويسلم عتاده..أو البقاء في أنفاق خانقة..اغمض عينيك لحظة ثم تصور أنك في مساحة تسع بالكاد جسدك..جسدك الهزيل الذي يعاني الجوع لعامين، بلعومك المتشقق من قلة المياه، ثيابك المهترئة على جسد رطب من العرق، وبدنك المتشنج من نوبات ألم الجوع والبرد والعطش..تخيلت؟..هذه بالضبط كانت نهاية هؤلاء الأبطال..
كان يمكنهم التسليم والوشاية بزملائهم..الحروب تخرج أسوأ ما بالنفس البشرية، تفاجئك بما لم تكن تتوقعه عن نفسك، حب النجاة والتعلق بالحياة وكراهية الرحيل قد تدفعك للتخلي عن زملائك..لكنهم والله ما فعلوا، لأنهم على عقيدة لا تعرف سوى تقوى الله في الدنيا ولقائه الكريم في الآخرة..لا تعرف سوى الوطن والشرف والسلاح..في عز ما باع الكل، اشتروا بأرواحهم وأموالهم دينا ووطن..في عز ما كانت البارودة عند الكل مرحلة، يجنون من بعدها ثمار التنسيق الأمني، رضوا هم بفتات العيش وتراب الوطن، ولو كان الوطن في النهاية نفق..
ثم باعتهم الأمة فلم تطق حرا يذكرها بعبوديتها، ولم تقبل أن يحيا بين ظهرانيها كريما وهم منكسو الرؤوس..150 من خيرة شبابنا يقفون بين يدي الله..قابلوه ركعا سجدا، مقبلين لا مدبرين، صناديدا لا رعاديد..قابلوه على الفطرة التي غرسها في نفوسهم..رجال لا يقبلون الضيم..لا يرتضون الدنية في وطنهم ودينهم..قابلوه أحرارا في زمن العبيد المرصعة رؤوسهم بتيجان لا تساوي ذرة تراب عالقة في كعوبكم..
عزيزي البطل الذي ارتقى في الأنفاق وحيدا، متألما، جائعا، ظمآنا..صديقي بالألم وأخي في الدين والوطن..لا أعرف لك اسما، ولا أملك لك صورة..لكن قسماً بمن رفع السماء بلا عمد، لذكراك عندي باقية ما بقى في الصدر نفس، ولتكونن بطولتك على لساني خالدة، ما بقى في القلب قبس..وإن نساك الكل أتذكرك..جنات النعيم مثواكم، والسقيا من يدي نبينا الأكرم عزاؤكم..عزاؤكم عن عالم أفاق وعروبة مهزومة وأمة من المحيط للخليج ظننتم أبنائها إخوة لكم، فكانوا عليكم ضباعا وللعدو نعاجا..عزيزي الذي لا أعرف عنه سوى بطولته..تقبلك الله وأعز من أعزك، ونكس بالذل والعار رأس من تآمر عليك وخذلك..سلام لكم يا ساداتنا وتيجان رؤوسنا.
كان وجهه غائبًا، وصوتُه حاضرًا!
وكان بيانُه أشد على الأراذل من سِنانِه!
ولقد فرحوا بموته فوق فرحهم بموت غيره، ولقد كان سكوت كلماته أرحم بهم عندهم من سكوت بعض الرصاص والقذائف!
أفيعجز أحدنا ألّا يغفل وينسى؟!
أفيعجز أحدنا أن يكون بيانًا للحق ودفعًا للباطل وتذكيرًا بالغاية وإغاظةً للعدو وتبديدًا للغفلة ويقظةً للضمير وأثَرًا في النفوس؟!
أفيعجز ملايين عن أن يحملوا راية رجلٍ واحد من بعده ويثخنوا في العدو إثخانه؟!
لا كرب على صاحبنا بعد اليوم! .. فقد قضى ما عليه، ثم استراح من مرارة الصبر بعد القرح، ووحشة الفقد، وخذلان الأقاصي والأداني، وعجز المُعين، وخور النصير! .. وما عند الله خيرٌ للأبرار وأبقى!
وإنا لله وإنا إليه راجعون!
يعود أهل غزة إلى اللاشيء، يقولون على الشيء إذا اختفى "أثرٌ بعد عين"، تخيل أنه لا أثر، ولا عين؛ لا مكان يأوون إليه سوى الخيال، سوى ظل الركام المتفتت، سوى أن يشدوا خطا بين الذكرى والذاكرة وينصبوا بينهما مأتما وخيمة؛ لذا، انتهت الحرب أو بقيت؛ ثمة حروب لا توقفها صفقات ولا يخمدها وقف إطلاق نار؛ ثمة نيران لا تخمد إلا بكوثر الفردوس.
