#سارة_صالح_الطويل_رحمها_الله
مما استوقفني ونحن في المسجد أثناء الصلاة عليها غفر الله لها، ما ذكرت لي إحدى الأخوات بعد أن أثنت عليها خيرًا حيث قالت:
مما أذكره عنها في طفولتي أنها من القلائل
الذين كانت صلاتهم خاشعة.
وأثنا تعزيتي لإحدى أخواتها ذكرت ذلك عنها فقالت: إن صلاتها تُدرس! فدل على أن هذا ما تميزت به عمرها كله رحمها الله.
فسبحان الله أثر الصلاة الخاشعة الراكدة المطمئنة ظهر واضحا عليها رحمها الله، فقد تميزت بحسن الخلق والسماحة والبشاشة واللين ولا عجب
فكما جاء في كتاب الله العزيز في سورة المعارج:
﴿۞ إِنَّ ٱلۡإِنسَـٰنَ خُلِقَ هَلُوعًا ١٩ إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعࣰا ٢٠ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلۡخَیۡرُ مَنُوعًا ٢١
واستثنى من ذلك ﴿إِلَّا ٱلۡمُصَلِّینَ﴾
ولكن أي المصلين؟!
﴿ٱلَّذِینَ هُمۡ عَلَىٰ صَلَاتِهِمۡ دَاۤىِٕمُونَ﴾
﴿وَٱلَّذِینَ هُمۡ عَلَىٰ صَلَاتِهِمۡ یُحَافِظُونَ﴾
فهم يؤدونها في وقتها، وبطهارة وطمأنينة، لا يشغلهم عنها شاغل.
فصلاة كهذه " تحملهم على قلة الاكتراث بالدنيا، فلا يجزعون من شرها، ولا يبخلون بخيرها". [ابن جزي: ٢/٤٩٥]
ونحسب أن سارة الطويل غفر الله لها من أولئك الذين أكرمهم الله بهذا الفضل ..
وقد جاء عن نبينا عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه أنس بن مالك :
"أولُ ما يحاسبُ بهِ العبدُ يومَ القيامةِ الصَّلاةُ ، فإنْ صَلَحَتْ ، صَلَحَ سائِرُ عَمَلِه ، و إنْ فَسَدَتْ فَسَدَ سائِرُ عَمَلِه"
أخرجه الطبراني في (الأوسط) (١٨٥٩)
نسأل الله أن يرزقنا صلاة خاشعة مطمئنة ترضي ربنا عنا، ويغفر لسارة الطويل ويرحمها ويجمعنا بها في عليين، ويجبر قلوب أحبتها ويرزقهم الصبر ويعيذهم من الشيطان ونزغاته وحيله.
وداعا أيتها الأميرة!
لم تبدأ صلتي بأسرة الطويل آل منقور، بمصاهرتي لابنة أختهم رفيقة دربي، الأستاذة الفاضلة ندى الرشيد، بل ترجع العلاقة معهم إلى القرن الثاني عشر الهجري، حينما جاور جدي الأعلى عبدالله بن محمد بن عواد، جدهم الأعلى حمد بن محمد الطويل في العيينة.
وحمد الطويل ورد ذكره عام ١١٧١هـ حينما ذكره ابن بشر في مزرعته المسماة أم صوى في العيينة، ضمن أحداث وقعت لصهره ابن مبارك، مع أمراء الدرعية.
وحينما اشترى جدنا من (صهره ايضا) حمد الطويل مزرعته أم صوى، انتقل الأخير منها وسكن حي الطرف شرق العيينة، في مزرعته المسماة جَبْرَه؛ فلحق به جدنا واشترى المزرعة المجاورة لجبرة على ضفاف الوادي المسماة أم عاير، التي لا تزال تملكها أسرتنا إلى حينه.
وحدث في منتصف القرن الثالث عشر أن جفت آبار العيينة تماما، ويبست مزارعها، فغادرها عبدالله بن حمد الطويل وأسرته إلى الدرعية، فلحق أبناء الجد عبدالله بن عواد الثلاثة بأخوالهم إلى الدرعية، وغرسوا فيها مزرعتيهم البديعة والعفيري.
وحين توفي أمير الدرعية عبدالعزيز بن سالم، عين الإمام فيصل بن تركي، (جدي!) إبراهيم الطويل أميرا لها؛ لما يتمتع به من صفات قيادية، وعلم شرعي، سبق أن تحدثت عنه في تدوينة سابقة.
واستمرت العلاقة القوية بين آل عواد وأسرة الطويل، فكان أن تزوج والد جدي، إبراهيم بن علي العواد، من حفيدتي الأمير إبراهيم (بنات ابنه عبدالله)، الأولى أنجبت ابنه عبدالله بن إبراهيم الذي سكن قرية العلب، والثانية (سارة) وأنجبت جدي علي، ثم توالت الزيجات بين أسرتينا وبلغت خمس زيجات.
