كلّما اتّسعت بصيرة المرء،أصبح أقلّ انبهارًا بالكثرة وأشدّ ميلًا إلى الجوهر فيختار القليل الذي يُشبهه والطرق التي تستحقّ عمره والأرواح التي تُضيف إلى روحه اتّساعاً لا استنزافاً تضيق دائرة اختياره؛ فينتقي صحبته، ويزن مجالسه، ويصون وقته، ويستوحش مما لا يرفع همته ولا يزيده معنى !
« اهدني لأكون أنا.. كما فطرتني، نقيًا بسيطًا صافيًا كما خلقتني، لا كما تريد التجارب أن أكون ولا كما يشكلني الضجيح من حولي ثبّتِ قلبي على فطرته الأولى، حيث لا زيف ولا تكلّف حيث.. أنا »
أول بشائر قبول دعائك أن يُهيئ لك الله كل الطرق لتقف بين يديه؛ فمن بث في روحك الافتقار، وأيقظ في صدرك الشوق إليه، وأذاقك حلاوة الأنس به، وسخّر كل جوارحك وسكب في روحك صدق الالتجاء؛ لم يزرع فيك كل هذا ليردّك، إنما أراد أن يغمرك بفضله حين ناداك إليه، وجعل دمعك أبلغ حديثٍ بينك وبينه.
السَّلام عليكَ يا صاحبي،
بقيَ الأحنف بن قيس يصوم تطوعاً حتى بلغ من العمر عتياً،
فقيل له ذات يوم: إنكَ كبير والصوم يُتعبك،
فقال: إني أُعدُّه لسفر طويل،
لسفرٍ طويل يا صاحبي، فتأملها!
ولستُ أريد أن أُخيفك مع أنَّ من أخافكَ فقد أمّنكَ،
ومن أمّنكَ فقد أخافكَ!
ولكني أُناديك: الزاد، الزادَ!
ما بعد الحياة سفر إلى الله يا صاحبي،
والدنيا موضع التزود، فتزوَّد!
وكلما صعب عليكَ أمر تعزَّ بالجنّة!
يا صاحبي،
كان النبيُّ ﷺ يُعزّي أصحابه بالجنة دائماً،
تُقطع ذراعي جعفر بن أبي طالب،
فيخبرهم أنَّ الله قد أبدله بهما جناحين في الجنة،
ويرى الصحابة مناديل حرير لملوك فارس فيعجبوا به،
فيخبرهم أن مناديل سعد بن معاذ في الجنة أجمل منها!
ويموت لأحدهم ولد صغير،
فيخبره أنه في كفالة إبراهيم عليه السلام وسارة
ويموت عبد الله بن حزام فيبكيه جابر ابنه،
فيخبره أن الله أحيا أباه وكلمه كفاحاً،
وقال له: عبدي، تمنَّ!
ويمرُّ على آل ياسر في العذاب،
فيقول معزياً: صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة،
الجنة عزاء عن كل مشقة يا صاحبي فتعزَّ!
يا صاحبي،
هذه الدنيا ستنقضي بحلوها ومرها،
جوع الصيام وعطشه سينقضي ويثبت الأجر،
وتعب القيام سيزول وتبقى الحسنات،
والممشى إلى المسجد سيُنسى أما الأجر فيُذكر،
فتذكر لحظة دخول الجنة يهُنْ عليك كل شيء!
والسلام لقلبكَ