وفي معية الله :
{ولَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا}
الدعاء صلة وقُربى..
لا خيبات ولا خذلان معه..
لانقص ولا حرمان..
لطف يتوالى، وإحسان يتعالى،
أمان وحفظ وحرز وحَصان.
ومَن وُهب الدعاء، رُزق فضل السعادة الدائمة التي لا شقاء معها أبدا.
{وحُصّل ما في الصّدور}
كل ما كان في الصدور، غائر في القلوب، مستتر في النفوس، محصل ومجموع ومعروض عند مَن يعلم السر والنجوى.
النهايات المبتورة التي لا تُختتم إلا في حياة غير هذه الحياة، ولا تكتمل إلا بموازيين تامة، في تمام وكمال سماوي عند مَن {يعلم خائنة الأعين وما تُخفي الصدور}.
﴿فَإنّي قَرِيبٌ﴾
تستوقفني هذه الآية الكريمة، تحتويني وتأخذ بمجامع قلبي.
قريبٌ سبحانه!
يراك ويسمعك، يرعاك ويحفظك، يسعدك ويطمئنك، يؤيدك وينصرك.
أقرب مما تظن
وأدنى مما تعتقد
لا مسافات، لا وسطاء، لا مواعيد، لا صعوبات، بل هو قُرب مؤكد وجِوار محقق، لا يشوبه شك، ولا يعتريه رَيب.
ليس كل ما يعتمل في القلب يُوصف أو يُقال، ثمة شيء يختلج ويضطرم، لا يُكتم ولا يُباح، تعجز عنه الحروف، ولا تحتويه الكلمات.
حقه أن يظلّ حبيس الروح، رهين الخاطر، يحيا بين القلب صمتًا والعقل حكمًا، هو في ثنايا الجوارح، لا يملك عنها تحررًا أو رحيلًا.
ونتعلق بالدعاء لأن الدعاء يجعل للحياة حياة، تُعوض ما فُقد، وتُحيي ما انقطع.
ونهرع إلى الدعاء لأن الدعاء علو سماوي، واتصال إلهي.
هو زاد المعجزات، ومطية المستحيلات.
ونحبّ الدعاء لأن الدعاء أمان القَلِق، ولُطف الرجاء، وفضل الأمل؛ نتواسى به على مُرِّ الحياة، وعُسر الكَبَد.
{فلا رَادَّ لفضله}
تداوي وجعك، وتطفئ جذوة قلقك، وتسكن لهيب انتظارك.
رضا وأمان ورحمة.
فكل ما في هذا الكون من قوى لن ترد عنك فضلا كتبه الله لك، ولن تملك حجب خير أراده الله لك.
وإن تأخر أو تأجل أو تباعد أو تعسر.
واقع لا محالة.
فلا راد لفضله،ولا مانع لرحمته،ولا ممسك لكرامته سبحانه.
الاتزان نضج ٌوارتقاء ُبالروح، وسموٌ بها في مدارج الكمال.
وهو وليد وعي المرء الحقيقي بنفسه، إذ إنّ أشد أعداء المرء جهله بنفسه.
وقديما قال ابن المقفع :(مِن أشدّ عيوب الإنسان خَفاءُ عيوبِه عليه، فإنّ مَن خفيَ عليه عيبُه خفيتْ عليه مَحاسنُ غيرِه).
{وما تُنفقوا من خير يُوفّ إِليكم وأنتم لا تُظلمون}
النفقة إلى الله عطاء وافٍ.
وفاء لا ينقص ولا يُبخس.
وتمَام لا يُقلل ولا يُجحف.
كل ما ينفق من خير عظُم أو صغُر، عُلم أو جُهل بميزان البشر، عند الله لا يضيع ولا يغيب ولا يخفى.
يُوفّى بعدل رباني، وجزاء ويقين وأمان إلٰهي.
أحبّ جدا جملة(بين يدي الله)والرحمة والتسليم التي تكتنفها،والرضا والأمان الذي تضيء به حروفها.
تتجسدها واقعا في ركعتين بجوف الليل تحشد رجاؤك (بين يدي الله)
في بث وحزن لا يُسكب إلا (بين يدي الله)
في تمتمة دعاء،وحفظ وسؤال لله وبين يديه،تُلقي بها همومك ومخاوفك وكل حمولك(بين يدي الله)
من بديع تأملات الرافعي رحمه الله، عن أمل الإنسان بالخيال فيما لا يملكه بالواقع، حيث يقول:
(خفّفَ اللهُ عن الإنسانِ فأودعَ فيه قوةَ التخيّلِ، يستريحُ إليها من الحقائق).
بين الضيق إلى الفرَج
والمرض إلى الشفاء
والرغبة إلى الغاية
والسعي إلى الهدف.
مسافة احتمال يتفاوت فيها وعليها البشر، تسمى الصبر أحيانا، وبلغة احتمالٍ أسمى وأرقى تُدعى الرضا.
هي فضلٌ يُمتاز به، واستقرار وأمان مهما بلغت وعورة الطريق، وقسوة المنعطفات.
{ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى}
كُلَّما سمعت هذه الآية، أو مرت أمام ناظري، أو أهداها الرحمن إلى خاطري.
جددت يقني بالقرآن وحياة القرآن، والقلب الذي عرف القرآن فأمِن واستقرّ واطمأنّ، فلا شقاء ولا بؤس معه.
هو القرآن رَأب لصدع الحياة، وبلسم لعلاتها، وشفاء من أدوائها.
في سورة الأنبياء..
قصص مختلفة
وابتلاءات متغايرة الأزمنة،والأفراد.
مشاهد ومجريات متباعدة..
تجمعها عاقبة واحدة، وتوحدها خاتمة ثابتة..
{فاستجبنا له}
نهاية ونجاة من الضيق والكرب والضر والغم..
{فاستجبنا له}
رسالة يقين بأمان الدعاء..
{فاستجبنا له}
رجاؤك يسمعه، وابتلاؤك لا يعجزه سبحانه!