وكانت أسرتنا في الدرعية تمثل الفلاحين والتجار، فيما أسرة الطويل تمثل المشتغلين بالعلم الشرعي وإمامة المساجد والتدريس؛ فنبغ منهم سليمان بن عبدالله الطويل في التدريس والإمامة وكتابة الوثائق، وهو خال جدي، وسعد الطويل، الذي كان مؤذنا في مسجد المريّح، وهو الجد المباشر للفقيدة سارة.
وحينما تزوجت ابنة الفاضل عبدالعزيز بن رشيد منذ ثلاثين سنة، كنت ألاطف زوجته سارة في الكلام، وأقول لها سأسميك الأميرة سارة؛ فجد جدك الأمير إبراهيم الطويل، فتضحك وتقول: الله يرفعنا في الآخرة، أما الدنيا فمهيب مطمع.
كانت سارة عذبة السجايا، متواضعة جدا؛ فترفض أن أقبل رأسها، واستمر تمنعها من تقبيل رأسها إلى أن توفيت، وفي كل مرة أقبل رأسها عنوة، وحينما دخلت عليها في المغسلة وهي مسجاة على اللوح، وهممت بتقبيل جبينها، تمنيت وقتها لأول مرة، لو رفعت يديها وتمنّعت عني كعادتها، لكنها هذه المرة سمحت لي أخيرا، ففاضت عيناي.
حينما تزوجت ابنتها، كان الفاضل والد زوجتي وهي، يصران على أن نتناول الغداء كل جمعة عندهما، فيبالغان في إكرامنا، ويؤانسانا بالحديث، ويرفضان بشدة أن نرد لهما الدعوة، وكانت الأميرة سارة تتفن في الطبخ المنزلي وعمل الحلوى، وحينما نعتذر عن الحضور لظرف ما، ترسل لنا الطعام ساخنا.
احتفت بأبنائي أيما احتفاء، وسرت كثيرا لما دخلوا جميعا مدارس تحفيظ القرآن، واحتفلت بهم بعد تخرجهم، وسرت كثيرا حينما تخرجا من كلية الحاسب، ثم التحقا بالوظيفة، وكانت تنتظر تخرج ابني الثالث عواد بفارغ الصبر.
لن أحكي عن تديّنها وحبها لمجالس الذكر، فذلك لا تسعه صفحات، لكن أبرز صفة رأيتها فيها، كرهها الشديد لمجالس الغيبة، ومجالس اللهو.
كانت تصوم كل اثنين وخميس، وتقوم الليل لا تفتر، وقد عزمت على العمرة بصحبة أم عبدالرحمن في إجازة اليوم الوطني القادمة، وأتمتا الحجوزات، كما عزمتا على الحج سوية هذه السنة، أسأل الله أن يكتبا لهما أجر نيتهما أجرا كاملا.
رحم الله الأميرة سارة الطويل، ورفع قدرها عنده، وبلغها منازل الأنبياء والصديقين والشهداء، وأنزل علينا وعلى ذريتها السكينة والسلوان، والحمد لله على ما قدر وقضى
رحم الله الجميع
* الصورة المرافقة كتبتها الأميرة سارة بخطها، في سجل زيارات متحفي، في إحدى زياراتها لنا.
هناك جنازاتٌ لا تُشبه غيرها، وهناك أحزان ليست ككل الأحزان، جنازاتٌ تشعر حين تشهدها أن السماء فتحت أبوابها لتستقبل روحًا كانت تحبها!، وأحزان تشعر معها كأنك لم تحزن من قبل، مرارةُ الفقد وهولُ المفاجأة كفيلان بأن يجعلانك معقود اللسان مشلول الفكر.
ذهبتُ للجامع اليوم للصلاة على حبيبتي الغالية #سارة_الطويل؛ ففوجئتُ بزحامٍ يملأ الأركان رجالًا ونساءً يكسوهم الحزن.. ظننتُها جنائزَ كثيرة لمتوفين عديدين، لكني صُدمتُ بمهابة الحقيقة، وما كان أفدح صدمتي حين علمتُ أنها صلاةٌ على جنازةُ الحبيبة سارَّة الطويل فقط..
حينها انهمرت دموعي، وعرفتُ السر.. عرفتُ لماذا كانت هذه المرأة الصوَّامة القوَّامة العابدة الزاهدة قريبةً من كل القلوب.
