تتنافس دول الخليج على أتمتة خدماتها، وكأن السرعة صارت غاية لا وسيلة.
نحن الإمارات الأفضل، سننجز الخدمة في ثانيتين. يأتي الرد من قطر، نحن سننجزها في ثانية، تتدخل السعودية لتحسم الموقف: سننجزها قبل أن تغمض عينيك.
قبل أسابيع، أعلنت الإمارات أن جوازات السفر لم تعد ضرورية في المطارات ولا حتى البوابات الإلكترونية. الكاميرات ستتولى المهمة: وجهك هو مفتاحك، عيناك هما توقيعك، وخطوتك داخل المطار ستُسجَّل قبل أن تكتمل.
من لحظة الهبوط، مرورًا بالجوازات، وصولًا إلى استلام الحقائب ومغادرة المطار، كل شيء سيتم بكاميرا في صمت بارد.
لا أسئلة، لا طوابير، فقط عدسة تراقب وتقرر.
على الأغلب، سيتهافت المؤثرون في السوشيال ميديا لترويج الفكرة: الإمارات شيء مستحيل .. يا الله.. 😀
في فنادق دبي، لا حاجة للبطاقة البلاستيكية. باب الغرفة سيفتح عندما تتأكد الخوارزمية أن هذا الوجه “مسموح له بالدخول”.
قطر والسعودية في الطريق نفسه. البحرين والكويت وسلطنة عُمان بعد عام أو عامين. المشهد واحد، والوتيرة واحدة، وكأن المنطقة كلها تتحول إلى مختبر مفتوح للتجربة الرقمية.
حتى تعمل هذه الأنظمة، لا يكفي برنامج ذكي أو كاميرا متطورة. المطلوب هو فتح نوافذ واسعة على قلب الدولة المعلوماتي: قواعد بيانات وزارات الداخلية والخارجية والعدل. معلومات الدخول، الإقامات، التأشيرات، القضايا الأمنية، وربما ما هو أبعد.
الشركة المشغّلة لا ترى وجه المسافر فقط، بل ترى تاريخه واحتمالاته وتصنيفه الأمني.
هكذا، دفعة واحدة، تصبح بيانات المواطنين والمقيمين (وجوههم، تحركاتهم، هوياتهم) سلعة جاهزة على طاولة شركات عابرة للحدود يعمل فيها مئات المهندسين والمبرمجين من مختلف بلدان العالم.
لا تقلق يا رجل، دولنا ستشتري ملكية هذه الشركات. حسنًا، ماذا عن المهندسين والمبرمجين..
لو كنتُ صاحب شركة تمتلك هذه التكنولوجيا لقدّمت هذه الخدمات مجانًا.
الصفقة الحقيقية ليست فيما ستدفعه الإمارات أو قطر أو السعودية أو البحرين، الصفقة هي في بحر البيانات الذي سيكون لي الحق في دخوله والاطلاع عليه، يمكنني لاحقًا بيعها أو مقايضتها أو تسريبها، بمليارات الدولارات.
إيران ستشتري.
إسرائيل ستشتري.
الولايات المتحدة ستشتري.
بريطانيا، فرنسا، روسيا، ألمانيا، إيطاليا… الكل سيشتري.
حتى قراصنة الإنترنت إذا لم يستطيعوا اختراق بياناتي سيشترون.
التكنولوجيا قوة، وكل قوة تحتاج ضوابط وتشريعات وسيادة رقمية حقيقية.
هذا الحقل لا يزال يعوم على بحر لا ضوابط فيه، فلا تبحروا فيه بسرعة.. وأعلموا أن موظف الجوازات الإماراتي والقطري والسعودي أحرص على سلامة بلاده من الكاميرا ومن يقف خلفها.