«واحد طش»
أتنفس ضحكاتهم
قبل الهواء،
كأن رئتيّ مُعلقتان
في حناجرهم الصغيرة.
«اثنين طش»
أحيك من أصواتهم نجومًا،
أرقّع بها أُفقي
كلما انفتق الوجود.
«ثلاثة طش»
أتعثر بفوضى ألعابهم،
تسقط من يدي
هيبةٌ لا أحتاجها،
أشتم وجعي
ثم أستغفر ضاحكًا؛
فالفوضى أحيانًا
وجهٌ آخر للنعمة،
ودليلٌ على أن الحياة
ما تزال تفك صُرّتها
على أرضنا.
«أربعة طش»
أطاردهم في الممر،
أصغي إلى أقدامهم
تبتعد شيئًا فشيئًا،
كأنهم يتدربون
على التحليق خارج نظري،
وأتدرب بقلق
على فراغي القادم.
«خمسة طش»
أنادي أسماءهم واحدًا واحدًا،
فأكتشف أن اسمي الحقيقي
ليس في بطاقة الهوية،
بل في الطريقة
التي يقولون بها:
سم يبه.
«ستة طش»
أعدّ أحذيتهم عند الباب،
أحفظ مقاساتها،
والطين العالق بحوافها،
وأفكر بالحذاء الأول
الذي سيغادر البيت وحده،
ويعود بالعالم على كتفيه،
وأنا لا أستطيع
أن أنفض عنه ثقله
كما كنت أربط
شريط حذائه.
«سبعة طش»
يتضايقون لأن النوم
جاء مبكرًا،
وأبكي في داخلي،
لأن الزمن
لا يتأخر أبدًا؛
يجيء في موعده
مثل مُحصل ديون،
يجلس قليلًا بيننا،
ثم يغادر
ومعه يومٌ آخر
من طفولتهم…
ومن عمري.
«ثمانية طش»
ينامون أخيرًا،
فيسكت البيت،
ويعلو في رأسي سؤال واحد:
ماذا لو لم أكن كافيًا لهم؟
ماذا لو نسوا يومًا هذا الحضن،
وتذكروا فقط
صرخةً واحدة؟
«تسعة طش»
من عيونهم المغلقة
أفتح شبابيك صغيرة،
أطل منها على طفولتي؛
فأرى ولدًا بعيدًا
يركض نحوي،
يناديني بالاسم
الذي لم أعد أستخدمه،
ويهمس متعبًا:
لماذا كبرت فجأة؟
«عشرة طش»
أجدهم بسهولة؛
لأنهم يختبئون في قلبي.
أحضنهم دفعةً واحدة،
كأنني أضم عمري كله
في لحظة.
«واحد طش»
من جديد
تبدأ لعبتهم الصغيرة،
وتبدأ مهمتي الكبيرة:
أن أصنع من ضحكاتهم
خزائن للذكرى،
يفتحونها يومًا،
فتتدحرج أيامنا
كرات ملونة؛
يسمونها طفولتهم…
وأسميها حياتي.
«يقول الروائي إي. إل. دوكتورو أن كتابة الرواية "كقيادة سيارة في الليل؛ لا يمكنك أن ترى أبعد مما تصل إليه أضواء مصابيحك الأمامية، ولكن بإمكانك قطع الرحلة كاملة بهذه الطريقة!". حسنًا، هذا أيضًا ينطبق على كل إبداع أو مشروع أو إنجاز آخر!».
تُهدّئني الطبيعة، ويُهدّئني المشي الطويل فيها، تُهدّئني الجبال، ويُهدّئني تعاقب الليل والنهار… ويُهدّئني حضور محبوبي خلال كل ذلك، كجزءٍ من هذا النظام القادر على إعادتي إلى نفسي -دائمًا- مهما تعاظم التّيه…
—خلال لحظات الضوء الأخيرة من أعلى جبل أُحُد.
الحياة سلسلة لا نهائية من إعادة اكتشاف البديهيات. وهذا مكمن الدهشة فيها؛ لأن حتى كل ما نعرفه، نعيد التعرّف عليه، ونعيد صياغة فهمنا له مرة بعد مرة—أحيانًا خلال لحظة تجلٍّ هادئة، وأحيانًا خلال أكبر تحوّل نمرّ به.
الأكيد أن البداهة تتجدّد… مع حالنا وتوقيتنا.
خطوة واحدة فقط نحو العالم الخارجي (وإحنا في داخلنا نيّة الانفتاح والاستكشاف) تفتح لنا عشرات الفرص لمختلف التجارب والأرزاق.
العالم جميل ومُثير ومعقّد ومُلهم، في آنٍ واحد.
أحب أشوف الحياة كسلسلة لا نهائية من حالة فقدان التوازن ثم السعي لاستعادته.
في كل مرة نفقد الاتّزان ثم نحاول استعادته: نبني مهارات جديدة أكثر تعقيدًا وصلابة من سابِقها، نُطوّر فهمًا أعمق لذواتنا، ونكون أقرب لنسخة أكثر اكتمالاً من أنفسنا.
منكَ الصّدودُ ومني بالصّدودِ رِضى
مَن ذا علَيَّ بهذا في هواكَ قَضَى
بيَ منكَ ما لو غَدا بالشمسِ ما طلَعتْ
من الكآبَةِ أوْ بالبَرْقِ ما وَمَضَا
-أبو العلاء المعري.
إذا كانت السعادة غاية بذاتها؛ فالإنسان موعود بالخيبات. أما إذا كان العمل الصالح غايته؛ جاءت سكينته تبعًا لا طلبًا. والسكينة أرفع من السعادة وأقوم؛ إذ لا تقاس بمراقبة الشعور، بل بصدق الغاية، وطمأنينة الضمير، وثبات القلب. فالسعادة حالة مزاج، والسكينة حالة روح.
ستستمر خيباتنا في ذواتنا والآخرين الى ان تتحقق عظمة الخالق في نفوسها، ويتحوّل من مفهوم نكرره بألسنتنا إلى يقين يسكن قلوبنا.
أن لا إله ولا كامل ولا عظيم ولا آخر إلا الله.
قبل تحقق هذا اليقين، سنبحث عنه مرات عدة في أشياء زائلة وناقصة، ونحبط مرة تلو الأخرى
ولا طريق الا هذا الطريق.