لقد عاشت مع القرآن الكريم، ورحلت وهي تتنفس آياته؛ سمَّعت حزبها، وواعدت صاحباتها في الدار على إفطارٍ قريب، فشاء الله أن يكون إفطارها في جواره، وأن تزفّها دعوات المحبين ورفيقات القرآن اللاتي جئن يودعن أثرًا طيبًا لا يموت.
أبصرتُ في مشهد وداعها كيف يرفع الله أهل القرآن الكريم، وكيف يضعُ لخاصته القبول في الأرض. أبصرتُ خُلقها الطاهر يشرقُ في أثر تربيتها، وفي قلب ابنتها البارة الخلوق أختي الغالية #حنان_الرشيد، وأيقنتُ من أعماقي أن صحبة القرآن هي العروة الوثقى التي لا تنفصم، وأن رفاقه هم أصدق رفاق الدنيا والآخرة.
رحلت سارة الطويل فجأة…
لكنها رحلت وقد تركت وراءها أثرًا طيبًا، ومحبةً في القلوب، وصحبةً للقرآن الكريم، وسيرةً عطرةً نرجو أن تلقاها عند الله تعالى، لقد تحقق فيها قول رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم: «أنتم شهود الله في أرضه»، وها أنا قد رأيت بأم عيني شهادة كل هؤلاء الناس للفقيدة سارة الطويل رحمها الله، وجعل القرآن صاحبها في قبرها، وشفيعها عند الله تعالى، ورفيقها في آخرتها، وجمعها مع أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته.
اللهم لا تحرمنا أجرها، ولا تفتنّا بعدها، واغفر لنا ولها.
اللهم ارحم صاحبَة الروح الطاهرة الخفيفة.. واجعل القرآن لها أنيسًا ونورًا في قبرها، واربط على قلوب أولادها، وذويها وصاحباتها، واجزها عنا وعن كل مَن عرفها خير ما تجزي به عبادك الصالحين.
ولا نقول إلا ما يرضي الله تعالى:
﴿إنا لله وإنا إليه راجعون﴾.
﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾
إنا لله وإنا إليه راجعون
انتقلت إلى رحمة الله تعالى /
سارة بنت صالح بن سعد الطويل (أم فهد)
زوجة عبدالعزيز بن فهد بن رشيد.
رحمها الله رحمةً واسعة، وغفر لها وأسكنها الفردوس الأعلى من الجنة يا رب العالمين..
وموتى المسلمين
وسيُصلّى عليها – بإذن الله – عصر غد يوم الجمعة
الموافق ٧/ ٤/ ١٤٤٨هـ
في جامع منيرة الناصر بمحافظة الدرعية
https://t.co/F40xCIZ6ZK
وسيكون الدفن في مقبرة العمارية :
https://t.co/r6Tiy5mqbQ
عزاء الرجال في المنزل من بعد صلاة العصر وحتى أذان العشاء:
https://t.co/MnwdxBk8UE
وعزاء النساء في المسجد فقط.
أحياناً تتحمّس لشيء، ولحظة الحصول عليه يخيب ظنّك وما يكون قد حماسك، وهنا تكمن المشكلة في التعويل على المستقبل.
مهم العمل على الحاضر، أن تبني لك عادات جيّدة وتخلق لك روتين يرفع من جودة يومك، ومثل ما قال خالد الفيصل:
ما فات خلّه ولا تهتم من باكر
واغنم من اليوم ما ساقت توافيقه
لدي إيمان راسخ: أن الإنسان الجيّد الذي يحمل في داخله بذرة أصيلة طيّبة، ونشأ على السجايا الحميدة، والأخلاق الكريمة، وضربَت جذورها في أعماق تكوينه، لا يستطيع أن يكون سيّئًا، حتى ولو حاوَل سيفشل، ستمنعهُ قِيَمه، سترفعهُ عن القاع رغمًا عنه.
لا تُعوّد نفسك على كثرة الانسحاب في وسط الطريق، في أي أمر تشرع فيه :"برنامج، كتاب، مدارسة، مبادرة، مشروع...".
وخيرٌ لك أن تُكملها على عِوج، من أن تخرج في منتصفها.
فإن من سهل عليه الاعتذار وكثر منه ذلك، قلّ أن يلتزم بشيء، وبات كلما بدأ في تجربة جديدة، دار في خلده سؤال: متى سأخرج؟
مشكلة "الاستسلام" أنه مرتبط في أذهاننا بالخسارة والخذلان، استسلم يا صديقي في بعض "معارك الحياة" اللي ما فيها أي فائدة غير استنزاف جهودك وتركيزك ووقتك ومالك وخلهم يفوزون فيها، فاستسلامك هنا هو الفوز الحقيقي، ومن حقك على نفسك أن تحفظ طاقاتك من أجل معارك مجدية تستحق الخوض.