يا رب!
نجدد في لُجّة الكروب إيمانًا بك لا يضطرب، إيمانًا ليس على حَرْفٍ، إيمانًا لا يُقبِل في الرخاء ويُدبِر في الشدة!
نجدد في لُجّة الكروب (لا إله إلا الله)، فلا تتعلق قلوبنا إلا بك، ولا نخاف غاية الخوف إلا منك، ولا نرجو نهاية الرجاء إلا فيك!
أعجز الناس مَن إذا ضاقت عليه بعضُ أسباب الأرض عجز عن أسباب السماء، وأعجزُ منه مَن دعاه إخوانه المكروبون المكلومون الصابرون إلى بعض أسباب السماء - ركعتين ودعاء وإعلان يقظةٍ واهتمام - فعَجَز وغفل ولهى!
وكانت دعوات النبي صلى الله عليه وسلم في الكرب: "لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ العَظِيمُ الحَلِيمُ، لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ، لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ ورَبُّ الأرْضِ، ورَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ"!
يا رب!
نجدد في لُجّة الكروب إيمانًا بك لا يضطرب، إيمانًا ليس على حَرْفٍ، إيمانًا لا يُقبِل في الرخاء ويُدبِر في الشدة!
نجدد في لُجّة الكروب (لا إله إلا الله)، فلا تتعلق قلوبنا إلا بك، ولا نخاف غاية الخوف إلا منك، ولا نرجو نهاية الرجاء إلا فيك!
يا عظيم!
أنت العظيم الذي لا يُغالَب ولا يُقهر .. لا يحجبنا عن شهود عظمتك استضعاف عدوٍ أو تسلّط ظالم أو اشتداد مُصابٍ أو استحكام كَرْبٍ، فإذا شهدنا عظمتك حَقُرت في قلوبنا الدنيا وبلاياها وفراعنتها وجَبّاروها!
يا حليم!
لا ندعوك استحقاقًا عليك، أو غفلةً عن تقصيرنا في حقك وحق عبادك المؤمنين المكروبين، أو اغترارًا بنقاء ثوبنا وصحة عزّمنا، بل تعلُّقًا بحلمك وعفوك وكرمك!
يا رب!
أنت ربّ كل شيء ومليكُه .. بيدك مقاليد الأمور كلها .. وأنت ربُنا ورب المستضعفين يا أرحم الراحمين!
أنت رب العرش العظيم، أعلى المخلوقات وأعظمها، وأنت رب ما دونه من السماوات، وأنت رب ما دونها من الأرض وما عليها، عودًا إلى علياء عرشك الكريم الرفيع المجيد الشريف تارة أخرى، فقد أحاطت ربوبيتك بكل شيء، ووسع مُلْكُك كلَّ شيء، لا يعزب عنك شيء، ولا يُعجزك شيء، عمّت حكمتك ورحمتك كل شيء، لا يُعمي شيءٌ أحدًا عن ذلك إلا من عَمِيَ وضَلَّ، لا حول ولا قوة إلا بك!
اللهم لا تذيقنا مرارة النزوح ولا ألم التهجير،
اللهم ارزقنا ثباتًا في أرضنا، وطمأنينة في قلوبنا،
اللهم واجعل لنا من بعد الضيق فرجًا، ومن بعد العسر يسرًا، ومن بعد الخوف أمانًا.
#غزة
إن غزة لترفع أقواما وتضع أقواما، وإنها لتكاد تنجي أقواما وتهلك أقواما، وإنها لتدور عليها ولها كما تدور الأيام، فاتقوا يومًا لا يغني عنكم من الله شيئًا، يوم تتسع غزة، ويضيق العالم كثقبٍ في نعلها.
الآن الكرة ليست في ملعب المقاومة ولا العدو، وإنما الذين لطالما طالبوا "الشباب" بأن يردوا بالموافقة أيا كان المقترح؛ الآن ردوا بالموافقة فعلا دون تفاصيل، ولو كان الأمر لهم وحدهم لعاندوا أكثر، لكن رحمةً بأهليهم في غزة، فأين الطعانون اليوم من لمزهم وغمزهم؟! (الطعانون تحديدا لا الأهالي المتعبون) صدق الله العظيم: "لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا"؛ يعني لا ضغفا، ولا نقصا، ولا خيانةً، ولا غدرًا، بل "خبال".